في الواجهة

كورونا ، تغريدة الإنسانية

د.شلال عواد العبيدي


الأصل الإنساني واحد ، أبناء البشرية متساوون في اصلهم ، كلهم من آدم و حواء ، لا يستطيع أنسان أن يدعي خلاف ذلك ، و الإنسانية بما إنها من اصل واحد فانهم متساوون أُصلاء ، ليس فيهم هو أصيل و آخر اقل منه أصلاً أو نوعاً ، نعم تقسمت البشرية إلى شعوب و أمم لكن ليس على أساس انه فيهم الشريف و الضعيف ، السيد و العبد .
و حيث إن الأنسان لم يُخير حين يولد في أي ارض و في أي حضن سيجد نفسه و لأي أمةً سينتمي و أي لسان سيتكلم و باي لون سوف تصطبغ جلدته ، فكل إنسان قد ولد من إنسانه تدعى امه لم يختارها ، لكن الكل على يقين إن أي إنسان على هذه الأرض مؤمن بشكل مطلق لا يقبل الشك أو الجدل في إن أمه هي أعظم النساء و أفضلهن و أحنهن و أجملهن و و و انه محظوظ انه قد نال هذا الشرف بان تكون هذه العظيمة أمه ، و يفتخر بها .
والحال نفس الحال بالنسبة للامة التي خلق فيها ، وكذلك اللغة التي نطق بها أول مرة و الدين الذي اعتنقه عن أهله و أمته ، كلها تُعد من دواعي اعتزاز هذا الإنسان ، بل انه يستغرب و لا يستطيع أن يتخيل لو كان وجوده في أسرة أخرى و مجتمع آخر و أمة أخرى و يتكلم لغة غير لغته التي وجد نفسه ينطق بها ، فهذا الانتماء عقيدة و اعتزاز عند الإنسان لا يمكن زحزحتها كإيمانه و اعتزازه بأمه و يقينه بانها افضل ما حظى به و رزقه الله به .
و خلاصة القول إن كان الأم و الوطن و اللغة و الدين و اللون ليس خياراً ذاتياً لنا ولم نختاره نحن، إلا انه قدراً محبب إلى القلب.
و من هذا المنطلق و الشعور يجب أن يحترم الإنسان أخيه الإنسان في انتمائه إلى أمة أو قومية أو دين ما، لان ذلك يعتبر حق له و مصدر فخر و اعتزاز و انتماء، وان كان قدراً لم يتدخل فيه.
و وفق هذا الحال وجدَ بعض الناس انفسهم أغنياء و بعض أخر وجد نفسه فقيراً ، و بعضهم أبيض و بعض آخر أسود و كذلك انتمائهم ، فقد يكون في دولة رأسمالية أو دولة اشتراكية ، أو أن يكون في دولة دينية أو علمانية ، ويجب أن لا يُعد هذا التقسيم عامل لتقسيم البشرية أو النظر اليها كطبقات واحدة أفضل من الأخرى .
المؤسف إن ما ترسخ في الفكر الإنساني و موروثه من معتقدات هو على خلاف ذلك ، فقد تم فعلا تقسيم المجتمعات إلى طبقات ، فقراء و أغنياء ، و أحرار و عبيد ، و أصول عريقة و أخرى غير عريقة ، وأصبحت نظرة العالم مادية خاليه من المشاعر الإنسانية في التعامل ، ولذلك خالفت ما يجب أن يكون عليه التعامل الإنساني بين أبناء الإنسانية من تعاون و تآخي و تسامح ، و هذا ما نتج عنه السلوك الشرير في محاولة اختصار حق العيش الحر و الرغيد لفئة معينة دون أخرى و على حسابها ، و بذلك تقسمت البشرية في تكتلات و أحلاف على أساس عنصري و قومي و مصلحي ، و أصبحت كل فئة تؤمن بان الحق في العيش و الحياة من حقها أولا ، حتى و لو على حساب الأخر و معادته ، ولهذا توجه العالم إلى الاحتكار و بناء جيوش ضخمة و صنع و امتلاك ترسانات من الأسلحة النووية و الجرثومية و الأسلحة الفتاكة الأخرى ، و بهذا الأنانية قد خرج الإنسان عن اصله الإنساني إلى التشبه بالحيوانات المتوحشة و المفترسة .
واليوم بعد أن ظهر فايروس كورونا ، و هدد كل أبناء الإنسانية دون استثناء ، أو أن يميز بين إنسان و آخر دولة و أخرى دين و آخر دولة غنية أو فقيرة اسود أم ابيض أمريكي أو روسي أوربي أو عربي مسيحي أم مسلم ، حيث ضرب طوق على كل إنسان و جعله حبيس بيته ، و جعل الكل لا يتمنون و لا يطلبون غير البقاء على قيد الحياة و أن يتكاف العالم اجمع و الإنسانية كلها من اجل الخروج من هذا المأزق الخطير .
وقد يشكل هذا الوباء الخطير درساً عظيماً للإنسانية ، درسا عمليا تطبيقيا لا يعتمد على فلسفة و لا نظرية و لا ايدلوجية ، و ربما نجح هذا الفيروس في يقول للإنسانية بان أصلكم واحد و انتم متساوون و مصيركم واحد ، وعليكم أن لا يقتل أحدكم الآخر أو يهدده في عيشه أو يسرق ثرواته أو يحقد عليه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق