ثقافة

لحظة حرية قصة قصيرة

 جاسم محمد كاظم

وتكرر الصوت الأجش مرددا نفس الزعيق

 رقود .رقود .رقود .

تأوهت نفسه بانين متثاقل مسجلة موت فضاء آخر من فضائات زمنه وتلاشى الضوء الكبريتي الخانق من عيونه الذابلة قافلة أبوابها ببطء شديد وتحملت خلايا جسده المنهك الألم النافذ إليها من أرضية كونكريتية    حافرة فيها بفرشاة صلبة نقوشا أشبة بلوحات سريالية بلهاء .

ومن وسيط العتمة الشديدة الرطبة وغيوم الجو الخانق المملوء بأنفاس نتنة تداخل رذاذها القذر إلى رئات لاهثة لاح في عينية الصغيرتين طيف فتاة قادمة وتبسم فمه الملتصق بإفرازات دبقة وتقلصت يده ليلوح بإشارة لتلك الفتاة لكنها كانت أسرع بقفزات غنج ضاحكة .

حاول أن ينهض وأحس بعبثية مسعاه وتنهد في الآخر فاخذ يستدرها بابتسامات  خبيثة  ونظرة غريب متوسلة على أن يلامس يديها الناعمتين.

 وتلاشت الفتاة من أمام عينية وسط رعشة مفاجئة أن بها جسده المنهك ولم تجد عيناه غير الظلمة وأحس بتيبس عضلات ظهره المعصورة بين الأجساد المتراصة بصف طويل في الغرفة الضيقة وسط برك العرق المسفوح الممزوج برائحة المراحيض الخانقة وكأنة يسبح في وسطها .

وأسدلت عيناه ستارهما من جديد وتبادر إلى مسرح رؤياة متسكع يردد أبياتا متجانسة من كلمات منمقة وسط سوق غريب ضج بآلاف من المتبطلين والناس الغرباء تلحظه من كل اتجاه وهو يردد بصوت عال …

يا بشارة القدر

إلى كل المحكومين بالموت..

 والإعدام

يا من انتم خلف الأسوار البعيدة في مدن الظلام

استمعوا إلي

هذه بشارة القدر

سيسحق الجلاد بالطاحون

ويرحل الموت والطاعون

ويضحك الأطفال للمطر .

واستمر في مشيته وهو يردد نداء كلماته التي تداخلت مع صرير باب قديم أيقضت نفسه الهادئة وتحركت أجفانه على عمود الضوء القليل الذي انسل إلى داخل فناء السجن مع زعيق السجان معلنا موت صباح آخر:

..نهوض… نهوض.. نهوض

جاسم محمد كاظم

وسيط تداول
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق