أمن وإستراتيجية

كل شيء عن المخابرات الفرنسية… المدرسة الفرنسية للاستخبارات

بشير الوندي

تعد الاستخبارات الفرنسية من اعرق الاجهزة الاوروبية , يمتد عمرها الى اربعة قرون , ومرت بمراحل نجاح باهر وفشل مريع يستحق منا دراستها واخذ العبر منها لاسيما في مرحلة تحول المقاومة الى السلطة وتنازع الولاءآت والانتماءآت.

التاريخ

مع اوائل القرن السابع عشر انشأ روتشيللو , الوزير الاول لفرنسا في عهد لويس الثالث عشر , منظومة جواسيس ومخبرين في فرنسا ودول اوروبا , ويعتبر من رواد استخدام الصحف للتأثير على الراي العام , فكان يأمر بنشر معلومات سرية عن العدو في الصحف لتثير الناس لصالح الدولة.
كان ابرز مساعدي ريشيليو هو الاب جوزيف المعروف بحضرة صاحب النيافة , حيث يعتبر رمزا للاستخبارات الفرنسية ومؤسسها, حيث جند الكثير من الرهبان والقساوسة الذين كان الناس يعترفون امامهم , وكان يطلع على اسرار ملوك وامراء اوروبا بهذه الطريقة , وباعتبارة كان اسقف ابرشية فرنسيسكانية كان يرسل الرهبان الى كل اطراف اوروبا والمستعمرات تحت غطاء رجال الدين.
ان ما يميز الاستخبارات الفرنسية انها نشأت داخل الشرطة قبل الجيش كما هي العادة في اغلب اجهزة الاستخبارات التي تنشأ بطريقه عسكرية ضمن تشكيلات الجيوش , فنشأ اول جهاز رسمي استخباري فرنسي في عهد الملك لويس الخامس عشر منتصف القرن الثامن عشر بعدد 32 موظفاً , وكان برئاسة ابن عمة الملك ثم بعدها عين الماركيز شارل لادارة الجهاز , وكان جهازا سريا , واذا تورط احد العاملين لا يساعده الملك حتى لا يكشف , وكانت مراسلاتهم مشفرة , وحتى من يراسلهم الملك كانوا يستخدمون اسماء مستعاره وشفرة , ومهمتهم ان يراقبوا الدولة ورجال الدبلوماسية .
وكانت مستعمرات فرنسا ماوراء البحار تتلقى ضربات قوية , حيث خسرت لويزيانا وكندا ومراكز تجارية في الهند على يد البريطانيين , فكانت تتحين الفرص لاعادة نفوذها هناك .
وتم لها ذلك بعد اندلاع العصيان في المستعمرات الامريكية , حيث شكلت شركة نقل تحمل الاسم والهوية الاسبانية للتمويه , وخصصت لنقل الدعم الفرنسي الى الثوار الامريكان من بنادق وبارود وغيرها , ثم انتقلت الى الدعم العلني عام ١٧٧٨ , وعقدت اتفاق مع فرانكلين وتواجد الكثير من الضباط الفرنسين في امريكا سرا وعلنا , وارسلت قوة فرنسية بمقاتلين وسفن من الاسطول الفرنسي لحماية الدولة الامريكيه الفتية !!!.
ومع نجاح الثورة الفرنسية في ١٧٨٩ , اعدم الملك وزوجته واسس البرلمان الفرنسي وسلمت البلاد الى اللجان الثورية واهمها لجنة “السلامة العامة” التي نشرت العيون والجواسيس واعدمت اكثر من ٢٥ الف بلا احكام قضائية وبأساليب “ثورية”

فوشيه وطوبوغرافية المتمردين

في ١٧٩٩ عين جوزيف فوشيه وزيراً للشرطة , وبقى لعقد كامل في منصبه حتى بعد انقلاب نابليون بونابارت, فأسس اربعة مديريات في الشرطة سمى احداها “جهاز حماية الدستور” , وهي الشرطة السرية , واسس لكل اقليم مديرية شرطة خاصة مرتبطة بالوزارة , كما عين مفوض سامي سري ( kommissare) في كل منطقه مرتبط به شخصيا , وأمر بتثبيت اولويات كل شخص مسافر الى انكلترا او عائد منها , وبهذا اصبح لدى الشرطة قاعدة بيانات , وقد نشر عام ١٨٠٤ كتابه “طوبوغرافية المتمردين” , وحدد اماكن دخول العملاء من بريطانيا واساليبهم وتآمر الملكيين لاعادة الملكية , والجواسيس الفرنسيين لصالح بريطانيا , والحق بمؤلفه ملحقاً يتضمن اسم ومعلومات عن ١٨٠٠ شخص عملاء وخونة بما فيهم الجنرال جورج كادودال الذي قبض عليه عام ١٨٠٤ حيث كان يحضِّر لتمرد وانقلاب واعادة الملكية, وكانت نظرية فوشيه التي وضعها ولازالت منهاج عمل الاستخبارات الفرنسية هي ان “نستبق الجريمة لنحد منها ” .
واشتهر في تلك الفترة كارل شولمايستر اشهر جاسوس في عصر نابليون , حيث قدمه الجنرال سافاري رئيس الاستخبارات الى نابليون بعبارة ” سيدي بين يديك رجل صاحب عقل وبلا قلب” , فقد كان واسع الحيله , وتنكر بهوية شخص مجري وصادق المارشال كارل ماك قائد الجيش النمساوي واقنعه بان نابليون ينوي سحب جيشه الى فرنسا , وجعله يحرك جيوشه الى مدينة اولم الالمانية معتقدا انه يلاحق الجيش الفرنسي , فأطبق عليه الفرنسيون من ثلاث جهات واسروه هو وجيشه بالكامل في احدى اكبر عمليات التجسس والخديعة , وجرى تعيين شولمايستر لاحقا رئيس شرطة فيينا .

اخفاقات متتالية

ورغم ذلك فقد اخفقت الاستخبارات الفرنسية في الحرب العالمية الاولى عندما استهانت بالالمان , وتصورت ان جيشهم هده التعب , لذا شكل الهجوم الالماني صدمة كبيرة حين وصل ابواب باريس بسبب ضعف تقييم القوة , وتم تدارك الامر من خلال تشكيل غرفه فلك الشيفرات الالمانية والتي مكنتها من الصمود في الحرب .
وفي الحرب العالمية الثانية , استسلمت فرنسا كاملا امام الغزو الالماني في اكبر اخفاق لاجهزتها الاستخبارية في تقييم بناء القوة الالمانية الصاعدة منذ سنوات , ولجأ الفرنسيون الى المقاومة السرية بقيادة الجنرال شارل ديغول الذي شكل مجموعة استخبارات صغيرة وضع على راسها استاذاً جامعياً شاباً اسمه ديوافرين والذي اختار لنفسه اسماً سرياً ” العقيد باسي” , وكانت قد تشكلت حكومة فرنسية تحت الاحتلال الالماني لفرنسا برئاسة ” فيشي” , وكان لديها جهاز استخبارات لضرب المقاومة ومكافحة التجسس .
ولم تكن اثارة الشعب الفرنسي ضد الالمان سهلة حتى انشق ضابط صغير من استخبارات حكومة الاحتلال وانضم الى استخبارات المقاومة ويدعى “روجر وارين” , والذي استحدث سجلاً فيه ١٠٠ الف شخص من الشعب الفرنسي من الموظفين والضباط والبارزين , وصنفهم الى عدو وصديق , واخذ يطور سجل معلوماته لتصبح لدى المقاومة معرفة كبيرة بمن معهم ومن ضدهم , فكان لهذا السجل النقلة النوعية في الصراع مع حكومة فرنسا العميلة للالمان , وبعد انتصار المقاومة الغى ديغول كل تشكيلات المقاومة ودمجها مع الجيش الفرنسي والاستخبارات.

حين تضيع بوصلة الوطنية

ان فترة الحرب الثانية كانت فترة صراع فرنسي فرنسي , بين مقاوم وعميل للمحتل , والمقاوم ذاته انقسم الى شيوعي يعمل مع الاستخبارات السوفيتية , وآخريعمل لدى الاستخبارات البريطانية او ضمن جماعة ديغول , الامر ادى الى صفعه قوية للهوية الوطنية الفرنسية لم تلتئم لسنوات ومشابهة للساحة العراقية الآن , فحتى استخبارات الحكومة الفرنسية كانت منقسمة بين من يعمل لأمن فرنسا وآخر للالمان المحتلين , وثالث للسوفيت ورابع للبريطانيين وخامس يعمل مع المقاومة الوطنية , والامر انعكس سلبا على تراجع الدور الاستخباري الفرنسي بعد الحرب وفترة الحرب الباردة , وبعد فترة وجيزة في ١٩٤٧ استقال الوزراء الشيوعييون من الحكومة الفرنسية وطرد ٣٥٠ عنصر من جهاز الاستخبارات بسبب الميول الشيوعية , كما اتهمت الاستخبارات الفرنسية بإنتهاكات كبيرة لحقوق الانسان داخل فرنسا وفي المستعمرات خاصة في افريقيا والدول الناطقة بالفرنسية , فقتلت عام ١٩٦١ داخل باريس ٣٠ فرنسياً واعتقلت المئات اثر مساندة الفرنسيين لاستقلال الجزائر.

هيكل  المخابرات  الفرنسية

تنقسم الدوائر الاستخبارية الفرنسية الحديثة الى سبع اجهزة رئيسية هي:
1- المديرية العامة للامن الخارجي : تشكلت عام 1947 , ولكن عملها المؤسسي الحقيقي كان في ثمانينات القرن الماضي وتماثل عمل الCIA في اعمالها الخاصة بالأمن القومي الخارجي لكنها تتبع وزارة الدفاع وباشراف رئيس الوزراء , واهم مديرياتها : المخابرات , والمخابرات السياسية , والعمليات المختصة بتخطيط وتنفيذ العمليات السرية الخارجية , والشؤون الفنية المسؤولة عن الاجهزة الالكترونية في خدمة المديرية بكل اقسامها , ولعل من اغرب القضايا التي كشفت مؤخراً فيما يتعلق بالخدمة الخارجية ، إنه منذ عام 2014 تم فصل 16 موظفا بالاستخبارات الفرنسية، لاتهامهم بالانتماء والترويج لمنظمات متطرفة ، والغريب في الامر ان هؤلاء المفصولين كانوا هم ممن تم تكليفهم بتقديم تقارير عن الإرهابيين والمقاتلين الفرنسيين لدى داعش بشكل خاص , ووفقاُ لصحيفة فالور اكتويل، إنهم كانوا مسؤولون بشكل خاص عن مراقبة الإرهابيين والمتطرفين في السلطة الذين ينمون على الأراضي الفرنسية، أو من الفرنسيين الذين توجهوا إلى بلاد العراق وسوريا للانضمام إلى تنظيمات متطرفة , ويعد هذا من الدروس الاستخبارية البليغة في اهمية الرقابة الداخلية على العاملين في الخدمة الخارجية الاستخبارية .
2- المديرية العامة للامن الداخلي : تأسست عام 2008 وتتبع وزارة الداخلية , ومن اهم مهامها مكافحة التجسس والارهاب والجريمة الالكترونية ورصد التهديدات الداخلية , ويشير كتاب صدر حديثاً عام 2019 عن اسرار الاستخبارات الفرنسية للكاتب الفرنسي جون جيسنيل عن أن من ابرز مهام جهاز الأمن الداخلي الفرنسي حماية باريس من “أفضل” حلفائها بما في ذلك الولايات المتحدة، لصد خروقات وكالة الأمن القومي الأمريكية التي باتت تجسس على الموظفين السياسيين الفرنسيين على أعلى المستويات.
3- مديرية الاستخبارات العسكرية : تتبع رئاسة الاركان انشأت عام 1992 اي بعد حرب الخليج , من اجل تقليل الاعتماد في المجال الاستخباري العسكري على الاستخبارات الامريكية التي كانت المزود الرئيسي لمعلومات الجيش الفرنسي .
4- مديرية الدفاع والحماية والامن : تتبع وزارة الدفاع وتهتم بالوقاية الامنية للجيش الفرنسي واسرار الصناعة العسكرية وحماية المعلومات.
5- الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية: وهي الجهة المسئولة عن أمن وحماية تكنولوجيا المعلومات لمؤسسات الدولة وتقديم المشورة والدعم للحكومات والشركات الكبرى .
6- اللجنة الوطنية لمراقبة أجهزة الأمن: وهي لجنة مستقلة إداريا وفنياً ومرتبطة برئيس الوزراء , وهي مخولة للوصول إلى كافة المعلومات والبيانات المخزنة في جميع المؤسسات لمراقبة مشروعية تنفيذ تقنيات عمل الأجهزة الأمنية والاستخبارية الفرنسية ومدى مطابقتها لقانون الحريات العامة والأمن الوطني .
7- مجلس الاستخبارات القومي : وهو التشكيل الاهم و الوعاء الجامع لكل الاجهزة الاستخبارية ومنسق اعمالها بشكل تكاملي .
فضيحة المصالح
ومن الفضائح التي طالت الاجهزة الاستخبارية الفرنسية والتي تبين ازدواجينها في التعامل مع الارهاب انه في الوقت الذي كانت تلك الاجهزة تعاني من العمليات الارهابية والذئاب المنفردة في الاراضي الفرنسية تكشف فضيحة شركة “لافارج” للإسمنت، مؤخرا، التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وتمويل الإرهاب في سوريا، والتورط في دفع عشرات الملايين من الدولارات لتنظيم “داعش” بعلم الاستخبارات الفرنسية , وقد أسست لافارج مصنعها في سوريا عام 2007، وبدأت بالإنتاج عام 2011، وواصلت عملها خلال مرحلة سيطرة التنظيمات المسلحة ومنها “داعش” على المنطقة التي بني فيها المصنع , ودفعت الشركة نحو 35 مليون دولار لتنظيم “داعش” وجماعات متطرفة أخرى عبر وسيط سوري، من أجل الاستمرار في العمل في المناطق التي تسيطر عليها تلك الجماعات, واعترف مسؤول الشركة بأنه لم يخف أي معلومة عن الأجهزة الفرنسية، لا سيما الاستخبارات العسكرية التابعة للرئاسة والإدارة العامة للاستخبارات الخارجية في 33 اجتماعا، عن كل التفاصيل، وأوضح واقع التوازنات العسكرية في المنطقة وأعمال الشركة , وأكدت التحقيقات أنه خلال الفترة التي كانت فيها المنطقة تحت سيطرة “داعش”، استخدم التنظيم الأسمنت في بناء وتدعيم الأنفاق وترميم وتحويل بعض المقرات من ملاعب إلى سجون.
برغم عراقة الاستخبارات الفرنسية الا انها فشلت في حربين كونيتين , كما عانت من اختراقات كثيرة من قبل الاجهزة الاستخبارية الصديقة كالمخابرات الامريكية والموساد , ولايخفى تواطؤ المخابرات الفرنسية وخضوعها للموساد في تفجير المفاعل النووي العراقي وقبله في تفجير اجهزة المفاعل في الموانيء الفرنسية , كما يعطينا درس الاستخبارات الفرنسية ومامرت به في فترات الاحتلال وتشويه الوطنية الفرنسية نتيجة التداخلات العقائدية , وما يمكن ان يكون درساً للوضع العراقي المعقد لاسيما مع آخر فضيحة للمخابرات الفرنسية في تمويل محطة ايرانية لدعم التظاهرات في طهران منذ عام 2018 , والله الموفق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق