مجتمع

لغز الموت المفاجئ … هل من تفسير ؟

 دكتورة ياسمين نايف عليان

في خضم الحديث عن التقدم التكنولوجي الهائل الذي تعيشه البشرية اليوم ظهرت العديد من الأمراض الفتاكة والتي أولى لها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أهمية كبيرة ربما لأنها لم تكن معروفة من قبل وغير منتشرة، أو لأنها كانت محدودة الانتشار، فمثلا مرض السكري أطلق عليه العلماء” القاتل البطيء” حيث أنه يصيب الإنسان لفترة طويلة دون اكتشافه،وأمراض القلب وغيرها من الأمراض، والحديث الأن منصب حول فايروس “كورونا ” الوباء الذي يزحف ويقتل، لقد بتنا نسمع عن أمراض غريبة فتاكة وقاتلة دون معرفة التشخيص والسبب الرئيس، وبات الموت المفاجئ أيضا للشباب يشكل ناقوس خطر على مجتمعاتنا وربما مخاطرة باتت أكبر من أي مرض خطير فأصبح ظاهرة العصر المتفشية مثل السوس الذي ينخر الشجر يوم بعد يوم ويؤدي بالتالي إلي هلاكها.

وقائع الموت المفاجئ باتت كالشبح منتشرة لا تميز بين روح طفل صغير أو شاب كبير بدون جرس انذار أو ناقوس خطر مسبق يعلم الشخص بأي علامات عرضية أو مرضية أو مشاكل عضوية لينته فعادة ما نسمع أن فلان قد توفي وهو بصحة جيدة ولم يسبق له ان اشتكي من أي مرض، سابقا عندما كنا نسمع عن وفاه شخص فجأة بدون مقدمات يصيبنا الدهشة والاستغراب ونطرح العديد من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لوفاته وكانت الإجابة بأنه مصاب بمرض عضلي مثلاً وأن أهله يخفون عليه مرضه خوفا عليه من تدهور حالته النفسية والصحية، والغريب بالأمر اليوم عندما نسمع الاحصائيات الكبيرة للموت المفاجئ لفئة الشباب بات الناس يستقبلون الخبر بكل بلاده ودون أي مبالاة كأنهم تأقلموا على سماع تلك الأخبار وباتت ليست بالغريبة على أذهانهم وأسماعهم، وهناك على النقيض من يستقبل الخبر كالصدمة والفجيعة الكبيرة فتتوقف قوة إدراكه بمعرفه ما جري ربما لأنه المعيل مثلا لأسره ما أو لأنه الابن الوحيد فلا يتقبلوا الخبر فيتخيلونه كأنه كابوس مفزع، وربما يتبادر لأذهانهم أنه قد دفن وهو حي فينسجوا الأوهام والتخيلات الكثيرة بسبب رفضهم للحدث، وهناك من يستقبل الخبر بدهشة وذعر شديد وما يكادوا أن ينسوا الخبر إلا وأن يتجدد على أسماعهم حالة وفاه جديدة، ذلك كله جعل كثير من العاملين في المجال النفسي والعضوي للبحث عن الأسباب الحقيقية للموت المفاجئ وما هي الأسباب المؤدية لذلك وما هي سبل الوقاية منه وهل هي أسباب وظروف بيئية أم ماذا؟ تساؤلات كثيرة تطرح على الساحة وبحاجة للبحث والإجابة عنها بشكل جدي لأنها باتت ظاهرة خطيرة تخطف الشباب وهو في مقتبل العمر على غفلة فتحرق قلوب محبيهم وأهاليهم، لقد بتنا نواسي أنفسنا بمقوله “عددت الأسباب والموت واحد» عندما يتعرض أحدهم للموت بشكل غريب أو بسبب غير مألوف، فالموت قديما ارتبط بالتقدم في العمر أو المرض الشديد أو نتيجة لحادثة ما كالانتحار أو القتل وجميعها أسباب اعتدنا عليها.

لقد أطلق العلماء عدة مسميات على الموت المفاجئ فمنهم من يعرفه بأنه «متلازمة الموت المفاجئ»، ومنهم من يطلق عليه بأنه «أعراض الموت المفاجئ غير المتوقع» وقد انتشرت مؤخرا بشكل كبير حالات الوفاة، وكانت السكتة الدماغية أو متلازمة الشريان التاجي من أبرز الأسباب، حتى أن منظمة الصحة العالمية أقرت أنهما على رأس قائمة الأسباب العشرة الرئيسية للوفاة في العالم، وبما أني أخصائية نفسية كثيراً ما يتم توجيه الأسئلة لي من الناس حول ما هي الأسباب الرئيسة ! وهل الظروف النفسية السيئة التي يحاط بها الشخص ممكن أن تودي به إلى الموت! لا أحد يستطيع أن ينكر أن الظروف والضغوط والأحداث والأخبار التي نتلقاها يومياً تؤثر تأثيراً كبيراً ولكن الأمر مرتبط بقدرة الشخص على التحمل ومدي استقباله للخبر وكيفية تعامله مع هذه الأزمة والصدمة التي تعرض لها، فطبيعة التكوين النفسي تختلف من شخص لشخص أخر وهذا كله يرتبط بقوة جهازه العصبي المركزي الذي يستمد منه قوته في طريقة تفكيره سواء بإيجابية أم سلبية، وكذلك تعتمد على نظرته للعوامل المساندة الأسرية والاجتماعية والبيئية والدينية من حوله، فكلما ضعفت هذه المساندة او اختفت عند الأفراد الذين يتميزون بالنفوس الضعيفة و يميلون لنمط التفكير السلبي، والنظر للأمور بسوداوية وإحباط تولد لديهم الضغوط النفسية والشعور بالاكتئاب الشديد التي قد تولد أي مرض عضوي ونسميه بالأمراض”السيكوباتك” أو قد تساعد على تغذية أمراض ليس لها أعراض واضحة للاستدلال عليها كالسرطان، وهذا لاينطبق على الجميع على حد سواء، فالموت المفاجئ تفاعل لعوامل كثيرة مع بعضها البعض قد تكون صحية وقد تكون نفسية وقد تكون الاثنان معاً، وقد تنتج بسبب الضغوط النفسية التي يتعرض لها الشخص من مشاكل أسرية وعاطفية واجتماعيه بجانب الظروف العملية التي تضغط على الفرد مثل فقدان العمل أو أنه عاطل عن العمل وبسبب تراكم الديون إلى جانب شعور الفرد بالفشل والخوف والقلق من عدم إيجاد حلول بديله معينه، لحظتها يرى إن كل شيء قد أغلق أمام وجهه مما تجعل الفرد يقع في الحزن الشديد فتسقط هذه المشاعر السلبية كشحنات سامه تعكر صفوة دمه وقد تعرقل عمل بعض الأجهزة العضوية، فتوقعه في مشاكل مرضية مثل السكر والضغط وقد تؤدي به إلى أزمات قلبية قاتله أو تعرضه إلى جلطات دماغية تنهي حياته،فكثير من المشاكل والأمراض العضوية كما سبق أن ذكرت أساسها نفسي تحولت إلى مشاكل عضوية عقلية أو جسمية، كما أن تعرض الإنسان للضغوط الفكرية والنفسية الشديدة التي تصاحبها زيادة في القلق وزيادة في إفراز هرمون الأدرينالين في الدم، تعمل على ارتفاع ضغط الدم،التي إذا زادت عن حدها قد تؤدي بالإنسان إلى الموت،وأن استسلام الإنسان للأفكار السلبية قد تنهي حياته، وللتخلص منها لابدمن إعادة النظر بالتفكير حول المشاكل بطريقة ايجابية وتقبل الحياة والتأقلم معها والقناعة بماهو موجود لأن بالنهاية التفكير السلبي لايصلح الأمور وإنما سيؤذي الذات فقط، وضرورة احتضان الأسرة لأفرادها لأن العاطفة الأسرية مساندة تخفف الضغوط وتشعر الفرد بدرجة من الأمان، كما أنصح بضرورة ممارسة الأنشطة الرياضية وأنشطة الاسترخاء لما فيها من إخراج للطاقات السلبية حتى ولو كان بإجبار الذات إلى جانب ضرورة أن نهتم بالأحاديث الايجابية بالمجتمع لنعكس طاقات ايجابية ونبتعد بقدر الإمكان عن مايعكر صفو النفس،وضرورة التوجه إلى مختص في حالة تفاقمت المشكلة وشعور الفرد بعدم قدرته على تجاوزها، إلى جانب ضرورة أن تقوم من المؤسسات والجمعيات الأهلية والمدنية والصحية في عقد دورات تدريبية صحية كالإسعافات النفسية والطبية الأولية فهناك طرق لإنعاش القلب قد تكون مجدية فلابد أن تستخدم فور وقوع الشخص وتوقف القلب وتفقد فاعليتها بعد مرور 11إلى 12 دقيقة تقريبا بعد توقف القلب وتصبح غير مجديه لأن خلايا الدماغ تكون قد أتلفت، والإسعاف النفسي له دور كبير في التفريغ من الشحنات السلبية التي تتحول إلى سموم قاتلة في الجسد،والتركيز على دور وسائل الاعلام في تكثيف برامج الاسعافات النفسية والطبية الأولية وتقديم برامج التوعية الصحية والنفسية وكذلك دور الجامعات والمؤسسات التعليمية في إعطاء مادة دراسية نظرية وعملية للإسعافات النفسية والصحية الأولية كمحاولة لإنقاذ الشباب وإدخال الوعي الطبي والنفسي إلى كل منزل بالمجتمع ولا ننسى دورهم في ضرورة تحمل العبء الأكبر بتكثيف الدراسات حول ظاهرة الموت لمحاولة وقاية مجتمعاتنا منه، صحيح أن الموت إرادة ربانية وكل مانفعله هو من إرادة الله وكذلك عندما نبحث ونفكر لحل مشكلة كذلك بمشيئة الله، وأخيراً لا تفسد يوماً جديداً بأمس سيء ولا تستعجل بعدها يوم مجهول، أنت سيد نفسك فلا تلقي بها إلى الهاوية،فبيدك إحياءها أو هلاكها، ولقد صدق علماء النفس عندما قالوا أن الضغوط والحزن الشديد يسبب الموت حقيقة مؤكده وليست خرافة ونحن نفتقد لثقافة الترشيد النفسي لذا فلقد حان الوقت الآن لنشرها.

د. ياسمين نايف عليان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق