أمن وإستراتيجية

كل شيء عن قانون القضاء العسكري الجزائري

  • نشأة و تطور التنظيم القضاء العسكري في الجزائر

    المحور الأول :  نشأة وتطور التنظيم القضائي العسكري في الجزائر.

    من المعروف أن قانون العقوبات بحكم طبيعته و طبيعة المصالح التي يحميها يتميز بقدر من الثبات , نظرا لثبات تلك المصالح في المجتمع كحق الإنسان في الحياة و في سلامة الجسم، وذلك بخلاف المصالح المتغيرة التي يجب أن تتكفل بحمايتها قوانين خاصة،  ويعتبر قانون القضاء العسكري أحد هذه القوانين نظرا لما يتضمنه من أحكام و خصائص لا نظير لها في غيره من التشريعات الجزائية، وعليه سنعرض في هذا المحور : القضاء العسكري في الجزائر وأهم التطورات التي عرفه، إلى جانب التطرق الى طبيعة واختصاص القضاء العسكري، كما سنقوم بدراسة اختصاص القضاء العسكري و معايير تحديده .

    العنصر الأول : القضاء العسكري في التشريع الجزائري

    تعود جذور القضاء العسكري في التشريع الجزائري الى ثورة الفاتح نوفمبر 1954، و قد كان القضاء ابان  الثورة عسكريا بحتا، لأن الرجال المكلفين بالقضاء كانوا تقريبا كلهم عسكريون ( مجاهدون ) , و لذلك كان النظام القضائي في عهد الثورة عسكريا نظرا لتجنيد أغلب أفراد الشعب لخدمة القضية، فكانت كل قضايا الجزائريين تحال أمام محاكم جيش تحرير الوطني، وقد تطور القضاء العسكري الجزائري تطورا ملحوظا بعد الاستقلال إلى غاية استقراره في الوضع الحالي ومن خلال المعطيات السابقة الذكر يستشف أن القضاء العسكري امتاز بخصائص جعلته ذو طبيعة خاصة وهذا منذ نشأته في الجزائر الى غاية وقتنا الراهن .

    مما لا شك فيه أن دراسة المصدر التاريخي لقانون القضاء العسكري لها فوائد جليلة , و المتمثلة في إلقاء الضوء على  المراحل المختلفة التي عاصرت نشأته و أسهمت بالتالي في تطور نصوصه و أصبحت على الوضع التي هي عليه رغم أن آخر قانون خاص بالقضاء العسكري يعود الى عام 1971 إلا أن هذا لا يمنع من معرفة و لو بصورة مختصرة النظام القضائي العسكري إبان الثورة و ما بعدها .

    *مرحلة العهد الاستعماري :

    أثناء فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر  ساد نظام قضائي فرنسي تعسفي إن صح التعبير، سواء تعلق الأمر بالقضاء المدني أو الجزائي أو العسكري، فكانت جل التشريعات الفرنسية المطبقة آنذاك تخدم مصالحها بينما كانت تطبق على أسوء وجه اذا تعلق الأمر بالطرف الجزائري, وفور اندلاع ثورة التحرير تفطن المسؤولون الى الدور الذي يلعبه القضاء الفرنسي في طمس معالم العدالة و أرادو قطع كل علاقة تربط المواطنين بالجهات القضائية الفرنسية، ولهذا السبب و قبل انعقاد مؤتمر الصومام أنشات جبهة التحرير الوطني لجان القضاء و المحاكم الثورية .

    أولا : لجان القضاء.

    اقتصرت مهام لجان القضاء  بالنظر في القضايا المدنية و الجزائية البسيطة، كالامتناع عن دفع الاشتراكات لدعم  الثورة، و عدم الاستجابة للاستدعاء الموجه من جبهة التحرير الوطني و من جيش التحرير الوطني دون تقديم عذر جدي و كان يرأس لجان القضاء مسؤول القطاع العسكري في حالة نظرها في القضايا الجزائية و المحافظ السياسي عند البت في القضايا المدنية و تتشكل  اللجان من قضاة منتخبين من أفراد الشعب و تتمثل العقوبات التي تحكم بها هذه الجان عادة في عقوبات جسدية، كالضرب بالعصا و غرامات مالية ضد المدنيين و بعد اصدار اللجنة قرارها يرسل الى لجنة القضاء المختصة لتبليغه و تنفيذه  و اذا كان النزاع يدور حول مسألة سياسية خاصة بالثورة فينعقد الاختصاص لصالح جيش التحرير الوطني .

    ثانيا : المحاكم الثورية

    اختصت المحاكم الثورية بالنظر في الجرائم الخطيرة، و تختلف تشكيلة المحاكم الثورية حسب صفة المتهم مدني أو عسكري و تم انشاء محكمة ثورية على مستوى كل ناحية تختص بالنظر في الجرائم الجسمية التي كانت ترتكب من طرف المدنيين الجزائريين، كأعمال التجسس، و التعاون مع العدو و تتكون المحكمة من الأعضاء التاليين :

    – رئيس المحكمة : مسؤول الناحية .

    – ممثل النيابة : مسؤول الإعلام و الاتصال للناحية .

    – المساعدون المحلفون : ثلاثة أعضاء مختارين من سكان العرش .

    -المدافع القضائي : المحافظ السياسي .

    ويمكن أن يتنحى تلقائيا مسؤول الناحية عن النظر في القضية لاعتبارات أدبية أو سياسية أو بسبب صفة المتهم , و في هذه الحالة تحال القضية على المحكمة الثورية المختصة للمنطقة و اذا كان المرتكب الجريمة فردا من أعضاء جيش التحرير الوطني فإن تكوين المحكمة و مكان انعقادها يختلفان باختلاف رتبة المتهم و طبيعة الجريمة المنسوبة اليه .

    فإذا كانت الجريمة المرتكبة بسيطة و كان المتهم برتبة جندي أو عريف أو صف ضابط , فإن محاكمته تكون في مقر الكتيبة التي ينتمي اليها , أما اذا كانت الجريمة المرتكبة جسمية فإن الإحالة تكون أمام محكمة الناحية التي تتشكل من الاعضاء التاليين:

    – رئيس المحكمة :مسؤول الناحية .

    – ممثل النيابة : المسؤول العسكري للناحية .

    – قاض مساعد : المحافظ السياسي للناحية , أو المسؤول القطاع أو المحافظ السياسي للقطاع .

    – المدافع القضائي : مسؤول مختار من أي درجة كانت .

    أما اذا كان المتهم برتبة ضابط، فإنه يحال على محكمة الناحية.

    ثالثا : دليل المجاهد

    يعتبر دليل المجاهد المنطلق الحقيقي للقضاء العسكري في الجزائر بحيث اشتمل على الاجراءات الجزائية العسكرية أمام محاكم جيش التحرير الوطني ويعد دليل المجاهد ثمرة نجاح مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 أين تم الانتقال من مرحلة الشرائع و القوانين غير المكتوبة الى القوانين المكتوبة، فدليل المجاهد كان عبارة عن مجموعة قوانين مقسمة الى ثلاث أبواب، حيث جاء في الباب الأول تعريف المجاهد وواجباته و حقوقه، و في الباب الثاني للقضاء العسكري , كما قسم الجرائم إلى ثلاث اقسام .

    الأخطاء البسيطة .

    الأخطاء الخطيرة .

    الأخطاء الفاحشة .

     

    *بالنسبة للعقوبات : تم تقسيمها حسب نوع الجريمة المرتكبة .

    – بسيطة .

    – خطيرة .

    – فاحشة .

    * بالنسبة لتقسيم جهات القضاء العسكري :

    – محكمة المنطقة : تختص بمحاكمة ضباط الصف و الجنود.

    – محكمة الولاية : تختص بمحاكمة الضباط .

    – المحكمة القضائية العليا : يختص بمحاكمة الضباط السامين .

    * مرحلة ما بعد الاستقلال.

    أولا : المرحلة الانتقالية من 1962 الى 1964 .

    كان الاحتكام في الفترة الممتدة من 1962 الى 1964 الى التشريع الفرنسي العسكري و المطبق في الجزائر وأهم ما عرفته هاته المرحلة  هو تنصيب المحكمة العسكرية بوهران في شهر سبتمبر 1962 حيث تم تعيين قضاة من شباب جيش التحرير الوطني الذين مارسوا  القضاء العسكري لدى المحاكم الثورية لجيش التحرير الوطني و على مستوى النصوص كان لزاما على  الجهة القضائية أن تستعمل الأداة الوحيدة التي كانت في متناول يدها , و هي قانون القضاء العسكري الفرنسي الصادر سنة 1957 مع استبعاد النصوص التي تتعارض مع السيادة الوطنية، و بتاريخ 28/12/1964  صدر الأمر 64 – 211 المتضمن انشاء المجلس العرفي الذي يمتد اختصاصه الى كافة التراب الوطني , و قد كلف هذا المجلس الى غاية نهاية تطبيق المادة 59 من دستور 1963، المتعلقة بالسلطات الخاصة لرئيس الجمهورية بالنظر في قضايا الفاعلين العسكريين  و الشركاء من العسكريين و المدنيين في الجنايات و الجنح الماسة بأمن الدولة، وكذلك الجنايات و الجنح الماسة بالانضباط داخل الجيش،  و كل المخالفات المرتبطة بذلك و يرأس هذا المجلس  قاضي مدني برتبة مستشار يساعده أربعة ضباط من الجيش الوطني الشعبي , و يمثل النيابة العامة في هذا المجلس مندوب الحكومة commissaire de gouvernement  برتبة ضابط من الجيش الوطني الشعبي و تتميز اجراءاته بالسرعة , كما تكون أحكامه غير قابلة للطعن .

    ثانيا : القضاء العسكري الجزائري في الفترة الممتدة بين 1694 الى غاية 1970 .

    عرفت الجزائر عدة تطورات في المجال القضائي العسكري أولها يعود يوم 22/08/1964 أي بعد الاستقلال بعامين  هو يوم صدور القانون رقم64/242 المتضمن قانون القضاء العسكري و قد نص هذا القانون على انشاء جهة قضائية خاصة لمحاكمة فئة معينة من الأشخاص هم العسكريون و أشباه العسكريون عن الجرائم المرتكبة ضد قواعد النظام العسكري أو الواقعة ضمن المؤسسة العسكرية وأثناء قيامهم بالخدمة العسكرية .

    و أهم ما جاء به القانون القضاء العسكري لسنة 1964 انشاء ثلاث محاكم عسكرية دائمة لدى الناحية العسكرية الأولى بالبليدة والثانية بوهران و الثالثة بقسنطينة و يمتد اختصاص محكمة الناحية الثانية الى الناحية الثالثة ببشار و اختصاص المحكمة الخامسة الى الرابعة بـ ورقلة .

           وبالإضافة  الى كل ما سبق ذكره شهدت هاته الفترة صدور الأمر رقم 64-02 المؤرخ في 07/01/1964 والمتضمن إنشاء المجالس الثورية والتي اختصت بالنظر في الجرائم  الماسة بأمن الدولة و كل ما يهدف الى الإخلال بالنظام العام داخل القطر الجزائري.

    وكآخر مرحلة قبل صدور قانون القضاء العسكري لسنة 1971، و بالضبط بتاريخ 04/11/1968 بموجب الأمر رقم 68/609 تم انشاء المجلس القضائي الثوري بوهران .

     و يختص هذا المجلس بالفصل في الاعتداءات على الثورة و الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة و النظام العسكري و من خلال الاطلاع على اختصاصات  المجلس و تشكيلته يتبين بأنه يتمتع بصفة الجهة القضائية ذات الامتداد الوطني و تشكيلة مزدوجة تجمع قضاة مدنيين و  ضباط في الجيش الوطني الشعبي إلا أن تشكيلة المجلس يغلب عليها الطابع العسكري، بحيث تولى آنذاك رئاسة المجلس قائد الناحية العسكرية الخامسة و مستشارين مساعدين من القضاة المدنيين و ثمانية مستشارين عسكريين من ضباط الجيش، كما اسندت مهام النيابة العامة الى الضباط عسكريين، أما بالنسبة للجرائم فكانت تنظر وفقا لقانوني العقوبات   والقضاء العسكري  حسب نوع و طبيعة الجرم، بالإضافة إلى أن أحكام المجلس كانت تصدر بصفة نهائية و لا تقبل الطعن بأي طريق كان من طرق الطعن.

    ثالثا : قانون القضاء العسكري لسنة 1971

       إثر كل التطورات  التي عرفتها الجزائر في مرحلة ما بعد الاستقلال في ظرف ساد فيه الاحتكام إلى بعض القوانين الفرنسية، وهذا راجع الى حداثة خروج الجزائر من الحقبة الاستعمارية، و بالرغم من كل هذا إلا أن المشرع الجزائري اجتهد و ألغى كل ما يتعارض مع مصلحة و سيادة الدولة، و من هنا جاءت الحاجة الماسة لإضفاء طابع التحيين على مختلف النصوص القانونية.

       و الجدير بالذكر قانون القضاء العسكري الصادر بتاريخ 22/04/1971 طبقا للأمر رقم 71/28 ملغيا بذلك الأمر 64/242 السالف الذكر، وجاءت مبادرة إعادة النظر في قانون القضاء العسكري في أول ملتقى  للقضاة العسكريون سنة 1970 في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين ، والذي أشرف آنذاك على افتتاح أيام الملتقى،  وأهم ما تضمنه قانون القضاء العسكري لسنة 1971 هو اعادة التنظيم القضائي العسكري من جديد والإبقاء على عدد المحاكم العسكرية الثلاثة , كما احتوى على 336 منها ما ينفرد بها التشريع العسكري، سواء من حيث الإجراءات أو من حيث النص المجرم، هذا راجع الى مقتضيات و طبيعة الحياة العسكرية , ومنها ما يحيلنا صراحة على أحكام القانون العام، و لاسيما قانوني العقوبات و الإجراءات الجزائية.

    رابعا: القانون 18/14 المعدل والمتمم للأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري

    أعطت التعديلات التي طرأت على قانون الإجراءات الجزائية  للمتقاضين ضمانات كافية من أجل محاكمة عادلة ومنصفة كما ورد ذلك في أحكام  الدستور، إذ أنها في مجال الإجراءات المنصوص  في قانون القضاء العسكري لم يكن لها أي أثر و أصبحت لا تستجيب للواقع وغير مسايرة للتشريع المعمول به،  لذلك كان لزاما تعديل  قانون القضاء العسكري وهذا ما تم فعلا، حيث   صدر مشروع  بهذا الشأن أعدته وزارة الدفاع الوطني ، جاء مستجيبا  للقواعد الأساسية الواردة في التعديل  الدستوري لسنة، حيث  ورد في  نص في المادة 160 على قاعدة التقاضي على درجتين و أحال إلى القانون مهمة تحديد كيفيات تنفيذ ذلك، ومنه  جاء مشروع القانون الجديد للقضاء العسكري من أجل تجسيد هذا المبدأ باعتماد جهات قضائية للاستئناف و هي مجالس الاستئناف العسكري بالإضافة إلى تكريس مبدأ الفصل بين جهة التحقيق و جهة الحكم، باعتبار أن الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري لم يفصل بين جهة التحقيق والحكم، فكانت المحكمة العسكرية تنعقد مرة  باعتبارها جهة حكم مرة أخرى  باعتبارها جهة تحقيق )المحكمة  العسكرية المنعقدة بهيئة غرفة الاتهام(  وهذا أهم ما يؤخذ على قانون القضاء العسكري.

    نظرا للتطور الذي عرفه النظام القضائي الجزائري من صدور الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري و تجسيدا للمبادئ الدستورية،  لاسيما تلك الواردة في التعديل الدستوري لسنة  2016 وبالنظر للتعديلات المهمة التي أدخلت على قانون الإجراءات الجزائية أصبح من الضروري وضع نص تشريعي يستجيب لهذه التطورات، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية تسيير المؤسسة العسكرية لذلك جاء قانون  18/14 المعدل و المتمم لقانون القضاء العسكري هذا القانون تبنى مشروع التعديل المعد من طرف وزارة الدفاع مكرسا مبدأ التقاضي على درجتين وإحداث مجالس استئناف عسكرية وإنشاء غرفة الاتهام والإحالة إلى أحكام قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بإجراءات التوقيف للنظر والحبس المؤقت، كما استبعد بموجب هذا القانون من اختصاص القضاء العسكري الجرائم المتعلقة بأمن الدولة عندما ترتكب من مدنيين في مرحلة السلم وغيرها من الإجراءات المستحدثة الأخرى.

    العنصر الثاني : طبيعة القضاء العسكري .

        الأصل هو سريان القانون العام في مواجهة الكافة، إلا أنه اقتضى  الأمر أن يكون هناك نظام خاص بالقوات المسلحة، و هذا لا  يعني عدم خضوع أفراد الجيش الوطني الشعبي لقانون العقوبات ولو كان عليه الحال لكنا خرقنا لمبدأ مكرس دستوريا، إنما ضرورة وحساسية المصلحة هي التي استلزمت وجود تشريع عسكري و كغيره من التشريعات المقارنة نظم المشرع الجزائري هذا الجانب من خلال قانون القضاء العسكري لسنة 1971 المعدل والمتمم مؤخرا بالقانون 18/14 و الساري المفعول الى يومنا و لمعرفة طبيعة هذا القضاء الجنائي الخاص إن صح التعبير لابد من التطرق الى تعريفه على الرغم أن مختلف التشريعات العسكرية لم تتبنى نظاما واحد فتعددت الآراء الفقهية العربية و الغربية، فهناك من يرى أن القضاء العسكري هو قضاء تأديبي من حيث تواجده و هناك من يرى أنه قانون عقابي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة، و هناك أيضا من يراه كقانون خاص و البعض الأخر يراه تشريع جنائي مستقل .

    • ·        طبيعة القضاء العسكري:

        إن تحديد طبيعة قانون القضاء العسكري ليس بالأمر الهين، فلقد اختلف الفقه في تحديده، لذلك سنقوم بذكر أهم الآراء .

    أولا : أنه قانون عقابي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة .

       يرى جانب من الفقه أن قانون الأحكام العسكرية  قانون عقابي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة، و أن نصوصه حددت الجرائم التي يختص بها، كما بينت إجراءات المحاكمة التي تتبع أمامه، معللين ذلك بأن النصوص الواردة في القانون العسكري تشير الى أنه يطبق فيما لم يرد بشأنه نص الأحكام الخاصة بالإجراءات و العقوبات الواردة في القوانين العامة، و في حالة وجود نص آخر يعاقب على نفس الفعل المنصوص عليه في القانون العسكري وجب تطبيق العقوبة الأشد، و أن ذلك لا يعني تبعيته الى قانون معين , و إنما المقصود من ذلك هو تكملة قواعد و أحكام قانون الأحكام العسكرية فيما ورد بالقوانين العامة، وأن قصد المشرع بوضع قانون خاص بأفراد القوات المسلحة ليس من باب معاملة خاصة و إنما الهدف الأساسي هو حماية أمن و سلامة القوات المسلحة .

    ثانيا : قانون تأديبي من حيث مضمون القواعد التي يحميها .

         يرى أنصار هذا الرأي أن قانون القضاء العسكري هو قانون تأديبي من حيث مضمون القواعد التي يتضمنها لأن مجمل أحكامه تهدف الى فرض نظام ما في اطار وسط وظيفي يتألف من مجموعة أشخاص أساس العلاقة بينهم رابطة التبعية و التدرج الرئاسي، و يتصفون بالصفة  العسكرية و أن الهدف من توقيع الجزاء عليهم هو إخلال النظام داخل المجتمع العسكري، و ما يؤكد ذلك أن القاضي العسكري يتمتع بسلطات واسعة في تقدير العقوبة و وقف تنفيذها، كما أن السلطة العسكرية هي التي تتولى سلطات القضاء في بعض النظر عن أي اعتبار قانوني، و على الرغم أن قانون القضاء العسكري قد ستمد أحكامه من قانون عام من حيث المنهج و الترتيب و معظم نظرياته من ناحية الشكلية، كما يعد النص المرجعي لسد النقص الوارد في القانون القضاء العسكري، إلا أن الطابع التأديبي يغلب على جل أحكامه، و بالتالي لا يمكن ادراجه ضمن القوانين الخاصة .

    ثالثا : أنه قانون خاص

        يرى أنصار هذا الرأي أن القانون قضاء العسكري قانون جنائي خاص فهو ينص على أحكام عامة تختلف عن الأحكام العامة الواردة في قانون العقوبات و على جرائم تتصل بالنظام العسكري لا نظير لها في القانون العام و يستقل بمجموعة من الجزاءات لم يعرفها قانون العقوبات ولا القوانين الخاصة المكملة له، كالإبعاد من الخدمة والحرمان من الرتبة والحقوق في حمل الشارات و البزة العسكرية.

         يضيف أصحاب هذا الرأي أن استقلال القضاء عسكري لا يعني انفصاله عن قانون العقوبات العام، فهذا القانون هو الأصل العام الذي يجب الرجوع اليه لسد النقص، وهذا ما أكدته العديد من المواد، قانون القضاء العسكري الجزائري فنسبة الإحالة الصريحة الى القانون العام تفوق 14% من مجموع النص وهو ما يمثل 43 مادة .

        ومن أهم الجوانب التي اعتمدها أنصار هذا الرأي للتفرقة بين قانون الأحكام العسكرية بصفته قانون خاص و بين القوانين المكملة أو الملحقة بقانون العقوبات و التي من أمثلتها قوانين المخدرات و هي التي تراعي في تطبيقها الأحكام العامة في قانون العقوبات .

    رابعا : أنه تشريع جنائي مستقل

          يرى أنصار هذا الرأي أن قانون القضاء العسكري يعتبر تشريعا جنائيا مستقلا له فلسفته  وقواعده المستقلة، يتعلق بطائفة معينة هي أفراد القوات المسلحة و يحكم الأفعال غير مشروعة التي تصدر عن أفراده، سواء كانت تندرج تحت نصوص قانون العقوبات أو تحت نصوص عسكرية بحتة و ينفي طبيعة التكميلية و الخاصة للتشريع العسكري على أساس أن القانون التكميلي و الخاص يدخل ضمن قانون العقوبات و يعتبر جزء منه، كما أن الغرض من القانون التكميلي هو سد النقص القائم في القانون العقوبات عن طريق تجريم أفعال لم يشملها التجريم العام، في حين أن قانون الأحكام العسكرية أو القضاء العسكري يشتمل على قواعد تحكم السلوك الإجرامي الذي يصدر على طائفة معينة هي افراد القوات المسلحة، سواء كان هذا السلوك الإجرامي يكون جريمة من جرائم القانون العام، أو أنه يكون جريمة عسكرية بحتة لا مثيل لها في قانون العقوبات، و يتزعم أنصار هذا الرأي الدكتور مأمون محمد سلامة الذي اعتبر تخصيص المشرع طائفة معينة من الأفراد بتنظيم خاص يحكم أفعالهم غير مشروعة يأتي لاعتبارات موضوعية تتعلق بأسلوب المشرع في حمايته لمصلحة معينة من مصالح الجماعة و ليس لاعتبارات طائفية  لتميز طائفة معينة من طوائف الشعب، و إلا كان مثل هذا التخصيص مخالفة للدستور، و يصل في الأخير إلى تعريف قانون القضاء العسكري  بأنه  ” مجموعة من القواعد التي تحكم التجريم و العقاب لأفعال التي تضر او تهدد مصلحة من مصالح القوات المسلحة سواء تعلقت بنظامها او بسلامتها او بوظيفتها سواء وقعت الجريمة من أفراد القوات المسلحة ومن في حكمهم ان من الأفراد مدنيين” و من مجمل الآراء الفقهية التي سبق ذكرها حول طبيعة قانون القضاء العسكري يمكن جمعها في اتجاهين فقط . الاتجاه الأول يجمع آراء الاتجاه  الثالث و الرابع و يكون قانون القضاء العسكري طبقا لهذا الاتجاه قانون جنائي خاص .

          فالاتجاه الأول الذي يرى بأن قانون الأحكام العسكرية قانون جنائي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة فانفراده بهذه الشخصية و الذاتية الخاصة يؤكد أنه قانون خاص، حيث أنه يحتوي على مجموعة من النصوص تحدد الجرائم التي يختص بها، و كذا إجراءات المحاكمة التي تتبع محاكمه، و كذا عقوبات ينفرد بها و غير موجودة بقانون العقوبات، و الاتجاه الثالث  يرى أنه قانون جنائي خاص و الرابع يرى انه تشريع جنائي مستقل  فكلاهما يؤدي الى معنى واحد.

           أما بالنسبة للاتجاه الذي ذهب أنصاره الى أن قانون القضاء العسكري هو قانون تأديبي من حيث مضمون القواعد التي يتضمنها لا يمكن التسليم له اطلاقا، لأنه توجد اختلافات عديدة من بينها أن مختلف التشريعات العسكرية لم تحدد الأخطاء التأديبية  في قوانينها على سبيل الحصر و تركت المجال للجهات الإدارية و التأديبية.

    المحور الأول :  نشأة وتطور التنظيم القضائي العسكري في الجزائر.

    من المعروف أن قانون العقوبات بحكم طبيعته و طبيعة المصالح التي يحميها يتميز بقدر من الثبات , نظرا لثبات تلك المصالح في المجتمع كحق الإنسان في الحياة و في سلامة الجسم، وذلك بخلاف المصالح المتغيرة التي يجب أن تتكفل بحمايتها قوانين خاصة،  ويعتبر قانون القضاء العسكري أحد هذه القوانين نظرا لما يتضمنه من أحكام و خصائص لا نظير لها في غيره من التشريعات الجزائية، وعليه سنعرض في هذا المحور : القضاء العسكري في الجزائر وأهم التطورات التي عرفه، إلى جانب التطرق الى طبيعة واختصاص القضاء العسكري، كما سنقوم بدراسة اختصاص القضاء العسكري و معايير تحديده .

    العنصر الأول : القضاء العسكري في التشريع الجزائري

    تعود جذور القضاء العسكري في التشريع الجزائري الى ثورة الفاتح نوفمبر 1954، و قد كان القضاء ابان  الثورة عسكريا بحتا، لأن الرجال المكلفين بالقضاء كانوا تقريبا كلهم عسكريون ( مجاهدون ) , و لذلك كان النظام القضائي في عهد الثورة عسكريا نظرا لتجنيد أغلب أفراد الشعب لخدمة القضية، فكانت كل قضايا الجزائريين تحال أمام محاكم جيش تحرير الوطني، وقد تطور القضاء العسكري الجزائري تطورا ملحوظا بعد الاستقلال إلى غاية استقراره في الوضع الحالي ومن خلال المعطيات السابقة الذكر يستشف أن القضاء العسكري امتاز بخصائص جعلته ذو طبيعة خاصة وهذا منذ نشأته في الجزائر الى غاية وقتنا الراهن .

    مما لا شك فيه أن دراسة المصدر التاريخي لقانون القضاء العسكري لها فوائد جليلة , و المتمثلة في إلقاء الضوء على  المراحل المختلفة التي عاصرت نشأته و أسهمت بالتالي في تطور نصوصه و أصبحت على الوضع التي هي عليه رغم أن آخر قانون خاص بالقضاء العسكري يعود الى عام 1971 إلا أن هذا لا يمنع من معرفة و لو بصورة مختصرة النظام القضائي العسكري إبان الثورة و ما بعدها .

    *مرحلة العهد الاستعماري :

    أثناء فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر  ساد نظام قضائي فرنسي تعسفي إن صح التعبير، سواء تعلق الأمر بالقضاء المدني أو الجزائي أو العسكري، فكانت جل التشريعات الفرنسية المطبقة آنذاك تخدم مصالحها بينما كانت تطبق على أسوء وجه اذا تعلق الأمر بالطرف الجزائري, وفور اندلاع ثورة التحرير تفطن المسؤولون الى الدور الذي يلعبه القضاء الفرنسي في طمس معالم العدالة و أرادو قطع كل علاقة تربط المواطنين بالجهات القضائية الفرنسية، ولهذا السبب و قبل انعقاد مؤتمر الصومام أنشات جبهة التحرير الوطني لجان القضاء و المحاكم الثورية .

    أولا : لجان القضاء.

    اقتصرت مهام لجان القضاء  بالنظر في القضايا المدنية و الجزائية البسيطة، كالامتناع عن دفع الاشتراكات لدعم  الثورة، و عدم الاستجابة للاستدعاء الموجه من جبهة التحرير الوطني و من جيش التحرير الوطني دون تقديم عذر جدي و كان يرأس لجان القضاء مسؤول القطاع العسكري في حالة نظرها في القضايا الجزائية و المحافظ السياسي عند البت في القضايا المدنية و تتشكل  اللجان من قضاة منتخبين من أفراد الشعب و تتمثل العقوبات التي تحكم بها هذه الجان عادة في عقوبات جسدية، كالضرب بالعصا و غرامات مالية ضد المدنيين و بعد اصدار اللجنة قرارها يرسل الى لجنة القضاء المختصة لتبليغه و تنفيذه  و اذا كان النزاع يدور حول مسألة سياسية خاصة بالثورة فينعقد الاختصاص لصالح جيش التحرير الوطني .

    ثانيا : المحاكم الثورية

    اختصت المحاكم الثورية بالنظر في الجرائم الخطيرة، و تختلف تشكيلة المحاكم الثورية حسب صفة المتهم مدني أو عسكري و تم انشاء محكمة ثورية على مستوى كل ناحية تختص بالنظر في الجرائم الجسمية التي كانت ترتكب من طرف المدنيين الجزائريين، كأعمال التجسس، و التعاون مع العدو و تتكون المحكمة من الأعضاء التاليين :

    – رئيس المحكمة : مسؤول الناحية .

    – ممثل النيابة : مسؤول الإعلام و الاتصال للناحية .

    – المساعدون المحلفون : ثلاثة أعضاء مختارين من سكان العرش .

    -المدافع القضائي : المحافظ السياسي .

    ويمكن أن يتنحى تلقائيا مسؤول الناحية عن النظر في القضية لاعتبارات أدبية أو سياسية أو بسبب صفة المتهم , و في هذه الحالة تحال القضية على المحكمة الثورية المختصة للمنطقة و اذا كان المرتكب الجريمة فردا من أعضاء جيش التحرير الوطني فإن تكوين المحكمة و مكان انعقادها يختلفان باختلاف رتبة المتهم و طبيعة الجريمة المنسوبة اليه .

    فإذا كانت الجريمة المرتكبة بسيطة و كان المتهم برتبة جندي أو عريف أو صف ضابط , فإن محاكمته تكون في مقر الكتيبة التي ينتمي اليها , أما اذا كانت الجريمة المرتكبة جسمية فإن الإحالة تكون أمام محكمة الناحية التي تتشكل من الاعضاء التاليين:

    – رئيس المحكمة :مسؤول الناحية .

    – ممثل النيابة : المسؤول العسكري للناحية .

    – قاض مساعد : المحافظ السياسي للناحية , أو المسؤول القطاع أو المحافظ السياسي للقطاع .

    – المدافع القضائي : مسؤول مختار من أي درجة كانت .

    أما اذا كان المتهم برتبة ضابط، فإنه يحال على محكمة الناحية.

    ثالثا : دليل المجاهد

    يعتبر دليل المجاهد المنطلق الحقيقي للقضاء العسكري في الجزائر بحيث اشتمل على الاجراءات الجزائية العسكرية أمام محاكم جيش التحرير الوطني ويعد دليل المجاهد ثمرة نجاح مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 أين تم الانتقال من مرحلة الشرائع و القوانين غير المكتوبة الى القوانين المكتوبة، فدليل المجاهد كان عبارة عن مجموعة قوانين مقسمة الى ثلاث أبواب، حيث جاء في الباب الأول تعريف المجاهد وواجباته و حقوقه، و في الباب الثاني للقضاء العسكري , كما قسم الجرائم إلى ثلاث اقسام .

    الأخطاء البسيطة .

    الأخطاء الخطيرة .

    الأخطاء الفاحشة .

     

    *بالنسبة للعقوبات : تم تقسيمها حسب نوع الجريمة المرتكبة .

    – بسيطة .

    – خطيرة .

    – فاحشة .

    * بالنسبة لتقسيم جهات القضاء العسكري :

    – محكمة المنطقة : تختص بمحاكمة ضباط الصف و الجنود.

    – محكمة الولاية : تختص بمحاكمة الضباط .

    – المحكمة القضائية العليا : يختص بمحاكمة الضباط السامين .

    * مرحلة ما بعد الاستقلال.

    أولا : المرحلة الانتقالية من 1962 الى 1964 .

    كان الاحتكام في الفترة الممتدة من 1962 الى 1964 الى التشريع الفرنسي العسكري و المطبق في الجزائر وأهم ما عرفته هاته المرحلة  هو تنصيب المحكمة العسكرية بوهران في شهر سبتمبر 1962 حيث تم تعيين قضاة من شباب جيش التحرير الوطني الذين مارسوا  القضاء العسكري لدى المحاكم الثورية لجيش التحرير الوطني و على مستوى النصوص كان لزاما على  الجهة القضائية أن تستعمل الأداة الوحيدة التي كانت في متناول يدها , و هي قانون القضاء العسكري الفرنسي الصادر سنة 1957 مع استبعاد النصوص التي تتعارض مع السيادة الوطنية، و بتاريخ 28/12/1964  صدر الأمر 64 – 211 المتضمن انشاء المجلس العرفي الذي يمتد اختصاصه الى كافة التراب الوطني , و قد كلف هذا المجلس الى غاية نهاية تطبيق المادة 59 من دستور 1963، المتعلقة بالسلطات الخاصة لرئيس الجمهورية بالنظر في قضايا الفاعلين العسكريين  و الشركاء من العسكريين و المدنيين في الجنايات و الجنح الماسة بأمن الدولة، وكذلك الجنايات و الجنح الماسة بالانضباط داخل الجيش،  و كل المخالفات المرتبطة بذلك و يرأس هذا المجلس  قاضي مدني برتبة مستشار يساعده أربعة ضباط من الجيش الوطني الشعبي , و يمثل النيابة العامة في هذا المجلس مندوب الحكومة commissaire de gouvernement  برتبة ضابط من الجيش الوطني الشعبي و تتميز اجراءاته بالسرعة , كما تكون أحكامه غير قابلة للطعن .

    ثانيا : القضاء العسكري الجزائري في الفترة الممتدة بين 1694 الى غاية 1970 .

    عرفت الجزائر عدة تطورات في المجال القضائي العسكري أولها يعود يوم 22/08/1964 أي بعد الاستقلال بعامين  هو يوم صدور القانون رقم64/242 المتضمن قانون القضاء العسكري و قد نص هذا القانون على انشاء جهة قضائية خاصة لمحاكمة فئة معينة من الأشخاص هم العسكريون و أشباه العسكريون عن الجرائم المرتكبة ضد قواعد النظام العسكري أو الواقعة ضمن المؤسسة العسكرية وأثناء قيامهم بالخدمة العسكرية .

    و أهم ما جاء به القانون القضاء العسكري لسنة 1964 انشاء ثلاث محاكم عسكرية دائمة لدى الناحية العسكرية الأولى بالبليدة والثانية بوهران و الثالثة بقسنطينة و يمتد اختصاص محكمة الناحية الثانية الى الناحية الثالثة ببشار و اختصاص المحكمة الخامسة الى الرابعة بـ ورقلة .

           وبالإضافة  الى كل ما سبق ذكره شهدت هاته الفترة صدور الأمر رقم 64-02 المؤرخ في 07/01/1964 والمتضمن إنشاء المجالس الثورية والتي اختصت بالنظر في الجرائم  الماسة بأمن الدولة و كل ما يهدف الى الإخلال بالنظام العام داخل القطر الجزائري.

    وكآخر مرحلة قبل صدور قانون القضاء العسكري لسنة 1971، و بالضبط بتاريخ 04/11/1968 بموجب الأمر رقم 68/609 تم انشاء المجلس القضائي الثوري بوهران .

     و يختص هذا المجلس بالفصل في الاعتداءات على الثورة و الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة و النظام العسكري و من خلال الاطلاع على اختصاصات  المجلس و تشكيلته يتبين بأنه يتمتع بصفة الجهة القضائية ذات الامتداد الوطني و تشكيلة مزدوجة تجمع قضاة مدنيين و  ضباط في الجيش الوطني الشعبي إلا أن تشكيلة المجلس يغلب عليها الطابع العسكري، بحيث تولى آنذاك رئاسة المجلس قائد الناحية العسكرية الخامسة و مستشارين مساعدين من القضاة المدنيين و ثمانية مستشارين عسكريين من ضباط الجيش، كما اسندت مهام النيابة العامة الى الضباط عسكريين، أما بالنسبة للجرائم فكانت تنظر وفقا لقانوني العقوبات   والقضاء العسكري  حسب نوع و طبيعة الجرم، بالإضافة إلى أن أحكام المجلس كانت تصدر بصفة نهائية و لا تقبل الطعن بأي طريق كان من طرق الطعن.

    ثالثا : قانون القضاء العسكري لسنة 1971

       إثر كل التطورات  التي عرفتها الجزائر في مرحلة ما بعد الاستقلال في ظرف ساد فيه الاحتكام إلى بعض القوانين الفرنسية، وهذا راجع الى حداثة خروج الجزائر من الحقبة الاستعمارية، و بالرغم من كل هذا إلا أن المشرع الجزائري اجتهد و ألغى كل ما يتعارض مع مصلحة و سيادة الدولة، و من هنا جاءت الحاجة الماسة لإضفاء طابع التحيين على مختلف النصوص القانونية.

       و الجدير بالذكر قانون القضاء العسكري الصادر بتاريخ 22/04/1971 طبقا للأمر رقم 71/28 ملغيا بذلك الأمر 64/242 السالف الذكر، وجاءت مبادرة إعادة النظر في قانون القضاء العسكري في أول ملتقى  للقضاة العسكريون سنة 1970 في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين ، والذي أشرف آنذاك على افتتاح أيام الملتقى،  وأهم ما تضمنه قانون القضاء العسكري لسنة 1971 هو اعادة التنظيم القضائي العسكري من جديد والإبقاء على عدد المحاكم العسكرية الثلاثة , كما احتوى على 336 منها ما ينفرد بها التشريع العسكري، سواء من حيث الإجراءات أو من حيث النص المجرم، هذا راجع الى مقتضيات و طبيعة الحياة العسكرية , ومنها ما يحيلنا صراحة على أحكام القانون العام، و لاسيما قانوني العقوبات و الإجراءات الجزائية.

    رابعا: القانون 18/14 المعدل والمتمم للأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري

    أعطت التعديلات التي طرأت على قانون الإجراءات الجزائية  للمتقاضين ضمانات كافية من أجل محاكمة عادلة ومنصفة كما ورد ذلك في أحكام  الدستور، إذ أنها في مجال الإجراءات المنصوص  في قانون القضاء العسكري لم يكن لها أي أثر و أصبحت لا تستجيب للواقع وغير مسايرة للتشريع المعمول به،  لذلك كان لزاما تعديل  قانون القضاء العسكري وهذا ما تم فعلا، حيث   صدر مشروع  بهذا الشأن أعدته وزارة الدفاع الوطني ، جاء مستجيبا  للقواعد الأساسية الواردة في التعديل  الدستوري لسنة، حيث  ورد في  نص في المادة 160 على قاعدة التقاضي على درجتين و أحال إلى القانون مهمة تحديد كيفيات تنفيذ ذلك، ومنه  جاء مشروع القانون الجديد للقضاء العسكري من أجل تجسيد هذا المبدأ باعتماد جهات قضائية للاستئناف و هي مجالس الاستئناف العسكري بالإضافة إلى تكريس مبدأ الفصل بين جهة التحقيق و جهة الحكم، باعتبار أن الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري لم يفصل بين جهة التحقيق والحكم، فكانت المحكمة العسكرية تنعقد مرة  باعتبارها جهة حكم مرة أخرى  باعتبارها جهة تحقيق )المحكمة  العسكرية المنعقدة بهيئة غرفة الاتهام(  وهذا أهم ما يؤخذ على قانون القضاء العسكري.

    نظرا للتطور الذي عرفه النظام القضائي الجزائري من صدور الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري و تجسيدا للمبادئ الدستورية،  لاسيما تلك الواردة في التعديل الدستوري لسنة  2016 وبالنظر للتعديلات المهمة التي أدخلت على قانون الإجراءات الجزائية أصبح من الضروري وضع نص تشريعي يستجيب لهذه التطورات، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية تسيير المؤسسة العسكرية لذلك جاء قانون  18/14 المعدل و المتمم لقانون القضاء العسكري هذا القانون تبنى مشروع التعديل المعد من طرف وزارة الدفاع مكرسا مبدأ التقاضي على درجتين وإحداث مجالس استئناف عسكرية وإنشاء غرفة الاتهام والإحالة إلى أحكام قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بإجراءات التوقيف للنظر والحبس المؤقت، كما استبعد بموجب هذا القانون من اختصاص القضاء العسكري الجرائم المتعلقة بأمن الدولة عندما ترتكب من مدنيين في مرحلة السلم وغيرها من الإجراءات المستحدثة الأخرى.

    العنصر الثاني : طبيعة القضاء العسكري .

        الأصل هو سريان القانون العام في مواجهة الكافة، إلا أنه اقتضى  الأمر أن يكون هناك نظام خاص بالقوات المسلحة، و هذا لا  يعني عدم خضوع أفراد الجيش الوطني الشعبي لقانون العقوبات ولو كان عليه الحال لكنا خرقنا لمبدأ مكرس دستوريا، إنما ضرورة وحساسية المصلحة هي التي استلزمت وجود تشريع عسكري و كغيره من التشريعات المقارنة نظم المشرع الجزائري هذا الجانب من خلال قانون القضاء العسكري لسنة 1971 المعدل والمتمم مؤخرا بالقانون 18/14 و الساري المفعول الى يومنا و لمعرفة طبيعة هذا القضاء الجنائي الخاص إن صح التعبير لابد من التطرق الى تعريفه على الرغم أن مختلف التشريعات العسكرية لم تتبنى نظاما واحد فتعددت الآراء الفقهية العربية و الغربية، فهناك من يرى أن القضاء العسكري هو قضاء تأديبي من حيث تواجده و هناك من يرى أنه قانون عقابي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة، و هناك أيضا من يراه كقانون خاص و البعض الأخر يراه تشريع جنائي مستقل .

    • ·        طبيعة القضاء العسكري:

        إن تحديد طبيعة قانون القضاء العسكري ليس بالأمر الهين، فلقد اختلف الفقه في تحديده، لذلك سنقوم بذكر أهم الآراء .

    أولا : أنه قانون عقابي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة .

       يرى جانب من الفقه أن قانون الأحكام العسكرية  قانون عقابي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة، و أن نصوصه حددت الجرائم التي يختص بها، كما بينت إجراءات المحاكمة التي تتبع أمامه، معللين ذلك بأن النصوص الواردة في القانون العسكري تشير الى أنه يطبق فيما لم يرد بشأنه نص الأحكام الخاصة بالإجراءات و العقوبات الواردة في القوانين العامة، و في حالة وجود نص آخر يعاقب على نفس الفعل المنصوص عليه في القانون العسكري وجب تطبيق العقوبة الأشد، و أن ذلك لا يعني تبعيته الى قانون معين , و إنما المقصود من ذلك هو تكملة قواعد و أحكام قانون الأحكام العسكرية فيما ورد بالقوانين العامة، وأن قصد المشرع بوضع قانون خاص بأفراد القوات المسلحة ليس من باب معاملة خاصة و إنما الهدف الأساسي هو حماية أمن و سلامة القوات المسلحة .

    ثانيا : قانون تأديبي من حيث مضمون القواعد التي يحميها .

         يرى أنصار هذا الرأي أن قانون القضاء العسكري هو قانون تأديبي من حيث مضمون القواعد التي يتضمنها لأن مجمل أحكامه تهدف الى فرض نظام ما في اطار وسط وظيفي يتألف من مجموعة أشخاص أساس العلاقة بينهم رابطة التبعية و التدرج الرئاسي، و يتصفون بالصفة  العسكرية و أن الهدف من توقيع الجزاء عليهم هو إخلال النظام داخل المجتمع العسكري، و ما يؤكد ذلك أن القاضي العسكري يتمتع بسلطات واسعة في تقدير العقوبة و وقف تنفيذها، كما أن السلطة العسكرية هي التي تتولى سلطات القضاء في بعض النظر عن أي اعتبار قانوني، و على الرغم أن قانون القضاء العسكري قد ستمد أحكامه من قانون عام من حيث المنهج و الترتيب و معظم نظرياته من ناحية الشكلية، كما يعد النص المرجعي لسد النقص الوارد في القانون القضاء العسكري، إلا أن الطابع التأديبي يغلب على جل أحكامه، و بالتالي لا يمكن ادراجه ضمن القوانين الخاصة .

    ثالثا : أنه قانون خاص

        يرى أنصار هذا الرأي أن القانون قضاء العسكري قانون جنائي خاص فهو ينص على أحكام عامة تختلف عن الأحكام العامة الواردة في قانون العقوبات و على جرائم تتصل بالنظام العسكري لا نظير لها في القانون العام و يستقل بمجموعة من الجزاءات لم يعرفها قانون العقوبات ولا القوانين الخاصة المكملة له، كالإبعاد من الخدمة والحرمان من الرتبة والحقوق في حمل الشارات و البزة العسكرية.

         يضيف أصحاب هذا الرأي أن استقلال القضاء عسكري لا يعني انفصاله عن قانون العقوبات العام، فهذا القانون هو الأصل العام الذي يجب الرجوع اليه لسد النقص، وهذا ما أكدته العديد من المواد، قانون القضاء العسكري الجزائري فنسبة الإحالة الصريحة الى القانون العام تفوق 14% من مجموع النص وهو ما يمثل 43 مادة .

        ومن أهم الجوانب التي اعتمدها أنصار هذا الرأي للتفرقة بين قانون الأحكام العسكرية بصفته قانون خاص و بين القوانين المكملة أو الملحقة بقانون العقوبات و التي من أمثلتها قوانين المخدرات و هي التي تراعي في تطبيقها الأحكام العامة في قانون العقوبات .

    رابعا : أنه تشريع جنائي مستقل

          يرى أنصار هذا الرأي أن قانون القضاء العسكري يعتبر تشريعا جنائيا مستقلا له فلسفته  وقواعده المستقلة، يتعلق بطائفة معينة هي أفراد القوات المسلحة و يحكم الأفعال غير مشروعة التي تصدر عن أفراده، سواء كانت تندرج تحت نصوص قانون العقوبات أو تحت نصوص عسكرية بحتة و ينفي طبيعة التكميلية و الخاصة للتشريع العسكري على أساس أن القانون التكميلي و الخاص يدخل ضمن قانون العقوبات و يعتبر جزء منه، كما أن الغرض من القانون التكميلي هو سد النقص القائم في القانون العقوبات عن طريق تجريم أفعال لم يشملها التجريم العام، في حين أن قانون الأحكام العسكرية أو القضاء العسكري يشتمل على قواعد تحكم السلوك الإجرامي الذي يصدر على طائفة معينة هي افراد القوات المسلحة، سواء كان هذا السلوك الإجرامي يكون جريمة من جرائم القانون العام، أو أنه يكون جريمة عسكرية بحتة لا مثيل لها في قانون العقوبات، و يتزعم أنصار هذا الرأي الدكتور مأمون محمد سلامة الذي اعتبر تخصيص المشرع طائفة معينة من الأفراد بتنظيم خاص يحكم أفعالهم غير مشروعة يأتي لاعتبارات موضوعية تتعلق بأسلوب المشرع في حمايته لمصلحة معينة من مصالح الجماعة و ليس لاعتبارات طائفية  لتميز طائفة معينة من طوائف الشعب، و إلا كان مثل هذا التخصيص مخالفة للدستور، و يصل في الأخير إلى تعريف قانون القضاء العسكري  بأنه  ” مجموعة من القواعد التي تحكم التجريم و العقاب لأفعال التي تضر او تهدد مصلحة من مصالح القوات المسلحة سواء تعلقت بنظامها او بسلامتها او بوظيفتها سواء وقعت الجريمة من أفراد القوات المسلحة ومن في حكمهم ان من الأفراد مدنيين” و من مجمل الآراء الفقهية التي سبق ذكرها حول طبيعة قانون القضاء العسكري يمكن جمعها في اتجاهين فقط . الاتجاه الأول يجمع آراء الاتجاه  الثالث و الرابع و يكون قانون القضاء العسكري طبقا لهذا الاتجاه قانون جنائي خاص .

          فالاتجاه الأول الذي يرى بأن قانون الأحكام العسكرية قانون جنائي ينفرد بشخصية و ذاتية خاصة فانفراده بهذه الشخصية و الذاتية الخاصة يؤكد أنه قانون خاص، حيث أنه يحتوي على مجموعة من النصوص تحدد الجرائم التي يختص بها، و كذا إجراءات المحاكمة التي تتبع محاكمه، و كذا عقوبات ينفرد بها و غير موجودة بقانون العقوبات، و الاتجاه الثالث  يرى أنه قانون جنائي خاص و الرابع يرى انه تشريع جنائي مستقل  فكلاهما يؤدي الى معنى واحد.

           أما بالنسبة للاتجاه الذي ذهب أنصاره الى أن قانون القضاء العسكري هو قانون تأديبي من حيث مضمون القواعد التي يتضمنها لا يمكن التسليم له اطلاقا، لأنه توجد اختلافات عديدة من بينها أن مختلف التشريعات العسكرية لم تحدد الأخطاء التأديبية  في قوانينها على سبيل الحصر و تركت المجال للجهات الإدارية و التأديبية.

  • خصوصية القضاء العسكري

    المحور الثاني: خصائص القضاء العسكري

    سبق القول بأن قانون القضاء العسكري هو تشريع جنائي خاص، ومادام  عليه الحال من الضروري أن تكون له سمات و خصائص، التي سنتطرق إليها من حيث الاشخاص الخاضعين له و من حيث التجريم و من حيث العقوبات و من حيث تشكيل المحاكم العسكرية، ومن حيث غرفة الاتهام العسكرية و من حيث الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية .

    -1 من حيث الأشخاص الخاضعين له :

    ومن هنا نطرح السؤال التالي: هل يطبق قانون القضاء العسكري على جميع الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم؟.

    بالرجوع إلى نصوص المواد  26- 27- 28 الواردة في الباب الثاني من قانون القضاء العسكري الجزائري نلاحظ أنه  لا يطبق من هذه الناحية على كافة الأشخاص و إنّما في مواجهة أفراد محددين تتوفر فيهم صفات خاصة استلزمها المشرع الجزائري بحيث لابد أن يتصفوا بالصفة العسكرية الا أن هذا الحكم ليس مطلق، بل قد يلاحظ أن هذا  القانون يسري أيضا في مواجهة الأشخاص المدنيين في حالات خاصة نص عليها القضاء العسكري وردت في صلب النص صراحة، نذكر منهم الأشخاص الخاضعين للقانون القضاء العسكري الذين يقصد بهم:

     كل المستخدمون العسكريون العاملون، و المستخدمون العسكريون العاملون بموجب عقد أو المؤذون للخدمة الوطنية أو المعاد استدعاؤهم في إطار الاحتياط القائمون بالخدمة أو في عطلة خاصة، سواء كانوا في حالة حضور أو غياب نظامي أو غير نظامي خلال أجل العفو السابق للقرار.

    نلاحظ أنّ المشرع الجزائري بتعديله لنص المادة 26 من ق ق ع بموجب القانون 18/ 14 قد حدد بدقة الأشخاص العسكريين و وسع المشمولين بالصفة العسكرية بخلاف النص السابق للتعديل الوارد في الأمر 71/ 28 الذي كان يعتبر العسكري كل شخص قائم بالخدمة أو المعدود في حالة حضور أو استيداع أو غياب نظامي أو غياب غير نظامي، والأشخاص القائمين بالخدمة، الذين هم باقون تحت تصرف وزارة الدفاع و يتقاضون راتب منها.

    يعتبر عسكري كذلك الجنود الشبان والمجندون قيد التوقف والأشخاص المتطوعين الجدد والمعفيين من الخدمة والمحالين على الاستيداع ، وكذلك أفراد الإحتياط (المادة 27 من ق ق ع).

    وباستقراء نص المادة 26  ق ق ع المعدل نجد أن المشرع الجزائري قد عرّف المستخدمين المدنيين بأنّهم المستخدمون المدنيون التابعون لوزارة الدفاع الوطني بموجب القوانين الأساسية المطبقة عليهم وهم خاضعون لاختصاص القضاء العسكري.

    كما حدد كذلك بموجب النص المذكور أعلاه الأشخاص المتنقلين قاصدا بهم من هم على ظهر سفينة تابعة للقوات البحرية أو طائرة عسكرية مهما كانت صفاتهم المتواجدين بها.

    بالرجوع إلى نص المادة 28 من ق ق ع المعدل فإنّه يحاكم أمام الجهات القضائية العسكرية كل الأشخاص مهما كانت صفاتهم المتواجدين على متن سفينة تابعة للقوات البحرية أو طائرة عسكرية، و الأشخاص المقيّدون في جدول الخدمة دون أن يكونوا مرتبطين قانونيا أو تعاقديا بالجيش، وكذلك الشأن بالنسبة لأفراد ملاحي القيادة، وأسرى الحرب، غير أنّ خضوع هذه الطائفة لقانون القضاء العسكري لا يعني عدم خضوعهم لقانون العقوبات، و هذا ما اتجهت إليه المحكمة العليا في قرارها صادر يوم 6 ماي 1980   صفة العسكري لا تخول وحدها و بصفة دائمة الإختصاص للقضاء العسكري، فالجريمة العادية التي اقترفها العسكري خارج الخدمة، و بينما كان يقود سيارته لأغراض شخصية دون رخصة سياقة و شهادة تأمين تخضع للقضاء العادي لا القضاء العسكري”.

    2- من حيث التجـــــــــريم:

    لم تضع مختلف التشريعات العسكرية للجريمة العسكرية تعريفا إلا أنّ الفقهاء حاولوا تعريفها فمنهم من عرّفها بأنّها سلوك غير مشروع صادر عن إرادة آثمة يقرر لها القانون عقوبة أو تدبيرا احترازي .

    فالجريمة العسكرية بمفهومها العام لا تختلف عن الجريمة العادية إلا بالقدر الذي تقتضيه المصلحة العسكرية، و التي تشكل محلا للحماية الجنائية، و تقسم الجرائم العسكرية إلى ثلاث حسب جسامة العقوبة ( جنايات، جنح، مخالفات )، و هدف المشرع من هذا التقسيم هو توحيد المصطلحات، ما يؤكد أن قانون  القضاء العسكري قانون عقابي جنائي و ليس تأديبي، و بإستقراء نصوص هذا القانون نجد أن الوقائع متدرجة تحت فئتين:

    1-وقائع تكون جرائم عسكرية بحتة :

    وهي تلك الجرائم التي نص عليها قانون القضاء العسكري، التي لا مثيل لها في باقي القوانين العقابية الأخرى، ما يؤكد استقلالية القانون العسكري عن غيره من القوانين :

    * الفئة الأولى : الجرائم الرامية الى افلات مرتكبيها من الالتزامات العسكرية:

     وهي المنصوص عليها في المواد 254 الى 274 و هي كالآتي:

     – جريمة العصيان ( المادة 254 ق ق ع).

    –       جريمة الفرار داخل البلاد ( من المادة 255 إلى 257 ق ق ع).

    –       جريمة الفرار خارج البلاد ( من المادة 258 إلى 264).

    –       جريمة الفرار مع عصابة مسلحة ( المادة 265 ق ق ع).

    –       جريمة الفرار الى العدو أو من أمام العدو ( المادة 266 إلى 269 ق ق ع ).

    –       جريمة التحريض على الفرار ( المادة 271 ق ق ع)

    – جريمة تخليص الفار( المادة 272 ق ق ع).

    * الفئة الثانية : جرائم الإخلال بالشرف و الجرائم المنصوص عليها في المواد من 275 الى 310 منها : الإستسلام، الخيانة، التجسس والمؤامرة العسكرية، النهب، التدمير، التزوير و الغش و الإختلاس، انتحال البذلة العسكرية و الأوسمة، الشارات المتميزة و الشعارات، إهانة العلم، التحريض على ارتكاب اعمال مخالفة للواجب النظام .

    * الفئة الثالثة : جرائم المرتكبة ضد النظام:

    وهي المنصوص عليها في المواد 302 الى 323 قانون القضاء العسكري وهي: ( التمرد العسكري، رفض الطاعة، أعمال العنف و إهانة الرؤساء، أعمال العنف و الشتائم المرتكبة بحق الخفير أو الحارس، رفض أداء الخدمة الواجبة قانونا، أعمال العنف بحق المرؤوسين و إهانتهم، سوء استعمال حق المصادرة.

    * الفئة الرابعة : مخالفة التعليمات العسكرية

     وهي جرائم وردت في المواد من 324 الى 334 و منها:

    جريمة مخالفة الأمر العادي العام الصادر إلى الجند، جريمة  عدم اكمال المهمة الموكلة للقائد، و جريمة ترك العسكري مركز وظيفته أو عدم تنفيذ التعليمات الصادرة إليه .

    2 – وقائع تكَوُن جرائم عسكرية مختلطة ( مزدوجة الوصف ):

    يقصد بها تلك الجرائم التي ورد نص على تجريمها نص في قانون القضاء العسكري مع وجود نص آخر في قانون العقوبات  أو القوانين المكملة له و هو طريق سلكه المشرع بغية تحقيق اهداف خاصة ومعينة هذا ما ورد في أحكام المواد من 61 الى 64  التي جاءت في الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب الثالث من الجزء الثاني من قانون العقوبات تحت القسم الأول جرائم الخيانة و التجسس،  التي تقابلها المواد من 277 الى 282 من قانون القضاء العسكري.

    3- وقائع تكون جرائم نص عليها في القانون العام وتعتبر عسكرية:

         وهي تلك الجرائم التي وردت في قانون العقوبات ولم يرد نص بشأنها في قانون القضاء العسكري، طبقا لنص المادة 25 منه.

    3– من حيث العقوبات :

    اهتم المشرع الجزائري في قانون القضاء العسكري بتنظيم العقوبات المقررة للجرائم والتي تناولها وظيفة العقوبة بصفة عامة في التنظيم العسكري  توقعها المحاكم العسكرية مثل : الاعدام،  السجن المؤبد مع الأشغال، السجن المؤقت مع الأشغال، و بالنسبة للحبس والغرامة في قانون القضاء العسكري لم ينص على غرامات بمقتضى الأمر 71/28 إلا أنه استدرك الأمر، حيث بصدور القانون 18/14 أصبح هناك غرامات ينطق بها القاضي الجنائي العسكري في جرائم التحريض عى الفرار، وجرائم إخفاء فار عمدا أو بتخلصه بطريقة ما من المتابعات القانونية المقررة بحقه أو يحاول القيام بذلك.

    على أن العمل هنا يكون بموجب قانون العقوبات و النصوص المكملة له،  كما يحتوي قانون القضاء العسكري عقوبات أصلية، كالعزل العسكري، فقدان الرتبة أو تحويل في الدرجة، أو أكثر بالنسبة لضباط الصف و الجنود دون الإخلال بالعقوبات التكميلية التي تأمر بها المحكمة العسكرية .

  • قواعد الاختصاص ومعايير تحديدها أمام جهات القضاء العسكري

    المحور الثالث: تحديد معايير اختصاص الجهات القضائية العسكرية

    يحتل موضوع الاختصاص جزءا هاما في القوانين الإجرائية أو الشكلية لأهميته في سير الدعوى أمام القضاء الجزائي هذا حفاظا على حقوق الأطراف , إذ أنه شرط من الشروط الشكلية للدعوى،  و هو من النظام العام أي لا يجوز مخالفته، ومن هنا كان لزاما علينا التطرق للمعايير التي اعتمدها المشرع عندما تكون الدعوى العمومية مطروحة أمام المحاكم العسكرية، وذلك بتحديدها كالصفة العسكرية، أو الجرائم العسكرية البحتة، و كذلك نطاق ارتكاب الجرائم , حيث سنتطرق للأمر71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري فيما يتعلق بقواعد الاختصاص             ، وكذلك التطرق للقانون 18/14 المعدل و المتمم للأمر 71/28 والجديد الذي أتى به.

    العنصر الأول : الاختصاص الإقليمي للقضاء العسكري طبقا للأمر 71/28 .

           يرتبط الاختصاص الإقليمي بالنطاق الجغرافي الذي حدده المشرع للجهات القضائية لممارسة صلاحياتها، مع مراعاة أن اختصاص المحاكم العسكرية اقليميا يختلف عن اختصاص القضاء العادي، لوجود قواعد عامة تحكمه تخرج عنها حالات استثنائية، و يرجع ذلك أيضا إلى طبيعة التنظيم القضائي لجهات القضاء العسكري الذي تختلف عن القضاء العادي .

    أولا : أحكام الاختصاص الاقليمي الواردة في الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري.

    1-مكان ارتكاب الجريمة :

    بالرجوع الى أحكام المادتين 25 و 26 من ق ق ع  فإن قواعد هذا القانون تسري على كل شخص يرتكب الجرائم التي تقع داخل المؤسسات العسكرية، و التي يشغلها عسكريون لمصالح القوات المسلحة أينما كانت، وما يخرج عنها فهي من اختصاص القانون العام , أي أن المشرع جعل مناط الاختصاص هو مكان ارتكاب الجريمة .

    بالرجوع إلى التنظيم الإقليمي فحسب نص المادة 4 من الأمر 71/28 فإنه  تنشأ محاكم عسكرية دائمة لدى النواحي العسكرية الأولى و الثانية و الخامسة.

    و يمتد الاختصاص الإقليمي للمحكمة العسكرية الدائمة الخاصة بالناحية العسكرية الثانية الى الناحية العسكرية الثالثة، كما يمتد الاختصاص الاقليمي للمحكمة العسكرية الدائمة الخاصة بالناحية العسكرية الخامسة الى الناحية العسكرية الرابعة.

     و تعين المحاكم العسكرية باسم المكان المحدد لانعقادها، و يمكن أن تعقد جلساتها في كل مكان من دائرة اختصاصها.

    نشير الى أنه من سنة 1992 الى غاية 2018 تاريخ تعديل الأمر 71/28، كانت هناك ثلاث محاكم عسكرية يمتد اختصاصها ليشمل كامل إقليم الناحية ( المحاكم الثلاث أنشأت بالمرسوم الرئاسي 92/92 المؤرخ في 03/03/1992 وهي بشار. ورقلة . تمنراست ) .

    ومعيار تحديد الاختصاص الإقليمي  في ظل الأمر 71/28 ورد في نص المادة 30 فقرة 1 و 2 على أن المحكمة المختصة، هي المحكمة التي وقع الجرم في دائرة اختصاصها، أو المحكمة التي أوقف المتهم أو المتهمون في دائرة اختصاصها، أو المحكمة التي تخضع لها الوحدة التي يكون المتهم أو المتهمون تابعون لها .

    في حالة تنازع الاختصاص، فالمحكمة المختصة هي التي وقع الجرم في دائرة  اختصاصها، و في حالة ما إذا كان هناك تنازع اختصاص بين المحاكم، فالمحكمة المختصة هي التي وقع الجرم في دائرة اختصاصها .

    2- الحالات الخاصة :

    باستقراء نصوص قانون القضاء العسكري نجد أن هناك حالات خاصة يجوز فيها مخالفة القواعد المتعلقة بالاختصاص الإقليمي  واردة في الفقرة الأخيرة من المادة 30 من قانون القضاء العسكري، في حالة ارتكاب جناية أو جنحة من طرف ضابط برتبة نقيب فأعلى أو كان مرتكب الجريمة ضابط شرطة قضائية عسكرية، و عليه فالمحكمة المختصة بالفصل في تلك الجريمة ليست التي ارتكبت الجريمة في إقليمها،  ويعين هاته المحكمة الجديدة المختصة وزير الدفاع الوطني إلا في حالة عدم الإمكانية المادية لذلك، و الهدف المرجو من هاته القاعدة هو تفادي تأثير صفة الجاني على سير الدعوى .

    هناك  حالة خاصة أخرى واردة في نص المادة 35/02 من ق ق ع يمكن فيها مخالفة قواعد الاختصاص الاقليمي، التي تتعلق بفئات معينة , وهم المحررون من التزاماتهم العسكرية كأفراد الخدمة الوطنية الذين انتهت مدة خدمتهم القانونية , كذلك الحال بالنسبة لمتقاعدي الجيش الوطني الشعبي، ويكون ذلك قبل الشروع في الملاحقات أو متابعة اعتراض إجراء سابق شرع فيه، و في حالة  ما اذا كان المتقاضي مقيما خارج التراب الوطني، فالمحكمة المختصة اقليميا هي التي يكون الوصول اليها سهلا ( م35/02 ق.ق.ع ).

    نشير الى حالة خاصة أخرى أخيرة هي حالة الضم التي نصت عليه المادة 36 من ق.ق.ع ﴿ عندما يكون المتقاضي معتقلا لأي سبب كان، في دائرة اختصاص محكمة عسكرية، يمكن لهذه الأخيرة أن تنظر في جميع الجرائم الداخلة في اختصاص القضاء العسكري﴾.

    يقصد بهذه الحالة أن المحكمة العسكرية المختصة هي التي يوجد المحبوس لديها، فتكون مؤهلة بالنظر في جميع الجرائم التي ارتكبها في دائرة اختصاص إقليمي اخرى .

    ثانيا : أحــكـــــام الاختصاص الإقليمي طبقا للقانون 18/14

    1-معايير تحديد الاختصاص الإقليمي:

    لقد أدى التعديل الدستوري لسنة 2016 الى حتمية أساسية وهي ضرورة  تعديل قانون القضاء العسكري ليتماشى وفحوى التعديلات الواردة خاصة مع تعلق بـــمبدأ التقاضي على درجتين، إذ تم استحداث مجلس استئناف عسكري لدى كل ناحية عسكرية، يختص بالنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية، إذ نصت المادة 3 مكرر من القانون 18/14 المعدل و المتمم للأمر 71/28 على أنه ﴿ تنظم الجهات القضائية العسكرية في محاكم عسكرية و مجالس استئناف عسكرية ﴾

    نصت المادة 4 من القانون 18 /14 على أنه ﴿ تنشأ محكمة عسكرية ومجلس استئناف عسكري في كل ناحية عسكرية.

     تسمى المحكمة العسكرية ومجلس الاستئناف العسكري باسم المكان المتواجد به مقر كل واحد فيهما.

     ويمكن أن يعقدا جلساتهما في اي مكان من اقليم الناحية العسكرية بموجب مقرر من وزير الدفاع الوطني﴾

    والملاحظ هنا أن المشرع الجزائري بالقانون 18/14 قد أبقى على قواعد الاختصاص الإقليمي كما هي :

    • ارتكاب الجريمة على اقليمها .
    • اذا تم توقيف المتهم أو المتهمين في دائرة اختصاصها .
    • اذا كان المتهم او المتهمون يتبعون وحدة خاضعة لاختصاص المحكمة.

    وهذا طبقا للمادة 30 من ق. ق. ع المعدلة بالمادة 11 من قانون 18/14 مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشرع الجزائري طبقا للقانون 18/14  أخذ بمبدأ أفضلية المحكمة العسكرية التي وقع الجرم في دائرة اختصاصها عن بقية المحاكم العسكرية الأخرى، وهذا في حالة تنازع الاختصاص.

    2-الحالات الخاصة طبقا للقانون 18/14 :

    باستقراء المادة 30 من القانون 18/14 المعدل و المتمم للأمر 71/28 يتبين أن المشرع قد رفع الرتبة من ” نقيب فأعلى ” الى ” عقيد أو أعلى ” أو عندما يكون قاضيا عسكريا او ضابطا له صفة ضابط شرطة قضائية عسكرية و ارتكب جناية أو جنحة بصفته المذكورة يعين وزير الدفاع الوطني الجهة القضائية المختصة التي لا يمكن أن تكون هي الجهة التي يتبع لها المتهم، إلا اذا كان هناك حالة عدم الإمكانية المادية لذاك، فيؤول الاختصاص للجهة التي ارتكب فيها الجرم من قبل الفئة المذكورة أعلاه.

    ما يمكن ملاحظته من نص المادة 30 المعدلة و المتممة بنص المادة 11 من قانون 18/14 هو أن المشرع الجزائري قد استدرك ما وقع من نقص و أضاف فئة أخرى لم تذكر في الأمر 71/28 وهي فئة ” القضاة العسكريون “، إذ أصبح لهم امتياز التقاضي في حالة ارتكابهم لجناية أو جنحة بصفتهم.

    العنصر الثاني : الاختصاص النوعي للقضاء العسكري :

    أولا : أحكام الاختصاص النوعي طبقا للأمر 71/28:

           يتحدد الاختصاص النوعي هنا حسب الموضوع الجريمة، أي أن انعقاده لا يتعلق بصفة مرتكب الجريمة، سواء كان عسكريا أو لا، ولا تعلق بمكان ارتكابها، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها , ووردت هاته الجرائم كما سنحددها: وهي المنصوص عليها في المواد 254 الى 274 و هي كالآتي:

     – جريمة العصيان ( المادة 254 ق ق ع)، جريمة الفرار داخل البلاد ( من المادة 255 إلى 257 ق ق ع)، جريمة الفرار خارج البلاد ( من المادة 258 إلى 264)، جريمة الفرار مع عصابة مسلحة ( المادة 265 ق ق ع)، جريمة الفرار الى العدو أو من أمام العدو ( المادة 266 إلى 269 ق ق ع )، جريمة التحريض على الفرار ( المادة 271 ق ق ع) جريمــــــة تخليص الفار( المادة 272 ق ق ع)، و جرائم الإخلال بالشرف ( المادة 275 ق ق ع )، و جرائم انتحال البذلة العسكرية و الأوسمة و الشارات المتميزة و الشعارات ( المادة 298 ق ق ع ).

    ما يمكن ملاحظته أنه فيما يتعلق بالجرائم الماسة بأمن الدولةـ فطبقا لنص المادة 25/03 من الأمر 71/28 قانون القضاء  العسكري، فإن المحكمة العسكرية هي صاحبة الاختصاص بالمتابعة والفصل في هذه الجناية , سواء كان مرتكبها عسكريا أم لا , أما اذا كانت من الجريمة المرتكبة لها وصف جنحة فإنه لا تختص بها إلا اذا كان مرتكبها عسكريا .

    يتضح من نص المادة 25/03 من الأمر 71/28 أنه يؤول اختصاص المحكمة العسكرية بالفصل في الجرائم الماسة بأمن الدولة الى القضاء العسكري، متى زادت العقوبة عن 5 سنوات حبسا، أما اذا  كانت أقل من 5 سنوات فلا تختص المحكمة العسكرية إلا في الوقائع المرتكبة من قبل العسكري، هذا زمن السلم، أما في زمن الحرب فيعود الاختصاص للقضاء العسكري في الجرائم الماسة بـ أمن الدولة مهما كان مرتكبها.

    ثانيا : أحكام الاختصاص النوعي طبقا للقانون 18/14 :

    استجاب المشرع الجزائري لمجمل انتقادات التي أثارها نص المادة 25/03 من الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري باختصاص المحاكم العسكرية في الجرائم الماسة بأمن الدولة، التي يكون مرتكبها مدنيا، لتؤول إلى اختصاص جهات القضاء العادي، أما الجرائم الخاصة بالنظام العسكري فطبقا للمادة 25 من القانون 18/14 حددت فئات معينة من الجرائم ضمن الكتاب الثالث سماها بالمخالفات المتعلقة بالنظام العسكري، إذ يؤول الاختصاص فيها للجهات القضائية العسكرية بغض النظر عن مرتكبها، فيحال إليها كفاعل أصلي للجريمة، و كل فاعل مشترك آخر و كل شريك في الجريمة، سواء كان عسكري أم لا، أما اذا كانت الجريمة لا تشكل إحدى المخالفات المتعلقة بالنظام العسكري، فيؤول الاختصاص فيها لجهات القانون العام.

    العنصر الثالث: الاختصاص الشخصي للقضاء العسكري .

    أولا : أحكام الاختصاص المحاكم العسكرية طبقا للمادة 71/28

    باستقراء نص المادة 3 من الأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري نجد أن المشرع اعتمد على المعيار الشخصي عند تحديده لاختصاص المحاكم العسكرية وفقا لصفة الشخص مرتكب الجريمة .

    و بالرجوع إلى نصوص المواد 26 – 27 -28 من ق .ق .ع  نلاحظ أنه لا يطبق من هذه الناحية على كافة الأشخاص، إنما في مواجهة أفراد محددين توفر فيهم الصفة العسكرية، وهم كل المستخدمون العسكريون العاملون، و المستخدمون العسكريون العاملون بموجب عقد أو المؤدون للخدمة الوطنية والمعاد استدعائهم في إطار الاحتياط، أو من هم في عطلة خاصة، سواء كانوا في حالة حضور أو غياب نظامي أو غير نظامي خلال أجل العفو السابق للقرار، أو الأشخاص القائمون بالخدمة، الذين هم باقون تحت تصرف وزارة الدفاع و يتقاضون راتبا منها .

    تختص المحاكم العسكرية بالفصل في جرائم المرتكبة من قبل العسكريين أو أشباههم بسبب تأدية وظائفهم، أما بالنسبة للجرائم التي تقع داخل المؤسسات العسكرية أو ضدها، مهما كانت صفة مرتكبها ( عسكري , مدني )، فالنظر في الدعوى و الفصل فيها من اختصاص المحاكم العسكرية .

    اختصاص المحاكم العسكرية بالجرائم المرتكبة من قبل الأحداث .

    يعتبر حدثا كل من لم يبلغ 18 سنة كاملة يوم ارتكاب الجريمة ( المادة 2 من القانون 15/12 المتعلق بحماية الطفل )، مع عدم اغفال النص الوارد في المادة 248 ق ّإ ج  المتعلق بسن الحداثة في الجرائم الموصوفة بأفعال ارهابية و تخريبية، فالمتمعن لأحكام قانون القضاء العسكري يجد أنه لا يوجد نص يستثني هاته الفئة من المحاكمة أمام جهاته , و هذا ما ورد في النص المادة 25 فقرة 1 و 2.

    وعليه يؤول اختصاص محاكمة الأحداث أمام جهات القضاء العسكري في حالة ارتكابهم للجرائم الخاصة بالنظام العسكري، ســواء بصفتهــم فاعلين أصليين أو شركـــاء، و هذا في زمن السلم.

    ورد استثناء في المادة 74/6 من ق .ق ع بتقييد تحريك الدعوى للعمومية ضد القصر في زمن الحرب , بشرط أن لا تكون الجريمة المرتكبة تقتضي عقوبة الإعدام .

    ثانيا: أحكام اختصاص المحاكم العسكرية : طبقا للقانون 18/14

    بالرجوع الى المادة 26 من ق ق ع المعدلة و المتممة بالمادة 11 من قانون 18 /14 نجد أن المشرع الجزائري حدد بدقة الأشخاص العسكريين ووسع الأشخاص المشمولين بالصفة العسكرية، كما يستشف من هذا النص كذلك أنه يحاكم أمام الجهات القضائية العسكرية المستخدمون المدنيون، كما يؤكد هذا الطرح هو نص المادة 3 المعدل و المتمم للأمر 71/28،  حيث نص على أنه  تطبق أحكام هذا القانون على جميع المستخدمين العسكريين و المدنيين التابعين لوزارة الدفاع الوطني.

     وعليه فالاختصاص الشخصي للجهات القضائية العسكرية جاء موسعا ليشمل جميع المستخدمين و العاملين في وزارة الدفاع الوطني، و من ثم فطبقا لنص المادة 25 من القانون 18/14 المعدل و المتمم للأمر 71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري فإنه يحاكم أمام الجهات القضائية العسكرية المستخدمون العسكريون و المدنيون التابعون لوزارة الدفاع الوطني، سواء بصفتهم فاعلين أصليين للجريمة و فاعلين مساهمين و يحاكم الشركاء في الجرائم المرتكبة أثناء الخدمة أو لدى المضيف، مع الإشارة إلى أنه يكمن للوكيل العسكري للجمهورية استدعاء أي شخص، سواء كان عسكري أو مدني و أن يستحضره مباشرة أمام المحكمة العسكرية، و هذا زمن الحرب ( المادة 74 من القانون 18/14 ).

    العنصر الرابع: معايير انعقاد اختصاص القضاء العسكري .

    أولا: المعيار الشخصي:  

    1/ أحكام المعيار الشخصي الواردة في القانون 18/14.

           يختص القضاء العسكري في كل الجرائم المرتكبة من قبل العسكريين والملحقين بهم متى وقعت بسبب تأدية مهامهم بغض النظر عن نوع الجريمة المرتكبة، والملاحظ أن هذا الاختصاص منصوص عليه في الامر 71/28.

           هناك فئة من الأشخاص حددها القانون تحاكم أمام جهات القضاء العسكري، لهم صفة محددة متى ارتكبوا جريمة، سواء كانت عسكرية بحتة أو تدخل في تدخل في نطاق جرائم القانون العام.

           حددت المواد 26 / 27/ 28 من الأمر71/28 المتضمن قانون القضاء العسكري هؤلاء الأشخاص بصفاتهم وهم:

    –       ضباط الجيش الوطني الشعبي باختلاف القوات العاملين فيها ( برية / بحرية / جوية).

    –       ضباط الدرك الوطني.

    –       ضباط الصف وجنود الجيش الوطني الشعبي.

    –       الجنود الشبان والمجندون قيد التوقف.

    –       المتطوعون المجددون والمعفون من الخدمة.

    –       العسكريون الموجودون في حالة احتياط أو استيداع.

    –       المطرودون من الجيش.

    –       أفراد ملاحي القيادة.

    –       أسرى الحرب.

    –       الأشخاص المفرزين إلى الوحدات.

    –       الأشخاص المعينين بصفتهم عسكريين في مستشفى أو سجن أو حرس القوة العمومية قبل تجنيدهم.

    2/ أحكام المعيار الشخصي طبقا للقانون 18/14.

                       لقد وسع القانون 18/14 المعدل والمتمم للأمر 71/25 بمقتضى المادة 3 منه من دائرة الاختصاص حسب المعيار الشخصي لتشمل المستخدمين المدنيين التابعين لوزارة الدفاع الوطني.

    كما نصت المادة 26 المعدلة والمتممة بمقتضى القانون 18/ 14 على أنه  يعتبر كعسكريين في مفهوم هذا القانون، المستخدمون العسكريون العاملون بموجب عقد أو المؤدون للخدمة الوطنية أو المعاد استدعاؤهم في إطار الاحتياط، القائمون بالخدمة أو المنتدبون أو غير القائمين بالخدمة أو في عطلة خاصة، سواء كانوا في حالة حضور أو غياب نظامي أو غير نظامي خلال أجل العفة السابق للقرار.

    يعتبر كمستخدمين مدنيين، المستخدمون المدنيون التابعون لوزارة الدفاع الوطني العاملون بموجب القوانين الأساسية المطبقة عليهم.

    يقصد بالشخص المتنقل، كل شخص موجود بأية صفة كانت على ظهر سفينة تابعة للقوات البحرية أو طائرة عسكرية“.

           كما نصت المادة 28 المعدلة والمتممة بالقانون 18/14 على أنه ” يحاكم أيضا أمام الجهات القضائية العسكرية:

    1- الأشخاص المتنقلون المتواجدون بأية صفة كانت، على متن سفينة تابعة للقوات البحرية أو طائرة عسكرية،

    2-  الأشخاص المقيدون في جدول الخدمة والقائمون بها، دون أن يكونوا مرتبطين قانونيا أو تعاقديا بالجيش،

    3- أفراد ملاحي القيادة،

    4-  أسرى الحرب.

           وما يلاحظ على نص المادة 28 سابق الذكر أن عبارة النص جاءت واسعة لتشمل جميع العاملين في وزارة الدفاع الوطني أو المكلفين بخدمة في الجيش الوطني الشعبي، سواء الإداريين أو المقاولين والمتعاقدين ومن هو في حالة عمل في تنفيذ عقود المقاولة والتوريد والأشغال العمومية مع الجيش الوطني الشعبي.

    ثانيا: المعيار الموضوعي: 

    1- أحكام المعيار الموضوعي طبقا للأمر 71/28

    أ/ الجرائم المرتكبة أثناء الخدمة

           نصت المادة 25/02 من قانون القضاء العسكري على أنه ” يحاكم كذلك أمام المحاكم العسكرية الدائمة الفاعلون الأصليون للجريمة والفاعلون المشتركون الأخرون والشركاء في أية جريمة كانت مرتكبة في الخدمة أو ضمن مؤسسات عسكرية ولدى المضيف“.

         لم يعرف المشرع الجزائري المقصود بعبارة أثناء الخدمة، إلا أن المستقر عليه تشير إلى الجريمة المرتكبة أثناء تنفيذ أمر صادر عن السلطة العسكرية، كما أن معيار الخدمة يشمل العسكريين ومن في حكمه، سواء كان فاعلا  للجريمة أو ضحية من وقوعها.

           وما يلاحظ أنه في حال ارتكبت جريمة ضد عسكري أثناء تأدية مهامه من قبل شخص عادي، فالقضاء العسكري يكون مختصا في هذه الحالة، وهذا ما يؤدي إلى تنازع الاختصاص مع القضاء العادي.

    وفي هذا الاطار قضت المحكمة العليا بمناسبة نظرها في طعن بالنقض يتعلق بتنازع الاختصاص بين القضاء العادي والقضاء العسكري ” إن الجرائم المرتكبة من طرف عسكريين ضد عسكريين  أو مدنيين ضد عسكريين إن وقعت بسبب الوظيفة فإنها تخرج عن اختصاص القضاء العادي وأن القرار المطعون فيه لما صرح بعدم الاختصاص النوعي بسبب صفة المجني عليه كونه عسكري و أن وقوع الجريمة كان أثناء الخدمة يمنع القاضي العادي من التحقيق في ظروف الوقائع.

    وبقضائها هذا يمكن القول أن القضاء العسكري قد بسط ولايته الكاملة على القضايا الجزائية المرتكبة أثناء الخدمة.

    و نشير إلى أن الجرائم العادية التي يرتكبها العسكري خارج الخدمة و ليس داخل المؤسسة العسكرية أو عند المضيف تخضع للقضاء العادي ذي الاختصاص الأصيل.

    ب/ الجرائم المرتكبة داخل المؤسسات العسكرية :

    يقصد بالمؤسسات العسكرية كل بناية موضوعة تحت تصرف أفراد الجيش من أجل القيام بمهامهم العسكرية بغض النظر عن طريقة الاستعمال، إذ قد تأخذ شكل مكاتب إدارية كمقرات للنواحي العسكرية أو مقرات للقيادة، وقد تكون تستعمل للتدريب والتأهيل كمراكز التكوين و المدارس العسكرية، وقد تأخذ شكل المؤسسات الخدماتية كالمستشفيات، و يمكن أن تكون مهيأة للصناعة الحربية، و قد تأخذ شكل مراكز عسكرية للراحة العائلية، وعليه فهذه المنشآت  تخضع للنظام العسكري، و بالتالي تختص المحاكم العسكرية بالنظر في كل الجرائم المرتكبة بداخله، سواء تلك المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري أو في قانون العقوبات.

    ج/ جرائم المرتكبة على المضيف :

    المضيف هو كل شخص طبيعي أو معنوي غير عسكري يستقبل أو يأوي
    عسكريا بناء على طلب تسخير صادر من سلطة عسكرية للقيام بمهمة رسمية، غير أن المعنى الحقيقي للمضيف  نستخلص من نص المادة 296 من قانون القضاء العسكري التي نصت على أنه  يعاقب بالسجن المؤقت من خمس سنوات إلى عشر سنوات كل عسكري أو مماثل للعسكري، متهم حتى في زمن السلم، بالسرقة إضرارا بالساكن الذي التجأ إليه أو أواه

    وباستقراء المادة السابقة الذكر يتضح أنها تفترض ارتكاب جريمة سرقة من طرف عسكري في الخدمة إضرارا بالشخص الذي التجا إليه تحت ظروف خاصة، عسكرية أو أمنية أو طبيعية فاستقبله من قبل ذلك الشخص يعتبر مضيفا، الذي قد يكون شخصا طبيعيا واحدا أو أكثر، ويستوي أن يكون الايواء بالمسكن الشخصي للمضيف أو بفندقه أو بمؤسسته أو مركبته أو أرضه أو في كل شيء من ممتلكاته و يمكن أن يكون هذا المضيف جزائريا أو أجنبيا، كما يمكن أن يكون دولة أخرى التجأ إلى إقليمها ذلك العسكري أو العسكريون أو من في حكمهم، و قد يكون أيضا مركبة أو سفينة أو طائرة أجنبية، قبل مسؤولها إيواء العسكريين الجزائريين احتراما للعلاقات الدولية التي تربط البلدين أو بموجب اتفاقيات دولية وقد استقرت المادة المذكورة أعلاه على جريمة السرقة ليس معناه عدم اختصاص القضاء العسكري في الجرائم الأخرى التي ترتكب في نفس الظروف، فلو اعتدى ذلك الضيف العسكري على مضيفه بالقتل أو الجرح أو السب، فالقضاء العسكري يعتبر مختصا أيضا و غني عن البيان أنه إذا كانت تلك الدولة بحالة حرب مع الجزائر فإن الالتجاء إليها يأخذ طابعا أخر، إذا يشكل جناية القرار خارج البلاد من زمن الحرب، الذي نصت عليها المادة 264 من قانون القضاء العسكري.

     ومن أمثلة المضيف تواجد فصيلة من قوات الجيش داخل حرم الجامعة أو المدرسة أو ملعب رياضي أو مسكن مواطنا تحسبا للرد على أعمال إرهابية، فكلما دعت الضرورة لتواجد قوات مسلحة بمكان معين ليس به مؤسسة عسكرية تقوم باستعمال المنشاة المعدة لأغراض مدنية من أجل إقامة عناصرها وتمركزهم، كما يؤخذ حكم المضيف المكاتب الموضوعة تحت تصرف العسكريين بالأمن لدى المصالح الإدارية للدولة كمقرات الدوائر والوزارات، و كذلك الملاحق العسكرية في السفارات الجزائرية في الخارج.

    2- أحكام المعيار الموضوعي طبقا للقانون 18/14.

    تجدر الإشارة إلى أنه في ظل القانون 14/18 أبقى المشرع الجزائري على المعيار الموضوعي، سواء معيار الخدمة أو معيار المضيف غير أنه و فيما يتعلق بالجرائم الماسة بأمن الدولة تخضع للقضاء العادي متى ارتكبت من مدنيين وهذا بخلاف ما كانت تنص عليه أحكام المادة 25 من قانون القضاء العسكري الوارد بموجب الأمر 28/ 71

    ونشير إلى أن القانون 14/18 في المادة 29 منه نصت على أنه  تعتبر مماثلة للنطاقات العسكرية جميع المنشآت أو الثكنات المحدثة بصفة دائمة أو مؤقتة و المستعملة من طرف الجيش و السفن التابعة للقوات البحرية و الطائرات العسكرية أينما كانت.

  • الشرطة القضائية العسكرية

    المحور الرابع: الشرطة القضائية العسكرية .

                  تتطلب مقتضيات البحث و التحري عن الجرائم، و خصوصية العمل العسكري و متطلبات الحياة العسكرية، وجود جهات تعاون النيابة العامة العسكرية في عملها، بما يكفل السرعة و الدقة في كشف مرتكبي الجرائم.

           و قد جاء النص على الشرطة القضائية العسكرية في احكام المواد 42 الى 64 من قانون القضاء العسكري.

    العنصر الأول : مفهوم الضبطية القضائية العسكرية.

                  لا تختلف مهام الضبط القضائي  العسكري في إطار قانون القضاء العسكري عن مهام ضبــــاط الشرطة القضائيــــة المنصوص عليها في أحكام قانــــــون الإجراءات الجزائيــــة.

    تعـــــريف الشرطة القضائية العسكرية و تحديد  أفرادها .

                  لم يعرف قانون القضاء العسكري الضبط القضائي العسكري تعريفا قانونيا، شأنه شأن قانون الإجراءات الجزائية، إذ اكتفى بتحديد أصناف الضبط القضائي و المهام المنوطة بهم وواجباتهم، وحديد جهة الرقابة على أعمالهم و الإشراف عليهم، وبالرجوع لأحكام قانون القضاء العسكري نجد مدلولين هما:

    • ·       المدلول الموضوعي:

                 يقصد به مجموع المهام الموكلة لأجهزة الضبط القضائي، و المحددة بمقتضى نص المادة 43 من قانون القضاء العسكري، إذ تنحصر مهمة الشرطة القضائية العسكرية في القيام بالتحريات اللازمة لحظة وقوع الجريمة الواردة في نص قانون القضاء العسكري أو قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، و البحث عن مرتكبيها ما لم يفتح بشأنها تحقيق قضائي، إذ أنه بعد فتح التحقيق القضائي فالمهمة المنوطة بالشرطة القضائية العسكرية هو تنفيذ تفويضات جهات التحقيق بواسطة الانابات القضائية .

    • ·       المدلول العضوي ( الشخصي ):

    يتمثل هذا المدلول في الأجهزة و الأشخاص المكلفون بتنفيذ المهام المشار اليها في المادتين 45 و 47 من قانون القضاء العسكري، و ذلك بالبحث و التحري عن الجرائم و الوصول الى مرتكبيها و جمع الاستدلالات وتنفيذ الإنابات القضائية الواردة إليها من قبل جهات التحقيق والامتثال اليها.

    العنصر الثاني : ضباط و أعوان الشرطة القضائية العسكرية .

    لم يختلف القانون القضائي العسكري في تحديده ضباط و أعوان الشرطة القضائية العسكرية عن قانون الإجراءات الجزائية، بل حدد أصنافهم و مهام كل صنف منهم .

    أولا: ضباط الشرطة القضائية العسكرية .

    بالرجوع الى نص المادة 45 من القانون 18/14 فإنه يعتبر ضابط شرطة قضائية عسكرية                    كل العسكريين التابعين للدرك الوطني و الضباط وضباط الصف التابعين للمصالح العسكرية للأمن الحائزين على صفة ضباط الشرطة القضائية وفقا لقانون الإجراءات الجزائية  ( المادة 15 من ق إ ج ).

    ضباط القطع العسكرية أو المصلحة المعينين خصيصا لهذا الغرض بموجب قرار وزير الدفاع الوطني.

    يتمتع قادة الجيوش و قادة القوات البحرية و قادة السفن البحرية و رؤساء القطع و رؤساء المستودعات و المفارز و رؤساء مختلف مصالح الجيش بصفة ضباط شرطة قضائية باعتبارهم مؤهلين شخصيا بالقيام بجميع الأعمال الضرورية داخل نطاقاتهم العسكرية للتحقيق في الجرائم التابعة للجهات القضائية العسكرية و جمع الأدلة و البحث عن مرتكبي الجرائم، كما يجوز لهذه السلطات أن تفوض الى ضابط تابع لأوامرها السلطات المخولة لها، و يمكنها أن تطلب من أي ضابط شرطة قضائية عسكرية المختص اقليميا بالقيام بالإجراءات المخولة له .

    وتجدر الإشارة أنه بمقتضى المرسوم الرئاسي رقم 14/183 المؤرخ في 11 يونيو 2014 الذي تضمن إنشاء مصلحة التحقيق القضائي لمديرية الأمن الداخلي بـدائرة الاستعلام والأمن و مهامها و تنظيمها، فنصت المادة 05 على مهام هاته المصلحة  تؤهل مصلحة التحقيق القضائي لمديرية الأمن الداخلي للقيام تحت اشراف النائب العام لإقليم الاختصاص، بمعالجة الأثار القضائية للقضايا المعالجة و المتصلة بما يأتي :

    –       أمن الإقليم

    –       الإرهاب

    –       التخريب

    –       الجريمة المنظمة

    وطبقا للمادة 8 من مرسوم الرئاسي 14 /183 فإن مصلحة التحقيق القضائي تنفذ إنابات و طلبات الجهات القضائية طبقا للقانون و في اطار مهامها وصلاحياتها المنصوص عليها في مواد 4 و 5 و 6 من المرسوم الرئاسي 14/183.

     وبهذه لصفة تباشر التحقيقات قصد جميع المعطيات الضرورية لدراسة الملف القضائي، كما تسهر على احترام الإجراءات و التنظيمات المعمول بها، و المتعلقة بتسيير الملفات القضائية و ادارتها، كما تؤهل لمعالجة ملفات التعاون القضائي المتبادل .

    ثانيا : أعوان الشرطة القضائية العسكرية

    حددت المادة 46 من القانون 18/14 أعوان الضبط القضائي، الذين هم في الأصل مساعدون لضباط الشرطة القضائية العسكرية يتمتعون بصلاحيات محدودة و هم:

     العسكريون التابعون للدرك الوطني، و مستخدمو المصالح العسكرية للأمن المخول له ممارسة مهام أعوان الشرطة القضائية طبقا للقانون الإجراءات الجزائية ( مادة 19 من ق إ ج ).

    و بتحليل نصوص المواد التي جاء بها تعديل قانون القضاء العسكري بخصوص الضبطية القضائية العسكرية، يستشف من خلال المادة 42، التي أضافت بأنه يتوجب على كل ضابط شرطة قضائية مدنية اطلع وقوع جريمة أو عاينها، يعود الاختصاص فيها للجهات القضائية العسكرية إخطار وكيل الجمهورية العسكري، و نعتقد بدورنا أن توسيع مجال إخبار الجهات القضائية العسكرية التي يعود لاختصاص اليها عند وقوع الجريمة من قبل ضابط الشرطة القضائية المدينة الى محاولة بسط القضاء العسكري مجال نفوذه فيما يخص الجرائم العسكرية .

    باستقراء نص المادة 43 من قانون 18/14 نلاحظ أنه فيما يتعلق بإجراء التوقيف للنظر، يتعين على ضباط الشرطة القضائية العسكرية مراعاة أحكام قانون الإجراءات الجزائية المنظمة لهذا الشأن.

    يتبع ضباط الشرطة القضائية العسكرية في ممارسة صلاحيتهم لسلطة النيابة العامة العسكرية ( المادة 45/02 من القانون 18/14 )، بخلاف النص السابق للمادة 45 من الأمر 71/28، إذ كانوا يتبعون سلميا إلة وكيل الجمهورية العسكري، مع الإشارة إلى حذف المدد المتعلقة بإجراء التوقيف للنظر.

    لقد كان في القانون السابق للتعديل ( الأمر 71/28) أنه عندما يقوم ضباط الشرطة القضائية العسكرية بأعمال التفتيش الخاصة بالجنايات أو الجرائم المتلبس بها خارج مؤسسة عسكرية، يتعين عليهم إخطار وكيل الدولة لدى المحكمة المدنية المختصة، التي يمكنها أن تحضر عملياتهم أو توفد من يمثلها، حيث أنه بمقتضى القانون18/14 تم إلغاء حضور وكيل الجمهورية لدى المدنية أو إيفاد من يمثله، إذ أصبح إخطار وكيل الجمهورية لدي المحكمة المدنية فقط.

    العنصر الثالث : اختصاصات الشرطة القضائية العسكرية و المهام المسندة اليها .

    أولا : اختصاص الشرطة القضائية العسكرية:

     لكي يتسنى لضباط الشرطة القضائية العسكرية القيام بأعمالهم على أكمل وجه في نطاق شرعية الإجراءات و صيانة الحقوق المشتبه به لابد من ضوابط يجب توافرها في ضابط الشرطة القضائية (الاختصاص الشخصي )، ومنها ما يرتبط بالحيز المكاني لممارسة أعمال الضبط القضائي ( الاختصاص الإقليمي )، ومنها ما يتعلق بالعمل الذي يقوم به ( الاختصاص النوعي )

    1-             الإختصاص الشخصي:

    باستقراء نص المادتين 45 و 47 من القانون 18/14 نجد أنه لابد أن تتوفر فيمن يقوم بأعمال الضبطية القضائية صفة ضابط شرطة قضائية عسكرية، اذ لا يمكنه تفويض اختصاصه ما لم يبح ذلك القانون و يسمح به في حدود المواعيد المقررة له رسميا، كما أنه لا يجوز له ممارستها اذا كان في عطلة طويلة أو موقوفة .

    2-الاختصاص الإقليمي:

    باستقراء نص المادة 52 من القانون 18/14 يتبين لنا أن ضباط الشرطة القضائية العسكرية التابعين للدرك الوطني  الحائزون على صفة ضباط الشرطة القضائية العسكرية من ضباط الصف التابعون للمصالح العسكرية للأمن يمارسون وظائفهم الاعتيادية في نطاق الحدود الإقليمية التابعين لها، وغير أنه في حالة الاستعجال يمكن تمديد اختصاصهم الى دائرة الاختصاص المرتبطين بها، كما يسوغ لهم بصفة استثنائية شرط حصولهم على تعليمات السلطة المختصة بطلب المتابعات، أو وكيل الجمهورية العسكري خلال التحقيق في الجرم المتلبس به، أو في حالة إنابة قضائية صريحة بنص القانون و صادرة عن قاضي التحقيق العسكري بأن يقوموا بجميع العمليات المطلوبة في جميع التراب الوطني.

    أما بالنسبة لضباط الشرطة القضائية العسكرية، فإنه حسب المادة 47 من القانون 18/14 يقومون بأعمال الضبطية القضائية في حدود نطاقاتهم العسكرية .

    3-الإختصاص النوعي:

    يتعلق هذا الاختصاص بالمهام المنوطة لضباط الشرطة القضائية العسكرية، من أعمال و اجراءات يتخذونها، و ذلك بالقيام بالتحقيق في الجرائم وجمع الأدلة و البحث عن مرتكبي هاته الجرائم ما لم يبدأ فيها بتحقيق قضائي، و هذا طبقا للمادة 43 من القانون 18/14 التي هي مطابقة لما ورد في المادة 12 من ق إ ج .

    ثانيا: المهام المسندة للضباط الشرطة القضائية العسكرية

    إذا كان يناط بضباط الشرطة القضائية العسكرية مهمة البحث و التحري عن مرتكبي الجرائم، و جمع الأدلة، طبقا للقانون القضائي العسكري، فهم يتخذون هاته الإجراءات ويقومون بهاذه الأعمال،  سواء زمن السلم،  أو في زمن الحرب.

    1/ المهام المسندة إليهم زمن السلم:

                 يعمل ضباط الشرطة القضائية العسكرية زمن السلم طبقا لقانون الإجراءات الجزائية، مع الأخذ عين الاعتبار عدم التعارض المنصوص عليه في قانون القضاء العسكري، فتناط بهم مهمة البحث والتحري عن الجرائم وكشف مرتكبيها وجمع الأدلة ما لم يبدأ فيها بتحقيق قضائي، وتنفيذ الإنابات القضائية  الواردة اليهم من قبل قضاة التحقيق بعد فتح التحقيقات القضائية، وهذا طبقا للمادة  43 من قانون القضاء العسكري، فهم يتلقون الشكاوي والبلاغات، ويجرون التحقيقات الابتدائية، كما ينتقلون إلى مسرح الجريمة للمعاينة، ويسمعون أقوال المشتبه فيهم، ويقومون بالتوقيف للنظر للعسكريين بشرط أن لا تتجاوز مدته ثماني وأربعين (48) ساعة، مع إمكانية تمديده لهم بموجب ترخيص كتابي من الوكيل العسكري للجمهورية في الآجال المحددة بموجب قانون الإجراءات الجزائية، وهذا طبقا لما جاء في المادتين 58 و 59 من قانون القضاء العسكري، ويتولى مراقبة التوقيف للنظر الوكيل العسكري للجمهورية أو قاضي التحقيق العسكري المختصان إقليميا الذين يمكنهما أن يفوضا سلطاتهما إلى كل من وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق لدى المحكمة التي حصل في دائرة اختصاصها التوقيف للنظر، و على ضباط الشرطة القضائية العسكرية سوق المشتبه فيهم وتقديمهم للسلطة العسكرية المختصة لضبط وضعهم بعد انتهاء فترة التوقيف للنظر، ويحررون محاضر عن عملياتهم طبقا لقانون الإجراءات الجزائيةّ ، مع مراعاة ما ورد في قانون القضاء العسكري، كما يقومون بإجراء التفتيش اللازم والحجز، غير أنه يتعين عليهم إخطار وكيل الجمهورية العسكري المختص إقليميا على وجه السرعة عن الجنايات والجنح التي يطلعون عنها والتابعة لاختصاص قانون القضاء العسكري.

                 يباشر ضباط الشرطة القضائية العسكرية التحقيقات الابتدائية إما تلقائيا وإما بناء على تعليمات السلطة المختصة بطلب المتابعات، أو بناء على تعليمات النيابة العامة العسكرية وإما بناء على طلبات إحدى السلطات المذكورة في المادة 47 من القانون 18/14.

                 لضباط الشرطة القضائية العسكرية للدرك الوطني اختصاص عام بالنسبة للجرائم المرتكبة من قبل المدنيين أو العسكريين، سواء كانت هاته الجرائم عسكرية أو من جرائم القانون العام، كما أنهم يعتبرون ضباطا وأعوانا للشرطة العسكرية، فلهم الحق في مراقبة كل العسكرين الموجودين في وضعية غير نظامية.

                 كما يمارسون أعمال الشرطة الإدارية من مراقبة الطرقات وتنظيم المرور و تفتيش السلع…إلى غير ذلك، ويقومون بحفظ النظام ومكافحة الشغب ويمتد اختصاصهم داخل المدن والأرياف.

                 يمتد اختصاص ضباط الشرطة القضائية العسكرية إلى كامل إقليم التراب الوطني في الجرائم الماسة بأمن الدولة، والجرائم الماسة بسلامة القوات المسلحة والدفاع الوطني.

      2/ المهام المسندة إليهم زمن الحرب:

    يختص ضباط الشرطة القضائية العسكرية دون غيرهم بالبحث والتحري عن الجرائم، وكشف مرتكبيها وجمع الأدلة زمن الحرب في جميع قضايا الاعتداء على أمن الدولة، وهذا ما جاء في نص المادة 32 من قانون القضاء العسكري، التي نصت على أنه   تختص المحكمة العسكرية في زمن الحرب، بالنظر في جميع قضايا الاعتداء على أمن الدولة .

    يقوم ضباط الشرطة القضائية العسكرية بجميع المهام المذكورة زمن السلم.

    وما يمكن ملاحظته أن المشرع الجزائري من خلال أحكام  القانون 18/14 المعدل والمتمم لقانون القضاء العسكري الصادر بالأمر 71/28  أن قد جاء بمصطلح النيابة العامة العسكرية باستحداثه منصب النائب العام العسكري ( المادة 50 من ق ق ع ) الذي كان غير موجود، كما أنه استبدل مصطلح الاستنطاق بمصطلح الاستجواب ( المادة 51 من ق ق ع )، وهذا ما يوخذ عليه باعتبار أن الاستجواب مناقشة تفصيلية في أدلة الاتهام والنفي وهي من مهام الجهات القضائية، لا من مهام الضبطية القضائية، وكان عليه استعمال مصطلح سماع، كما استبدل مصطلح المؤسسات العسكرية بالنطاق العسكري ليصبح أشمل و أعم ( المادة 53 من ق ق ع).

    كما يلاحظ أن ضباط الشرطة العسكرية ينفذون مهامهم ويقومون بأعمالهم طبقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية، ما عدا الحالات الواردة في قانون القضاء العسكري بنص صريح فرضتها الخصوصية التي يتمتع بها جهار القضاء العسكري.

    والمتمعن أيضا لما ورد في قانون القضاء العسكري أن المشرع الجزائري قد حاول في أحكامه على الموازنة بين المصلحتين المتعارضتين، وهما حق الدولة في عقاب مرتكبي الجرائم العسكرية وعدم إفلاتهم، وحماية الحقوق الفردية للأشخاص مرتكبي هاته الجرائم.

  • جهات التحقيق العسكرية

    إذا كان التحقيق في الدعوى العمومية يعني الجهد في كشف الحقيقة، فهو أمر إجرائي يضم في ثناياه مجموعة من الإجراءات التي تتخذها سلطة التحقيق بهدف تمحيص الأدلة وإثباتها أو نفيّها والتحقق من مدى نسبتها إلى المتهم، وعلى الرغم من الخصوصية التي تتميز بها جهات القضاء العسكري، بخضوعها لإجراءات مميزة تحكم سيرها، إلا أنها جزء لا يمكن أن يتجزأ من النظام القضائي الجزائري فهي تختلف عن جهات القضاء العادية، حيث ورد في الأمر 28/71المتضمن قانون القضاء العسكري مهام قاضي التحقيق العسكري، كما وردت غرفة الاتهام فيه، هاته الأخيرة التي أصبحت موجودة على مستوى كل مجلس استئناف عسكري، بمقتضى القانون 14/18المعدل والمتمم  لقانون القضاء العسكري.

    العنصر الأول: قاضي التحقيق العسكري.

           اختلفت النظم القانونية بحسب سياساتها القضائية على إسناد مهمة التحقيق في الجرائم العسكرية لجهة تحقيق مستقلة عن جهاز النيابة العامة كالقانون الفرنسي مثلا، أو أن تكون مهمة التحقيق من اختصاص جهاز النيابة العامة، كالقانون المصري مثلا.

     بالرجوع إلى أحكام قانون القضاء العسكري في الجزائر نجد أن مهمة التحقيق يختص بها قاضي التحقيق العسكري، ولا يختلف في مهامه عن قاضي التحقيق في المحاكم العادية، هذا ما نصت عليه المادة 76 فقرة أولى من القانون 14/18بأنه ”  يحوز قاضي التحقيق العسكري في السير بالتحقيق التحضيري نفس صلاحيات قاضي التحقيق الخاص بالقانون العام باستثناء الأحكام المخالفة الواردة في هذا القانون“.

    أولا: المبادئ التي تحكم سير قضاء التحقيق العسكري.

                  تناط  بقاضي التحقيق العسكري مهمة كشف الحقيقة وإقامة الدليل على نسبة الجريمة إلى المتهم أو المتهمين بارتكابها.

                 لا يباشر قاضي التحقيق العسكري مهامه إلا بمقتضى طلب افتتاحي لإجراء تحقيق صادر عن الوكيل العسكري للجمهورية الوارد في نص المادة 74 من القانون 14/18، وذلك إذا كانت الأفعال المرتكبة تستوجب عقوبات جنائية.

                 يتحدد اختصاص قاضي التحقيق العسكري اقليميا، بمكان وقوع الجرم في دائرة اختصاص المحكمة العسكرية التابع لها، أو مكان توقيف المتهم أو المتهمين، أو مكان الوحدة التابع لها المتهم أو المتهمين، وفي حال تنازع الاختصاص يكون قاضي التحقيق التي وقعت الجريمة في دائرة اختصاص الجهة القضائية المنتمي إليها هو المختص، والقضاء بما يخالف ذلك يعتبر خرقا للقانون، وهذا طبقا لنص المادة 30 من القانون 14/18.

                 لقاضي التحقيق في سبيل كشف الحقيقة و البحث عن أدلة الاتهام و أدلة النفي، أن يمارس جميع السلطات، وأن يتخذ جميع الإجراءات القانونية الممنوحة لقاضي التحقيق الخاص بالقانون العام، إذ له أن يطلب مباشرة بموجب إنابة قضائية من أي قاضي للتحقيق العسكري أو المدني، ومن كل ضابط للشرطة القضائية العسكرية أو الشرطة القضائية المدنية المختص اقليميا، القيام بإجراءات التحقيق التي يراها ضرورية في كشف الحقيقة ( المادة 02/76من القانون 14/18)، أما في زمن الحرب فيمكنه أن ينفذ كل نوع من الإنابات القضائية المتعلقة بالعسكريين أو أفراد القوات المسلحة أو الأشخاص التابعين للجيش بموجب إذن، وهذا طبقا لما ورد في نص المادة 77 من قانون القضاء العسكري.

                 لقاضي التحقيق العسكري أن يقوم بجميع المعاينات في مكان ارتكاب الجريمة، وندب الخبراء وسماع الشهود و إجراء المواجهات والقيام بالاستجواب، وله في سبيل القيام بمهامه الاستعانة بالقوة العمومية، وله القيام بإجراء التفتيش، وللوكيل العسكري للجمهورية نفس صلاحيات وكيل الجمهورية لجهات القضاء العادية.

                 نشير أنه يجب على قاضي التحقيق العسكري عند مثول المتهم لأول مرة أمامه من دون أن يختار محاميا، أن يعيّن له مدافعا إن طلب منه ذلك، و أن ينوه عن ذلك في المحضر الذي يحرره، غير أن تعيين المدافع يكون إلزاميا، عندما تشكل الوقائع المنسوبة للمتهم جناية أو جنحة يتجاوز الحد الأقصى للعقوبة المقررة فيها خمس (5) سنوات حبس، مع أحقية المتهم أن يختار محاميه لحين افتتاح المرافعات.

                 يمكن للمتهم أن يطلب تعيين مدافع آخر غير المدافع المختار أوليا أو المعين تلقائيا، وذلك خلال التحقيق التحضيري القائم به قاضي التحقيق، وهذا لحين مثوله أمام المحكمة المختصة الفاصلة في القضية، وهذا كله في زمن السلم.

                 أما في زمن الحرب فعند شروع قاضي التحقيق العسكري في استجواب المتهم لأول مرة ينبهه أن له الحق في اختيار مدافع، و أنه إن لم يختار من يدافع عنه، سيعين له مدافع بصفة تلقائية في ورقة التكليف بالحضور، ويذكر ذلك في المحضر.

                 وما يمكن ملاحظته هو أن قانون القضاء العسكري قد كرس حق الاستعانة بالدفاع أمام جهة التحقيق القضائية العسكرية، وهذا ما يحسب له.

                 ونشير إلى أنه يجوز للمتهم في أية مرحلة من مراحل التحقيق أن يطلب من قاضي التحقيق العسكري تلقي تصريحاته أو سماع شاهد أو إجراء مواجهته مع شاهد أو متهم آخر أو إجراء معاينة أو إحضار أي سند يفيد في إظهار الحقيقة، مع أنه يمكن لقاضي التحقيق العسكري أن لا يجري ما طلب منه إذا رأى أنه لا طائل من اتخاذ الإجراءات التي  طلبت منه، لكن عليه أن يعلل هذا بواسطة أمر صادر عنه في العشرة (10) أيام التي تقديم الطلب من المتهم، مع إمكانية المتهم في رفع طلبه إلى غرفة الاتهام في ثلاثة (3) أيام الموالية، في حالة انقضاء الأجل ولم يصدر قاضي التحقيق العسكري أمرا، وهذا طبقا لنص المادة 80 مكرر من القانون 14/18.   

                 خص قانون القضاء العسكري قاضي الحقيق العسكري بمميزات تختلف عن قاضي الحقيق في القانون العام، هي:

    1/ لا يمكن للشخص المتضرر من الجريمة سواء كانت جناية أو جنحة أن يدعي مدنيا أمام قاضي التحقيق العسكري، بخلاف قاضي الحقيق في القانون العام، لأن القضاء العسكري يبت في الدعوى العمومية دون المدنية، وهذا طبقا لنص المادة 24 من القانون 14/18.

    2/ لا يمكن لقاضي التحقيق العسكري مباشرة تحقيقه العسكري التحضيري في حالات التعارض المنصوص عليها في المادة 13 من القانون 14/18، وهذه الحالات هي:

    أ/ إذا كانت له أو لزوجه علاقة تبعية أو علاقة قرابة مع أحد أطراف القضية إلى غاية درجة ابن العم أو ابن خال شقيق ضمنا.

    ب/ إذا كانت له أو لزوجه علاقة نسب بأحد أطراف القضية إلى غاية الدرجة الثانية ضمنا، حتى في الطلاق أو وفاة الزوج.

    ج/ إذا كانت له أو لزوجه، أو للأشخاص الذين يكون هو أو زوجه وصيا أو ناضرا أو مقدما عليهم، مصلحة في القضية.

    د/ إذا كان شاكيا أو مدليا بشهادة، أو تعلق الأمر برئيس الجهة القضائية العسكرية أو أحد الأعضاء فيها، إذا كان قد شارك سميا في التحقيق.

    ه/ إذا كانت هناك دعوى بينه أو زوجه أو أحد أقاربهما أو أصهارهما وبين أحد الأطراف أو زوج أحدهم أو أحد أقاربه أو أحد أصهاره، خلال الخمس سنوات السابقة لإحالة الدعوى عليه كقاض للتحقيق.

    و/ إذا سبق له النظر في القضية باعتباره قائم بالإدارة.

    ي/  إذا كان بينه أو بين زوجه وبين أحد أطراف القضية أو زوج أحدهما من المظاهر الكافية ليتشبه فيها تحيّزه.

                 على قاضي التحقيق العسكري الذي يرى أن وضعه تنطبق عليه إحدى الحالات المنصوص المنصوص عليها في المادة 13 من القانون 14/18أن يصرح بذلك ويوجه تصريحه لرئيس غرفة الاتهام، كما يحق للمتهم طلب الرد كتابيا في الحالات المنصوص عليها في المادة 13 أعلاه، ويجب أن يعيّن في الطلب، تحت طائلة عدم القبول، اسم قاضي التحقيق العسكري المطلوب رده، و أن يشمل عرض الأوجه المدعى بها و أن يكون مصحوبا بكل المبررات اللازمة ويوقعه ويوجه إلى رئيس غرفة الاتهام قبل الاستجواب في الموضوع إذا كان القاضي المطلوب رده هو المكلف بالتحقيق، ما لم تكن أسباب الرد قد تحققت أو اكتشفت فيما بعد.

                 بعد انتهاء قاضي التحقيق العسكري من إجراءات التحقيق يقوم بإرسال الملف للوكيل العسكري للجمهورية، الذي عليه أن يقدم  طلباته إليه خلال 8 أيام.

                 أما إذا كانت الوقائع التي تم التحقيق فيها تشكل جناية، لا يقوم بإرسال المستندات إلى النائب العام العسكري، بل يحيلها مباشرة إلى محكمة الجنايات الابتدائية للفصل فيها، بخلاف ما ورد في قانون الإجراءات الجزائية في هذا الشأن.

                                     

    ثانيا: بطلان التحقيق وإجراءات التصرف في الدعوى

                  وضعت القواعد الإجرائية من كشف حقيقة الجريمة والمساهمين في ارتكابها، بما يضمن للمتهم حقوقه وحرياته، إذ في حالة عدم احترام الأشكال القانونية المطلوبة ومخالفتها يترتب جزاء موضوعي يسمى ” البطلان”.

    1/ بطلان التحقيق.

                 ورد بطلان إجراءات التحقيق في قانون القضاء العسكري في الفصل الأول منه في المواد 87 إلى 91، حيت نصت المادة 87 على أنه ينبغي مراعاة الأحكام المقررة في المادة 157 من قانون الإجراءات الجزائية والفقرة 1 من المادة 79 والفقرة 2 من المادة 80 من هذا القانون، تحت طائلة بطلان الإجراء نفسه والإجراءات التالية له.

                 و أن المتهم الذي لم تطبق عليه أحكام هذه المواد يمكنه أن يتنازل عن التمسك بالبطلان ويصحح بذلك الإجراء، كما ينبغي أن يكون هذا التنازل صريحا وأن لا يتم إلا بحضور المدافع أو بعد دعوة هذا الأخير قانونا.

                 وبالرجوع إلى أحكام المادة 157 من قانون الإجراءات الجزائية  يتبين لنا أنها تحيلنا للمادة 100 المتعلقة باستجواب المتهمين، إذ على قاضي التحقيق العسكري أن يتحقق حين مثول المتهم لأول مرة لديه من هويته، وحيطه علما صراحة بكل الوقائع المنسوبة إليه، وينبهه بأنه حر في عدم الإدلاء بأي إقرار وينوه عن ذلك في المحضر، و أن يتلقى أقوال المتهم في الحال إن أراد المتهم ذلك، مع مراعاة حالة الاستعجال الواردة في نص المادة 101،  كما ينبغي عليه أن يعلمه بأن له الحق في اختيار محام عنه، فإن لم يختر عيّن له محاميا من تلقاء نفسه إذا طلب منه ذلك وينوه عن ذلك في محضر التحقيق، وعلى قاضي التحقيق العسكري أن ينبه المتهم أن عليه وجوبا إخطاره بكل تغيير يطرأ على عنوانه، ويجوز للمتهم اختيار موطن له في دائرة  اختصاص المحكمة.

                 تعيين قاضي التحقيق العسكري لمدافع عن المتهم يكون الزاميا عندما تشكل الوقائع المنسوبة إليه جناية أو جنحة  يتجاوز الحد الأقصى للعقوبة فيها خمس (5) سنوات حبس، ويسوغ للمتهم لحين افتتاح المرافعات أن يختار محاميه، وهذا طبقا للمادة 79 من القانون 14/18، ويحتفظ المتهم بحقه في تعيين مدافع آخر، غير المدافع المختار أوليا أو المعين تلقائيا أثناء التحقيق التحضيري لغاية مثوله أمام المحكمة المختصة بالفصل في القضية.

                 أما زمن الحرب وعند استجواب المتهم لأول مرة ينبهه أنه اذا لم يكن قد اختار محاميا للدفاع عنه، سيعينه له تلقائيا في ورقة التكليف بالحضور، وينوه عن ذلك في المحضر.

           ويقع على عاتق قاضي التحقيق العسكري في حالة  تبيّن له أن اجراء خاصا بالتحقيق مشوب بالبطلان أن يرفع الأمر إلى المحكمة العسكرية المختصة قصد إبطال هذا الإجراء بعد أخذ رأي الوكيل  العسكري للجمهورية، الذي يمكنه كذلك أن يقوم بطلب إبطال الإجراء المشوب بالبطلان، وهذا طبقا لنص المادة 88 من قانون القضاء العسكري.

    2/ انتهاء التحقيق والتصرف فيه.

                 لا يختلف دور قاضي التحقيق العسكري عن قاضي التحقيق للقانون العام عند استكماله للتحقيق، إذ خول له القانون التصرف، إذ أنه قد يصدر أمر بأن وجه للمتابعة في الحالات التي نص عليها قانون الإجراءات، كأن تكون الوقائع المنسوبة للمتهم لا تشكل جريمة، أو أن الدلائل ضده غير كافية، أو أن مرتكب الجريمة بقي مجهولا، فيفرج عن المتهم فورا ما لم يكن محبوسا لسبب آخر، كما أنه قد تكون الوقائع المنسوبة للمتهم ثابتة في حقه، فيصدر هنا أمرا بإحالة المتهم إلى المحكمة المختصة للفصل في القضية، وإذا كانت هذه الوقائع تشكل مخالفة أفرج عن المتهم فورا، أما إذا رأى أن المحكمة العسكرية غير مختصة بمجرد أصدر امرا بإحالة أوراق الدعوى   للوكيل العسكري للجمهورية لرفعها للمحكمة المختصة.

                 تقيّد الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق العسكري في ذيل صحيفة طلبات وكيل الجمهورية، وتتضمن اسم المتهم ولقبه ونسبه وتاريخ ومكان مولده وموطنه  ومهنته، كما يذكر بها الوصف القانوني للوقائع المنسوبة إليه، وتحدد على وجه الدقة الأسباب التي من أجلها توجد أو توجد ضده دلائل كافية، وهذا ما نصت عليه المادة 96 من قانون القضاء العسكري التي أحالت بدورها للمادة 169 من قانون الإجراءات الجزائية.

           3/ استئناف أوامر قاضي التحقيق.

    أ/ من له الحق في الاستئناف (المادة 97 من القانون 14/18)

                 يمكن للوكيل العسكري للجمهورية في كل الحالات استئناف الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق العسكري.

    يمكن للمتهم أو موكله استئناف الأوامر التي يبت فيها قاضي التحقيق العسكري في اختصاصه إما من تلقاء نفسه أو بناء على الدفع بعدم الاختصاص، أو التي يقرر فيها رد سبب يتعلق بسقوط الدعوى العمومية وكذلك الأوامر المتضمنة لرفض طلب رفع الرقابة القضائية أو رفض إجراء خبرة أو خبرة تكميلية أو خبرة مضادة، كما يستأنف أمر رفض تلقي تصريحاته أو سماع شاهد أو إجراء مواجهة بينه وبين متهم آخر أو شاهد، أو أمر برفض إجراء معاينة أو إحضار أي سند يفيد في إظهار الحقيقة. ويمكنه استئناف الأوامر المنصوص عليها في المواد 102 و 103 مكرر و 103 مكرر1  و 103 مكرر 2 و 105 من قانون القضاء العسكري.

    ب/ كيفية رفع الاستئناف ( المادة 98 من القانون 14/18)

       يرفع  الاستئناف من قبل الوكيل العسكري للجمهورية، بموجب تصريح يقدم لكتابة ضبط الجهة القضائية العسكرية.

    من المتهم المفرج عنه، بموجب تصريح يقدم لكتابة ضبط الجهة القضائية العسكرية.

    من المتهم المحبوس بموجب رسالة تسلم إلى رئيس المؤسسة العقابية، الذي يسلم وصلا يثبت فيه استلامه الطلب مع بيان التاريخ والساعة، وتحال هذه الرسالة على الفور لكتابة ضبط المحكمة العسكرية،

    ج/ أجال رفع الاستئناف  ( المادة 99 من القانون 14/18) .

         يقدم الاستئناف في مهلة ثلاثة (3) أيام تسري بحق:

    – الوكيل العسكري للجمهورية ابتداء من يوم تبليغ الأمر.

    – المتهم المفرج عنه إذا كان عسكريا ابتداء من تبليغه شخصيا أو تبليغ قطعته العسكرية، إذا كان في غياب غير قانوني، وبالنسبة لكل متقاض آخر، ابتداء من تبليغ النيابة العامة بعد التحريات غير المجدية.

    – المتهم المحبوس ابتداء من تبليغه الأمر من قبل رئيس المؤسسة.

           ويجب أن يحاط المتهم علما بمدة الاستئناف وبدئها.

           العنصر الثاني: غرفة الاتهام طبقا للقانون 14/18المعدل والمتمم لقانون القضاء العسكري.

                 كانت غرفة الاتهام بموجب الأمر 28/71المتضمن قانون القضاء العسكري تجمع بين وظيفتي الاتهام والحكم، فكانت تنعقد تارة بوصفها غرفة اتهام، و مرة تنعقد باعتبارها جهة حكم، فكان رئيس غرفة الاتهام هو رئيس المحكمة العسكرية، وهذا ما إلغاؤه بالقانون 14/18.

                 كما أن مبدأ التقاضي على درجتين لم بعرفه قانون القضاء العسكري قبل التعديل 14/18، إذ بموجبه تم انشاء مجالس استئناف عسكرية التي بدورها تضم غرف اتهام، حيث نضت المادة 5 مكرر من القانون 14/18فقرة 1على أنه ” يضم مجلس الاستئناف العسكري جهة حكم ونيابة عامة عسكرية و غرفة اتهام وكتابة ضبط “.

    أولا: تشكيل غرفة الاتهام

                 تتشكل غرفة الاتهام بمجلس الاستئناف العسكري من رئيس قاضي من المجالس له رتبة رئيس غرفة بمجلس قضائي، على الاٌقل وقاضيين عسكريين اثنين، ويعيّن رئيس غرفة الاتهام بمجلس الاستئناف العسكري لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد، بموجب قرار مشترك بين وزير الدفاع الوطني و وزير العدل حافظ الأختام، وفي حالة حصول مانع لرئيس غرفة الاتهام أو لأحد أعضائها، يتم استخلافه حسب الحالة برئيس أو بأحد القضاة العسكريين لغرفة الاتهام لدى مجلس استئناف عسكري آخر، بموجب قرار من وزير الدفاع الوطني.

                 يتولى النيابة العامة النائب العام العسكري أو أحد مساعديه، ويمارسون مهامهم طبقا لقانون الإجراءات الجزائية وقانون القضاء العسكري، كما يتولى تسيير كتابة الضبط مستخدمو كتابة الضبط التابعون لمجلس الاستئناف العسكري، الذين يمارسون مهامهم طبقا لقانون الإجراءات الجزائية و أحكام قانون القضاء العسكري.

                 تطبق أحكام قانون الإجراءات الجزائية المتعلقة بغرفة الاتهام على غرفة الاتهام لدى مجلس الاستئناف العسكري، مع مراعاة أحكام قانونه القضاء العسكري، وهذا طبقا للمادة 10 مكرر من القانون 14/18.

    ثانيا: اختصاصات غرفة الاتهام لدى مجلس الاستئناف العسكري.

                  لغرفة الاتهام لمجلس الاستئناف العسكري العديد من المهام والاختصاصات، إذ لا يوجد فرق بينها وبين غرفة الاتهام للمجالس القضائية من حيث الصلاحيات والمهام، حيث أن من بين صلاحياتها الفصل في طلبات المتهم التي لم يصدر بشأنها قاضي التحقيق العسكري أمرا وتجاوز مهلة الرد عنها خلال 10 أيام من طلبها منه، فانقضاء الأجل يمكن للمتهم رفع طلباته لغرفة الاتهام خلال ثلاثة أيام الموالية، أو أنها تفصل في طلبات المتهم بناء على الاستئناف المرفوع أمامها، ولها أن تفصل في هاته الطلبات في أقرب جلسة، وفي مهلة أقصاها عشرون (20) يوما عندما يكون المتهم في الحبس المؤقت، وفي حالة الحرب تخفض المهل المذكورة إلى النصف، وهذا طبقا لنص المادة 117 من القانون 14/18.

                 يجوز لغرفة الاتهام القيام بالتحقيقات الإضافية التي تراها لازمة، إما تلقائيا، أو بناء على طلب من النائب العام العسكري أو بناء على طلب الأطراف أو المدافعين عنهم، فيقوم بإجراءات التحقيق الإضافي طبقا للأحكام المتعلقة بالتحقيق التحضيري، سواء الرئيس أو أحد الأعضاء أو قاضي التحقيق العسكري المنتدب لهذا الغرض، ويجوز للنائب العام العسكري في كل وقت طلب الاطلاع على أوراق الدعوى على أن يردها خلال أربع وعشرين (24) ساعة.

       لا يجوز للقاضي المنتدب بالقيام بالتحقيقات الاضافية أن يصدر الأوامر القضائية، وعند انتهاء التحقيق الاضافي، يأمر رئيس غرفة الاتهام بإيداع ملف القضية بكتابة الضبط ويبادر النائب العام العسكري بإعلام الأطراف والمدافعين عنهم ويشرع في الإجراءات عندئذ طبقا لأحكام المواد 116 وما يليها من هذا القانون، وهذا طبقا للمادة 120 من القانون 14/18.

                 يجوز لغرفة الاتهام بناء على طلب مسبب من قاضي التحقيق العسكري أو الوكيل العسكري للجمهورية أن تمدد الحبس المؤقت للمتهم لمدة أربعة (4) أشهر غير قابلة للتجديد، على أن يقدم طلب التمديد في أجل شهر من انقضاء مدة الحبس المؤقت، على أن لها الحق في تمديد الحبس المؤقت للمتهم أربع (4) مرات لمدة أربعة (4) أشهر عن كل تمديد، وهذا في مواد الجريمة المنظمة والمساس بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وتبييض الأموال أو الإرهاب.

                 تفصل غرفة الاتهام في طلبات الإفراج المقدمة من قبل المتهم أو المدافع عنه التي لم يبت فيها قاضي التحقيق العسكري، على أن يرفع هذا الطلب إليها خلال مدة ثلاثة (3) أيام التي تلي مدة عشرة (10) أيام التي لم يصدر فيها قاضي التحقيق العسكري لأمره المسبب بالرفض أو القبول، على أن تصدر قرارها في ظرف عشرين (20) يوما من تاريخ تقديم الطلب إليها، وإلا يفرج على المتهم تلقائيا مع مراعاة أحكام المادة 117 فقرة أولى من القانون 14/18.

            تختص غرفة الاتهام بالبت في موضوع الاستئنافات و العرائض والطلبات التي يمكن أن ترفع إليها خلال التحقيق التحضيري، وهذا طبقا للمادة 114 من القانون 14/18.

                 تختص غرفة الاتهام كذلك في الفصل في طلبات بطلان إجراءات التحقيق، حيث أنها تفحص صحة الإجراء المعروض عليها، وتبت فيما إذا كان يجب حصر البطلان في الإجراء الفاسد أو مدّه على ما استتبعه من إجراءات بصفة كلية أو جزئية، كما يجوز لها النظر تلقائيا في صحة الإجراءات بصرف النظر عن الموضوع المعروض عليها، حيث أنها بعد إبطال الإجراء المعيب تحيل ملف لإجراءات إلى قاضي التحقيق العسكري نفسه أو إلى قاض آخر لمواصلة التحقيق، وهذا طبقا للمادة 89 /2 و3 من القانون 14/18.

                 يجوز لغرفة الاتهام أن تأمر بالمثول الشخصي للمتهم و إرسال الأوراق، وفي حالة مثول المتهم، يساعده موكله بعد دعوته قانونا، إلا إذا تنازل عن ذلك صراحة، وهذا طبقا لنص المادة 118 من القانون 14/18، وتفصل غرفة الاتهام المنعقدة في غرفة المشورة بعد تلاوة تقرير الرئيس و دراسة الطلبات المكتوبة للنائب العام العسكري والطلبات المقدمة من قبل الأطراف أو موكليهم، وتتداول بغير حضور النائب العام العسكري والأطراف والمدافعين عنهم وكاتب الضبط والمترجم، وهذا طبقا لما ورد في نص المادة 119 من القانون 14/18.

                 طبقا للمادة 127 مكرر تراقب غرفة الاتهام نشاط ضباط الشرطة القضائية العسكرية، وبهذه الصفة تنظر بناء على طلب رئيسها أو النائب العام العسكري في الإخلالات المهنية المسجلة ضدهم أثناء ممارسة نشاطات الشرطة القضائية العسكرية.

    في حالة ارتكاب ضابط الشرطة القضائية العسكرية لإخلالات في واجباته المهنية تقوم غرفة الاتهام بإجراء التحقيق و تسمع طلبات النائب العام العسكري و أوجه دفاع ضابط الشرطة القضائية العسكرية الذي يتعيّن تمكينه مسبقا من الاطلاع على ملف الوقائع موضوع التحقيق، كما يمكن أن يساعده في ذلك محام، وهذا طبقا لنص المادة 127 مكرر1 من القانون 14/18.

    لغرفة الاتهام أن تقرر توجيه ملاحظات لضابط الشرطة القضائية العسكرية أو إيقافه مؤقتا أو نهائيا من ممارسة مهامه، دون الإخلال بالعقوبات التأديبية التي يمكن تسلط عليه من قبل رؤسائه السلميين، وهذا ما نصت عليه المادة 127 مكرر2 من القانون 14/18، على أن تبلغ القرارات التي تصدرها غرفة الاتهام بشأن ضباط الشرطة القضائية العسكرية من طرف النائب العام العسكري إلى السلطات التي يتبعونها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق