رأي

كم أنت عظيم أيها الأوراس … جلال يا أيها الطود الأشم ….!

الطيب دخان
ـــــــــــــــــ

جلال أيها الجبل الأشم الرافع رأسه جلالا وتيها وكبرا ..أيها الشامخ شموخ أنف الإنسان الأوراسي الذي تحدى قساوة الطبيعة وعوامل الزمن على مر التاريخ ليظل محافظا على أصالته ونشأته عبر مختلف العصور والدهور… وحدك بقيت الشاهد الحاضر والحارس الأمين على تراث أوشك أن يندثر لولا وجودك أيها الطود العظيم الصامد في وجه الرياح العاتية والعواصف الهوجاء …هاأنت تقف كل صباح لتستقبل مطلع الشمس و إشراقة نورها الذهبي على هذه الروابي والوهاد ثم تودعها إلى مكمنها إذا ما دنت نحو الغروب وهكذا دأبك ودأبها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهذا طبعك منذ أن خلقت إلى أبد الآبدين …

فمابين كل شروق وغروب ومن انفلاق الفجر وانبلاج نوره إلى غلس الليل واحتلاك ظلمته ومع تعاقب الليل والنهار وفي كل لحظة من لحظات هذا الزمن نراك قد جددت العهد مع حكاية جديدة وقصة طريفة تختزنها في ذاكرتك الصماء وتكتنزها في صلبك الصلد الذي لا يهده ريح ولا و لا يقوى عليه إعصار ولا يعتريه النسيان مهما حاولت أن تمتد إليه يد الإنسان …

في جوفك الحجري الضخم تختفي الملايين من الحكايا وتستقر الآلاف من المحطات التاريخية التي مر بها الإنسان الأوراسي طيلة كل هذه العصور والأحقاب الزمنية التي لا يعلم مداها إلا الواحد الديان وخالق الأزمنة والأكوان…

وحدك تعلم سر هروب هذا الإنسان من الحواضر والبوادي إلى هذه الشعاب والوديان والصخور واتخاذها مأوى ومسكنا وملجأ له لتقيه حر الصيف وقر الشتاء … وتحميه من بأس الغزاة وقهر الأعداء… وحدك من يعلم سر تشبثه بعاداته وتقاليده الأوراسية الموروثة عنه جيلا بعد جيل وكابرا عن كابر ولا أحد غيرك يدري مدى قدم ورسوخ حضارته وتغلغل جذورها في عمق أعماق التاريخ برسوخك على هذه الأرض منذ بدئ التكوين إلى أبد الآبدين أيها الوتد الأوراسي العظيم …

أخبرنا كم من شفة ظامئة أنهكها السفر وقذف بها لفيح ووهج حرارة شمس الصحراء وفحيح صيفها اللاسع شعثاء غبراء أدمى قدميها طول المسير بين الكثبان والصخور ..أشفت غليلها من ماء عينك هذه المنساب رقراقا هاويا في قعر هذا الوادي السحيق …يا منجب العظماء والعلماء ..والقادة الغر والشجعان والشرفاء ….

بالله عليك أنبئنا ..أ ماسينيسا،و يوغرطة ،و شيشناق ،و يوبا الأول والثاني ،والكاهنة ديهيا،ـمن صلبك قد ولدوا ….؟أم أنهم من سلسبيل ماء عينك هذه حتما قد شربوا …؟أو عليها مروا في كرهم وحربهم وحلوا بها ثم غادروها وذهبوا…؟ كما شربت بعدهم جحافل المجاهدين والشهداء إثر إعلان نوفمبر في الخالدين …لأن من رضع من لبانك أبدا لا يخضع للذل والقهر ولا يهدأ للطغيان ولا يستكين….ولأجل ذلك سكن بنوك الصخور ونحتوا من الجبال بيوتا شأنهم شأن ثمود…

وإذا ما لاح الزائر عينه وهو فوق رأس قمتك الشهباء بدت له قامات سيار وتبردقة وثمة في تيزقرارين وتاغريست تتوقف به عجلة الزمن وتدور في دورتها العكسية لتعود به إلى الوراء مميطة اللثام عن تلكم البيوت المنقوشة على صخور جبالها لتكشف عن حضارة الإنسان الأوراسي الممتدة أصولها إلى العصر الحجري وبداية إشراق فجر التاريخ على تلكم الربى والقمم والوهاد…وأن هذه الدور والبساتين والأشجار في عمق أعماق صخور هذه الأرض زرعت وسقيت بيده منذ آلاف العقود ومئات العهود الماضية من عمر الزمن ….

هي العظمة تتحدث إلينا وتخاطبنا شفتيها من بين ثنايا تلكم الصخور الصماء يا سيدي …لتروي حكاية شعب وأمة اختارت البقاء بين الصخور والكهوف والوديان على العيش في السواحل حيث الأدواح والشواطئ والحدائق الغناءة والبساتين ذات الأشجار الباسقة الأغصان المورقة الأفنان …وحيث الراحة وتناسق الهندسة والعمران ….هروبا من جبروت وقسوة وتسلط الرومان …وغيرهم ممن اجتاحوا واستعمروا المكان …لأنهم يفضلون العيش في شموخ وعزة وأنفة وكبرياء حتى ولو كان ذلك بين الجنادل والصخور على العيش الرغيد في السهول والسواحل تحت سلطة وعبودية بني الإنسان فلانت لهم الطبيعة رغم قساوتها وحنت لهم الصخور رغم صلابتها –وإن من الحجارة لما يشقق فتتفجر منه الأنهار.

هذه هي الحكاية التي يرويها لنا جبل جلال الساحر الواقع على بعد 83كلم جنوب غرب ولاية خنشلة قلب الأوراس في عمق جزائرنا الحبيبة.