رأي

لماذا يريد الجزائريون استمرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحكم؟

د قادة جليد
ــــــــــــــــــــــــ

تشهد الساحة السياسية في الجزائر اليوم تجاذبات على مستوى الخطاب السياسي بين أحزاب الأغلبية الرئاسية الموحدة بمشروعها وأهدافها وأحزاب المعارضة السياسية المشتت التي تتنافس فيما بينها في تمثيل المعارضة من أجل التفاوض باسمها مع النظام السياسي القائم، وتسارعت حدة الخطاب مع اقتراب استحقاق سياسي ينتظره الجزائريون لأهميته، وهو الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في أفريل 2019، فليس غريبا أن يكون هناك جدل سياسي ومنافسة بين البرامج السياسية ولكن الغريب أن المواطن الجزائري أصبحت هذه الخطابات السياسية لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد، فالخطاب السياسي للمعارضة مثلا محكوم بمجموعة من التناقضات والنزعة الدوغوماتية إلى حد الإنفصال عن الواقع، فهو خطاب موجود ومكرس في وسائل الإعلام فقط، أما على صعيد الواقع فلا تجد له أثرا، أي ليست له حاضنة شعبية تسنده أو تتفاعل معه، إن خطاب المعارضة السياسية في الجزائر يوظف إستراتيجية عدمية متهافتة من خلال حجب كل ما تحقق من إنجازات في الجزائر منذ سنة 1999 وإلى اليوم ويسعى إلى تهويل الواقع وتسويد المستقبل والتشكيك في إرادة التفاؤل التي استرجعها الجزائريون والجزائريات بفضل سياسة الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي أخرج الجزائر من النفق المظلم، وهو مشروع لم يكن من السهل تحقيقه لولا تضحيات جسام وحكمة السيد عبد العزيز بوتفليقة ومكانته السياسية في الداخل والخارج، بل وتتجه المعارضة في الجزائر وهي مفصولة عن الشعب والواقع والحقائق إلى حد التكتل في حركة تسمي نفسها مواطنة من أجل منع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للترشح لعهدة جديدة وهو منطق عبثي أشبه بالسلوك الدونكيشوتي لم نسمع به من قبل في الفكر السياسي والممارسة السياسية والأعراف السياسية العالمية، فما معنى أن يتكتل شخص أو مجموعة أشخاص ويكون برنامجهم السياسي الوحيد هو منع شخص آخر من الترشح وهو حق دستوري والشعب هو الفيصل وصاحب الكلمة في الأخير، إنه ولا شك يعبر عن حقيقة جوهرية بكل أسف، وهي أن أحزاب المعارضة في الجزائر قد وصلت إلى نقطة الإفلاس التاريخي، أما أحزاب الأغلبية الرئاسية فقد اتخذت موقفها مجتمعة وفي انسجام تام لدعوة ودعم رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في الترشح لولاية جديدة وهو موقف طبيعي وديمقراطي وقرار سيد .

ولكني في هذه الورقة، لا أريد أن أركز على موقف أحزاب الأغلبية الرئاسية أو موقف أحزاب المعارضة فهي مواقف معروفة وواضحة، ولكن ما يهمني هو موقف الشعب الجزائري الممتد في الجزائر العميقة، وما يهمني هو تلك النظرة السوسيولوجية الناقدة والفاحصة، كيف يفكر هذا الشعب، وكيف يقيم المسؤولين وخاصة ونحن على بعد أشهر قليلة من الإنتخابات الرئاسية ؟

إن الشعب الجزائري يدرك تمام الإدراك أنه في تاريخ الجزائر المعاصرة هناك تاريخ ما قبل 99 وتاريخ ما بعد 99، وهناك الكثير من الإنجازات لا يمكن حصرها تحققت على أرض الواقع وهي ملموسة وقد استفاد منها جميع الجزائريين والجزائريات، ولا يمكن للمعارضة أن تحجبها أو تشكك فيها مهما كان خطابها السياسي أو مرجعيتها الإيديولوجية، فلقد استطاع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مثلا على صعيد الواقع ومن خلال البرامج الرئاسية المتتالية أن ينجز أكثر من خمسة ملايين سكن، أي أنه استطاع أن يعيد إسكان أكثر من نصف سكان الجزائر الذين بلغ عددهم 43 مليون نسمة، ناهيك عن المنشآت الإقتصادية والإجتماعية الأخرى كبناء الجامعات والمدارس والمستشفيات والسدود والطرقات وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين، هذا كله بالموازاة مع تبني نموذج إقتصادي جديد وهو اقتصاد إنتاجي بامتياز خارج قطاع المحروقات وضعت الدولة الجزائرية قاعدته الأساسية والهيكلية ودخل مرحلة الإنتاج الفعلي تدريجيا ويقدر الخبراء والمختصون أنه في آفاق 2019 _ 2030 فإن هذا القطاع عندما يصل إلى المرحلة القصوى من الإنتاج والتصدير سوف يوفر للجزائر ما قيمته 30 مليار إلى 40 مليار دولار وهي قيمة تعادل مداخيل الجزائر اليوم من المحروقات .

إن المعارضة السياسية في الجزائر لا تقول الحقيقة رغم معرفتها جيدا، ولا تعطي الأرقام الصحيحة، هذه المعارضة التي استفادت من ريع الدولة ولا زالت تستفيد منه إلى اليوم، ومشكلها الوحيد مع السلطة أنها أزيحت من المناصب والمسؤوليات بحكم قاعدة التداول، وهي اليوم تختار المحطة المناسبة فقط للتشويش على المسيرة وعندما تنتهي الإنتخابات الرئاسية سوف تعود من جديد إلى سباتها العميق .

لقد حبا الله الجزائر وبفضل تضحيات الشهداء الأبرار بمساحة شاسعة تقارب المليونين ونصف مليون كلم مربع، أكبر دولة في إفريقيا، وهي مساحة تفوق مساحة فرنسا ثلاثة أضعاف وأكثر، وهذه المساحة تتطلب منشآت قاعدية في شتى المجالات زيادة على المرافقة الإجتماعية للمواطنين الذين تتكفل بهم الدولة من خلال سياسة الدعم الإجتماعي ضاربة بذلك عرض الحائط توصيات صندوق النقد الدولي الذي يحذر من الإنفاق العمومي لأن ذلك يدخل في إطار سيادة قرارها الإقتصادي والسياسي وتأتي المعارضة وتسأل اليوم : أين ذهبت أموال البرامج الخماسية الرئاسية ؟

إن عدد المتمدرسين في الجزائر في الطور الإبتدائي والإكمالي والثانوي يقارب ثمانية مليون تلميذ وهو رقم يعادل عدد سكان دولة جارة، زيادة على طلبة الجامعات الذين يقترب عددهم من اثنين مليون طالب وكل هؤلاء متكفل بهم من طرف الدولة، أي ضمان مجانية التعليم والمساعدات والخدمات الإجتماعية الأخرى، مثل المنح والإيواء والنقل والإطعام وكله تحت مسؤولية الدولة وإشرافها المباشر، وفي هذا الإطار وفي إطار سياسة تكريس الدعم الإجتماعي خصص رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في قانون المالية لسنة 2019 نسبة21 بالمائة من الميزانية العامة للتحويلات الإجتماعية التي يستفيد منها المواطن الجزائري في شكل خدمات ومساعدات اجتماعية مباشرة، وهذا البعد الإجتماعي الذي تكرسه الدولة اليوم في كل قوانين المالية المتعاقبة مكرس في بيان ثورة أول نوفمبر المجيدة الذي دعا الجزائريين إلى الثورة والتحرر من الإستدمار الفرنسي وإقامة الدولة الديمقراطية الإجتماعية ذات السيادة في إطار مبادئ الإسلامية.

ومن هنا نخلص إلى حقيقة جوهرية وهي أن القوة الحقيقية في المجتمع الجزائري هي الطبقة الوسطى، وهي أساس التغيير الحقيقي في كل المجتمعات عبر التاريخ، وهذه الطبقة الوسطى هي القوة الغالبة في المجتمع الجزائري وهي الكفة الراجحة في كل إستحقاق سياسي، وهذه الطبقة الوسطى ترى في الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الناطق باسمها والمدافع الفعلي والمحافظ على مكتسباتها في عالم اقتصادي صعب ومتغير، إذ بفضل هذه العقيدة السياسية وهي قناعة الشعب الجزائري والطبقات الوسطى استطاع أبناء الفلاحين والموظفين البسطاء في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من تبوأ مناصب هامة في الدولة مثل منصب وزير حتى رئيس وزراء، إن هذه الطبقة الوسطى التي تمثل مختلف الفئات الإجتماعية من الشعب هي التي عودتنا بمشاركة قياسية في الإنتخابات الرئاسية تتجاوز نسبة80 بالمائة وهي نسبة تختلف كثيرا عن نسبة المشاركة في التشريعيات والمحليات

إن الشعب الجزائري وفي المراحل التاريخية الحاسمة والخيارات الإستراتيجية يعرف مصلحته جيدا ويعرف من يتربص به في المنعطفات والمنحدرات وأودية العبث والعدم، كما أن سياسة التشويه والإبتزاز الممارسة سواء من أطراف داخلية أو خارجية لن تثني الشعب الجزائري في مواصلة مسيرته والمحافظة على مكتسباته وصورة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عند الشعب لا يمكن أن تزعزعها الخطابات الحاقدة لأن صورة الرئيس عند الشعب مسنودة بالوقائع والحقائق، الحقائق كما يراها الشعب بنفسه وأمام عينيه ولإ يحتاج في ذلك إلى وسيط أو خطيب سياسي مفوه لكي يقوم بشرحها، فالإنجازات والمكتسبات هي التي تتحدث بنفسها وعن نفسها، لذلك ولكل هذه الأسباب وغيرها يريد الجزائريون من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن يقدم تضحية جديدة بقبول دعوة الشعب له للترشح للإستحقاق الرئاسي لسنة 2019.

صحيح أن الرئيس مريض ولا يتمتع بالصحة الكاملة كما كان من قبل، هذه الصحة التي أفناها في خدمة الوطن مجاهدا وقائدا والشعب يعرف ذلك جيدا ولا ينسى رموزه وصناع تاريخه وباعث نهضته ومع من وقف معهم في أصعب الظروف وأحلكها يوم سكت البعض وتواطأ البعض وهرب البعض الاخر، وبهذه القناعة المبدئية التي لا تتزعزع سيذهب الشعب الجزائري بقوة إلى الإستحقاق السياسي القادم للإنتخاب على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من أجل مستقبله ومستقبل أبنائه ومن أجل الجزائر بعيدا عن الليبرالية المتوحشة وبعيدا عن السفسطائيين الجدد والمعارضة الدونكيشوتية.