ثقافة

كل شيء عن أخلاق القاضي والقضاة في الجزائر …اخلاقيات مهنة القضاء

من كتاب القاضي السابق والخبير القانوني حجري فؤاد

مدونة أخلاقيات المهنة:
مداولة تتضمن مدونة أخلاقيات مهنة القضاة.
إنّ المجلس الأعلى للقضاة المجتمع في دورته العادية الثانية يوم 23 ديسمبر 2006.
– بناء على القانون العضوي رقم04-11 المؤرخ في 21 رجب عام 1925 الموافق 6 سبتمبر سنة
2004 و المتضمن القانون الأساسي للقضاء، لا سيما المادة 64 منه،
– و بناء على القانون العضوي رقم 04-12 المؤرخ في 21 رجب عام 1925 الموافق 6 سبتمبر سنة 2004و المتعلق بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء و عمله صلاحياته، لا سيما المادة 34 منه،
– و بناء على القانون 06-01 المؤرخ في 21 محرم عام 1927 الموافق 20 فبراير سنة 2006
المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته، لا سيما المادة 12 منه،
و بعد المداولة طبقا للقانون،
يصادق على مدونة أخلاقيات مهنة القضاة الآتي نصها:
مقدمة:
إن من أسمى مهام دولة الحق و القانون بث الطمأنينة في نفوس مواطنيها و تأمينهم على حرياتهم و حقوقهم و لا يتأتى ذلك إلا بالاحتكام إلى سيادة القانون، و مساواة الجميع أمامه، دولة و أفرادا على حد سواء.إن القوانين مهما بلغ سموها فإنها لن تبلغ غايتها في إحقاق الحق و إقامة العدل إلا إذا تحمل أمانة هذه الغاية قضاء يجتهد في إدراك أهدافها و فرض سلطانها على الجميع دون تمييز مصداقا لقوله تعالى: …وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين… سورة المائدة – الآية 42.
و بذلك تصان القيم و يؤمن المواطن على نفسه و عرضه و ماله و يتضاعف شعوره بالانتماء لوطنه. و إنه في ضوء هذه المبادئ التي أرسى دعائمها الدستور في المادة 138 و ما بعدها من أن القضاء سلطة مستقلة تمارس في إطار القانون و تصدر الأحكام باسم الشعب الجزائري و تستوجب التسبيب و تلتزم بمبادئ الاستقلالية و الحياد و المساواة و الشرعية (المواد 29 و 44 و 140 و 141 منه) و هي كلها ضمانات أساسية لحماية الحقوق و الحريات و ليست امتيازا شخصيا للقاضي. و إن من واجب القاضي نحو المجتمع أن يحسن الاضطلاع بأمانته، و يحافظ على قدسية رسالة
القضاء، التي تلقي على عاتقه أضخم الأعباء و المسؤوليات. و أن يتحلى بصفات الاستقامة و النزاهة و التجرد و الحياد و الاستقلال و التفرغ الكامل لأدائها و الالتزام بالقواعد و السلوك التي يهدف إلى تحقيق العدل و سيادة القانون. و لقد جاء القانون الأساسي للقضاء متكاملا مع الدستور كونه أوجب على القاضي أداء القسم الآتي قبل تأدية مهامه; أقسم بالله العلي العظيم، أن أقوم بمهمتي بعناية و إخلاص، و أن أحكم وفقا لمبادئ الشرعية و المساواة، و أن أكتم سر المداولات، و أن أسلك في كل الظروف سلوك القاضي النزيه و الوفي لمبادئ العدالة، و الله على ما أقول شهيد; المادة (4).
إن هذا القسم كرم مبدأ استقلالية القاضي و حياده و مجال مسؤولياته أدبيا و أخلاقيا، و جعلها قبسا منيرا لتدعيم الديمقراطية تكون فيها سلطة القاضي و واجباته محددة، واضحة يعرفها الخاص و العام.
و نص القانون الأساسي للقضاء في المادة 64 منه، أن توضع مدونة أخلاقيات مهنة القضاء، حتى يدرك القاضي و يلتزم التزاما صريحا بالاستقلالية و الحياد و النزاهة و الشرعية، بما في ذلك واجب تطبيق القانون و واجب العلم به و النطق به في الآجال المعقولة ،مسببا حكمه تسبيبا كافيا و الالتزام بمقتضيات الشرعية ، خاصة ما تعلق منها بحماية حقوق الفرد و المجتمع ملتزما بواجب التحفظ وأن لا يخون الثقة و الاحترام لوظيفة القضاء، وفي اللطف في غير ضعف إزاء زملائه القضاة و إزاء المتقاضين و أعوان القضاء و رؤسائه و مرؤوسيه.
و هي رسالة تتطلب من القاضي جهدا و مشقة نظرا لطبيعتها الخاصة من حيث أن أداءها يحتم على القاضي الالتزام في حياته و مسلكه النهج الذي يحفظ للقضاء هيبته و كرامته. إن هذه المدونة لا تنسى الحياة الخاصة للقاضي، فهو بشر لا يتخلى عن طبيعته البشرية ،و تؤكد على إنسانيته في معاملاته مع المتقاضين و أعضاء محيطه، غير أنها تحيط حياته الخاصة بضوابط تضمن
حفظ هيبة القضاء و كرامة رجاله ليتقي الزلل، و تعمق ثقة الناس في قضائه لا تثار حوله الشكوك، آخذا بما أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيه أبو موسى الأشعري أن:
(… أس بين الناس في مجلسك و في وجهك و قضائك حتى لا يطع شريف في حيفك و لا ييأس ضعيف من عدلك…) و هو ما يتفق مع المعايير الدولية الضامنة للمحاكمة العادلة و حقوق الإنسان. ذلك أن عمل القضاء يحتاج إلى صفاء الذهن و سعة الصدر و هدوء الفكر، و عفة اللسان و التحكم في العواطف و مقاومة الأهواء و الاتسام بالرغبة في الاجتهاد و الالتزام بالرفع من مستواه العلمي و كفاءته المهنية.
كل هذا في ظل التزام الدولة بالعمل على دعم و ضمان استقلال القضاء و توفير الظروف و الوسائل المادية و المعنوية التي تمكنه من أداء رسالته بكل حرية و استقلال في إطار الالتزام بالمبادئ القانونية وأخلاقيات المهنة الشريفة لأجل تأكيد سيادة القانون و حماية المجتمع و السهر على احترام كرامة الإنسانية و الحقوق و الحريات الأساسية للأشخاص و الحفاظ على ممتلكاتهم. لذلك فإن مدونة أخلاقيات مهنة القضاء، تشمل ما يأتي:
أولا: المبادئ العامة:
1) مبدأ استقلالية السلطة القضائية:
يلتزم القاضي بـ:
– القيام بعمله في إطار القانون و على النحو الذي يرسخ استقلالية القضاء،
– حماية الحقوق و الحريات الأساسية،
– الامتناع عن كل نشاط يتعارض و ممارسة السلطة القضائية.
التحليل: إن السلطة القضائية مستقلة، و تمارس في إطار القانون طبقا للمادتين (138 و 147) من
الدستور، و تكرس استقلالية القضاء التي تعد أساسية لضمان عدالة محايدة في ظل نظام دولة القانون.
و للقاضي دور أساسي في حماية المجتمع و الحريات و الحقوق الأساسية. و هذا لا يتحقق إلا من خلال قضاء مستقل بعيد عن كل تأثير مهما كا مصدره.
2) مبدأ الشرعية:
يلتزم القاضي بـ:
– القضاء وفقا للقانون و احترام قرينة البراءة،
– حماية قيم المجتمع و صيانة كرامة الفرد في إطار القانون،
التحليل: إن ضمان الحقوق الأساسية و الحريات الفردية، لا يتأتى إلا بالتطبيق السليم للقانون.
3) مبدأ المساواة:
يلتزم القاضي بـ:
– ضمان المساواة أمام القانون،
– ضمان تحقيق المساواة بين المتقاضين،
التحليل: على القاضي أن يتبع سلوكا يضمن للجميع معاملة سوية و مطابقة للقانون و أن يسير الدعاوى المعروضة عليه بالمساواة و دون تمييز و أن يتجرد من المؤثرات الذاتية و الخارجية.
ثانيا: التزامات القاضي:
إضافة إلى ما ورد في القانون الأساسي للقضاء، يلتزم القاضي بـ:- – الحفاظ على العهد الذي قطعه على نفسه أثناء تأدية اليمين،
– التحلي بمبدأ الحياد و التجرد،
– أداء واجباته القضائية بكل نجاعة و إتقان في الآجال المعقولة،
– تحقيق العدل طبقا للقانون،
– الحفاظ على السر المهني و أن لا يعبر عن قناعته أثناء سير الدعوى و قبل التصرف أو الفصل فيها،
– تسببي أحكامه في الآجال المطلوبة و بصفة شخصية،
– العمل على أن يكون منطوق حكمه واضحا و قابلا للتنفيذ،
– أن يكون منضبطا في مواعيد عمله و تمكنا من ملفاته،
– أن لا يقبل من أي جهة كانت أي تدخل من شأنه التأثير على عمله القضائي،
– عدم ممارسة أي ضغط على أطراف القضية،
– الرفع من مستواه العلمي و كفاءته المهنية.
التحليل: يفصل القاضي في المسائل المعروضة عليه في أحسن الآجال بنفسه دون تفويض و دون
تحيز أو تأثيرات أو إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من أي جهة كانت و لأي سبب كان.
و يلتزم بعدم ممارسة أي عنف أو ضغط معنوي على أطراف القضية بما في ذلك الشهود أثناء استجوابهم أو استعمال أي إجراء تعسفي ضدهم.
و على القاضي أن يسبب أحكامه تسبيبا كافيا، و أن يكون منطوق حكمه واضحا و قابلا للتنفيذ حفاظا على حقوق الأطراف و حرصا على مصداقية العدالة.
ثالثا: سلوكات القاضي:
إضافة إلى ما ورد في القانون الأساسي للقضاء، يلتزم القاضي بـ: – التحلي بالحكمة و الرزانة،
– ضمان حق الدفاع للمتقاضي أو محاميه،
– نظام الجلسة و آدابها،
– الحفاظ على سرية المداولات و عدم إفشاءها لأي كان و لأي جهة كانت و لأي أي سبب كان،
– التنحي كلما كانت له علاقة بالمتقاضين أو كانت له مصلحة في الدعوى مادية أو معنوية،
– عدم استعمال منصبه لتحقيق أغراض شخصية،
– عدم استقبال المتقاضين بمكتبه بصفة انفرادية،
– عدم قبول الهدايا من المتقاضين في أي شكل كان،
– احترام العاملين تحت سلطته و رؤسائه و زملائه،
– بث روح التضامن و التعاون بين القضاة،
– احترام مساعدي العدالة،
– وقاية نفسه من كل شبهة،
– عدم الخضوع للمؤثرات الخارجية حول قضايا معروضة عليه،
– انتهاج سلوك في حياته الخاصة لا يخدش هيبة القضاء.
التحليل: القاضي ملزم بأن يبتعد عن الشبهات، و أن يتجنب الوقوع في مشاكل مع الآخرين حتى لا يقال إنه يستغل نفوذه، أو مهنته لتعزيز مصالحه أو مصالح الغير، و أن لا يتأثر بما تنقله وسائل الإعلام من انطباعات حول قضايا معروضة عليه، و أن يحكم ضميره و قناعته وفقا للقانون.
إن التضامن و التعاون هو ذلك السلوك الإيجابي بالنصح و التآزر بين القضاة للحفاظ على سمعة القضاء.
و بالرغم من ثقل مسؤولية القاضي، فإنه لا يتخلى عن طبيعته البشرية و لا يتجرد من ميولا ته الاجتماعية غير أن جسامة مهامه و قدسية رسالته تجعله يلتزم بقيود و إكراهات تفرضها طبيعة مهنته من أجل ضمان هيبة القضاء و حفظ كرامة رجاله.
رابعا: أحكام ختامية:
يمكن مراجعة هذه المدونة حسب الشروط نفسها التي أملت الموافقة عليها.
تنشر هذه المدونة في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
التعليق:
يجب التوضيح في هذا الباب، أن القانون المتضمن تشكيل و عمل المجلس الأعلى للقضاء قد قرر في مادته 34:” يحدد و يصادق المجلس الأعلى للقضاء، عن طريق المداولة التنفيذية، ميثاق أخلاقيات مهنة القاضي..”، و السؤال الذي يخطر على أذهاننا، هو لماذا انتظر هذا المجلس ثلاثة سنوات ليضع مدونة كم هي فاقدة للمصداقية بالنسبة لكافة سلك القضاة؟
و عند القراءة الأولية للوثيقة المتضمنة مدونة أخلاقيات المهنة، نلاحظ في أول وهلة، أن في تأشيراته تم التطرق إلى القانون 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية و مكافحة الفساد, حيث أن هذا الأمر يجعلنا في حيرة من أمرنا، لأنه في الواقع لا وجود لأي صلة بين أخلاقيات مهنة القاضي و القانون ضد الفساد. و إن كان الأمر كذلك، و في نفس المنوال، كان من الوجوب ذكر قوانين أخرى كتلك المتعلقة بتبييض الأموال… و يجب حتما هنا، ذكر المرجعية لأحكام المادة 64 من القانون العضوي للقضاء التي تنص على:” تحدد مدونة أخلاقيات مهنة القضاة التي يعدها المجلس الأعلى للقضاء، الأخطاء المهنية الأخرى.
لكن عند قراءة هذه المدونة التي تم نصها في شكل مداولة بالجريدة الرسمية المؤرخة في 14/03/2007ـ تحت رقم 17، يتبين ما يلي: بالرغم من أنها مداولة المجلس الأعلى للقضاء، فإنها لا تشير إلى تشكيلة هذا المجلس.و من القواعد القانونية الإدارية أن تذكر المداولة أسماء الأشخاص الحاضرين، و إن أمكن ، أسماء الأعضاء الغائبين المرخص لهم و أسماء الأعضاء الغائبين بدون عذر.
إن هذا الإشارة مهمة جدا، بحيث صحة المداولة تكون مرتبطة بمعرفة النصاب المحقق حتى تصبح قانونية . وهدا يدخل ضمن المسائل البديهية للقانون الإداري.
إضافة إلى ذلك الإخلال، هناك انحرافا قانونيا آخرا يتجلى في أن المدونة لم توضح بالتحديد حتى مكان انعقاد المجلس الأعلى للقضاء، عند اتحاد هذه المداولة. و الأخطر من ذلك، و بالرجوع إلى القانون العضوي رقم 04-12 المؤرخ في 6 سبتمبر 2004، الذي يحدد تشكيلة و عمل و صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، فنجد المادة 2 التي تنص من جهتها: ” يحدد مقر المجلس الأعلى للقضاء بالجزائر العاصمة.” إلا أن هدا القانون لم يشير بالضبط إلى المقر الدي يتم فيه اجتماع الهيئة المختصة في دلك, كان من الواجب أن يطرح هذا الإشكال في أذهان كل الأعضاء الحاضرين في الجلسة الخاصة بالمداولة المتضمنة مدونة أخلاقيات مهنة القاضي، لأنه في غياب تعريف قانوني دقيق، يحق لأي طرف أن يقوم بكل التأويلات بشأن هذا الغموض.
حيث أنه في الواقع، يجتمع المجلس الأعلى للقضاء بمقر رئاسة الجمهورية لكل أشغاله، عندما يترأسه رئيس الدولة، و بمقر وزارة العدل عندما يترأسه وزير العدل، و يجتمع مجلس التأديبي بمقر المحكمة العليا تحت طائلة البطلان.
من ناحية أخرى تجدر الإشارة إلى أن نصف محتوى مدونة أخلاقيات مهنة القاضي مسألة فلسفية محضة، و النصف الآخر المتبقي لا يتطرق إلى أي خطأ، كما هو مبين في المادة 64 المذكورة أعلاه، و الأمر يتعلق أكثر بواجبات القاضي.
إن جل هذه الواجبات قد سبقت فهرستها في أحكام القانون المتضمن القانون العضوي للقاضي، و إن العديد منها قد تم تقريرها في قانون الإجراءات المدنية ( تنحية القاضي…) أو قانون العقوبات (استعمال الوظيفة لأغراض شخصية، قبول الهدايا…). و واجبات أخرى، مثل احترام الرؤساء، الزملاء،بينما الترويج لروح التضامن و المساعدة بين القضاة، لا ينبغي إدراجها في مداولة أخلاقيات المهنة، بالرغم من أن سلك القضاة معروف بالتفكك وانقسام الأطراف و عدم الاحترام المتبادل بدون حدود,
حقيقة تم انسياق القضاة إلى الاحتقار، في تبادل التهم السخيفة، و شهادة البعض ضد الآخر بغية إرضاء جهة من الجهات من اجل إظهار لها الولاء، و قد وصل الأمر بالقضاة حتى أصبحوا يتخوفون من طلبات تدخل زملائهم لأن الكل باء موضوع شبهات.
و إنه من الصواب و المهم الإشارة إلى أن هذا الاحترام المنادى به ضمن المدونة الأخلاقيات المهنة مكرس في اتجاه واحد، بحيث أن هذه الأخيرة تحث القضاة على احترام رؤسائهم و لا تنوه على الاحترام المتبادل بينهم، ولا حتى على احترام الرؤساء للقضاة.
و على أي حال، لم يكن المشرع دكي عند تقرير هذه الأحكام في مدونة أخلاقيات المهنة، لأن هده الأخيرة تعتبر مواصفات تخص الأخلاق المبدئية لكل موظف، قبل أن تكون من الأخلاق الطبيعية للقاضي.
وكان من الواجب إدراج واجبات أخرى مثل احترام الأعوان القضائيين، ضمان حقوق الدفاع للمتقاضي أو لدفاعه، في مدونة أخلاقيات المهنة ،لأنها أصبحت في الميدان العملي مدنسة.
و حقيقية، إن النزاعات التي تنشأ يوميا في ميدان الممارسة بين القضاة و الأعوان القضائيين وخاصة المحامون من جهة، والخلط المفتعل و التفكك المندفع ضدهم من طرف القضاة و في بداية مسارهم المهني من جهة أخرى ، لهو دليل على انعدام الاحترام الظاهر لهؤلاء الأعوان القضائيين، و بالتالي ممارسة حقوق الدفاع تصبح منعدمة ،و دليلا على ذلك، العديد منهم يعانون و يهانون بإجراءات تعسفية .
و لا يمكن تصفية هذا المناخ القدر نهائيا، بتخصيص أحكام تسرد في نص مدونة أخلاقيات مهنة القاضي، لأن الأمر متعلق بالجميع.
و أخيرا، إن سرد توجيهات أخرى في هذه المدونة، مثل التحلي بالسيطرة و الحكمة، الحرص على النظام و احترام الجلسات، الوقاية و الحذر من كل الشبهات، تفادي كل تأثير و إغراء، التحلي في الحياة بآداب، احترام الالتزام المتخذ بأداء اليمين، تسبيب الأحكام، توضيح منطوق الحكم، احترام مواقيت العمل، تتبث كأنها موجهة لأشخاص لا علاقة لهم بسلك القضاء، و أكثر من ذلك، لا تحي على أنهم تكونوا لمدة 05 سنوات في المدرسة الوطنية للقضاء.
و لما تبقى، فإن هذه الواجبات توطد مناخ الشك و فقد الثقة بالعدالة مثل (تفادي استقبال متقاض بالمكتب، استلام هدايا، الوقاية و الحذر من كل الشبهات، تفادي كل تأثير و إغراء، التحلي في الحياة بآداب…).
و لفهم مدونة أخلاقيات المهنة في بلادنا، ينبغي بباسطة الإشارة إلى أنه بفرنسا ” المجلس الأعلى للقضاء كان ضد و معارض لكل مدونة أخلاقيات المهنة”.
و بإعلان له مؤرخ في 02/10/2004، رفض قانون محددا لقائمة واجبات، على غرار ما هو عليه في الشرطة، فالمجلس يريد التأكيد على أنه السلطة الوحيدة الشرعية لتقييم تصرفات القضاة,
و ذهب تصوره أبعد من ذلك، حيث يمكن للقاضي اللجوء إليه لأخذ رأيه، كلما تلقى صعوبات من الناحية الأدبية . إلا انه بعد خبرة طويلة وعميقة من الممارسات وفي سنة 2007 تمكن من إصدار كتاب يحتوي على 6 معايير آو قيم تضمنتها المدونة الأخلاقية لمهنة القضاء .إن هدا الكتاب جاء بدراسة معمقة في التعريف الموضوعي المحض لكل ما تحتوي عليه هده المدونة.
و بالولايات المتحدة الأمريكية، تطرق القاضي ”فرانسيس أونطوني ما لوغي” إلى مدونة أخلاقيات مهنة القضاة الأمريكيين، و هكذا شرح، أثناء محاضرة عقدها بمدرسة القضاة بالجزائر العاصمة، أن ”مدونة أخلاقيات المهنة يتماشى مع الأخلاقيات الشخصية للقاضي، و بالنسبة له هذه المدونة تركز على 7 مبادئ فالقاضي ملزم بـ:
– الحرص على عدم القيام بأدنى مخالفة للآداب.
– القيام بواجباته المهنية بصفة نزيهة و سريعة.
– تفادي كل سلطة سياسية أو انتخابية.
– التصريح المنتظم للأجر ة التي يتقاضها بمناسبة نشاطه القضائي أو الخارج قضائي.
– الالتزام بتتبع القانون الصارم للتصرفات، سواء في حياته المهنية أو الخاصة.
– الحرص على عدم تضارب المصالح بين الحياة المهنية و الحياة الخاصة.
و كما هو ملاحظ، فإن مدونة أخلاقيات المهنة في الولايات المتحدة الأمريكية اقتصرت، أولا،على الحفاظ على نزاهة و استقلالية العدالة، ثم إجماليا على الحياد في ممارسة مهنة القاضي، و التحلي بتصرفات صارمة في الحياة الشخصية و المهنية، و تفادي كل نشاط سياسي أو انتخابي.
و شرح نفس القاضي، أن مبدأ استقلالية العدالة و مدونة أخلاقيات المهنة القضائية متشابكة و متداخلة.
في الجزائر، برز قانون أخلاقيات للمهنة إلى الوجود سنة 2007، بمناسبة افتتاح السنة القضائية 2006-2007 حيث تم التصريح بإعدادها حسب النحو التالي:” خلال هذه السنة القضائية، ينتقل قطاع العدالة إلى المرحلة النوعية باستكمال إعداد مدونة أخلاقيات مهنة القاضي، قانون الذي نأمل أن يمكن كل القضاة ضبط ما ينتظر منهم، أي الضمان للمتقاضي و للمواطن عامة خدمات ذات نوعية.
اقتراح:
و لان المدونة الأخلاقية للقضاة أصبحت في وقتنا المعاصر لا تسمو مضمونا إلى المستوى المطلوب في البلدان الراقية التي تجعل من مبدأ استقلالية القضاء و ضمان حقوق المجتمع راية لكل سياساتها .
و لان هده المداولة لم تحدد بصفة دقيقة كل ما جاءت به من التزامات نحو القاضي وراحت تعيد تلك التي ألقيت على عاتقه و كرسها القانون الأساسي للقضاء .
وبالتالي ، و ادا أردنا آن ننتهج سياسة ناجعة في كيفية تحرير هده المدونة الأخلاقية، يجب أولا حذف منها كل الالتزامات الموجودة في القانون الدي أنشئ من اجل تبيان وتحديد طبيعة الوظيفة القضائية و تمييز الهيئات التي تدخل في صلاحيتها كيفية تسيير هده الوظيفة .
و تجدر الإشارة هنا إلى أننا فكرنا، بعد دراسة هده المدونة ،في جعلها تقتصر على إرساء المبادئ التي تم ذكرها في اليمين القانونية المحددة ضمن المادة 03 التي تنص “بسم الله الرحمن الرحيم
أقسم بالله العلي العظيم أن أقوم بمهمتي بعناية وإخلاص، وأن أحكم وفقا لمبادئ الشرعية والمساواة وأن أكتم سر المداولات، وأن أسلك في كل الظروف سلوك القاضي النزيه والوفي لمبادئ العدالة. والله على ما أقول شهيد”.
و هده المبادئ تدور أساسا حول :
-العناية و الإخلاص
-الشرعية و المساواة
-سر المداولات
– النزاهة و الوفاء لمبادئ العدالة –
واجب التحفظ.
بالنتيجة كان على المشرع أن يحدد كل هده المفاهيم التي جاءت بها اليمين القانونية ، تحديدا دقيقا و ليس مبهما كما هو الشأن في الوثيقة المذكورة .
لأنه كل ما جاءت به المدونة ما هو إلا تكرار و إعادة لما تضمنه الدستور من جهة ثم قانون العضوي للقضاء من جهة أخرى .
و لم ينجح كلاهما حتى في تعريف الالتزام بالتحفظ الدي القي على عاتق القاضي بالرغم من انه لم يعي بمحتواه إلى حد ألان .
أما بالنسبة للالتزامات الأخرى التي ذكرتها المداولة ، فإنها تظهر غير جدية ، و في بعض الأحيان تافهة مثل : منع القاضي إن يستقبل متقاضي أو على القاضي إن يكف عن قبول أي هدية كانت ، لان هده الالتزامات تزيد من شان تلطيخ جهاز العدالة ، و تمس بشرف القضاء .
و نؤكد على أننا ننتهج نفس الاتجاه باقتراحنا السابق، الممثل في أن تكرس المداولة الأخلاقية إلا المبادئ التي جاءت بها اليمين القانونية المذكورة ، بشرط لا مفر منه ،هو أن يضاف إليها التزام حقيقي و هام يعتبر بدلك الهيكل الأساسي لسلك القضاء و ترسيخ العدالة و هو الدي يتمثل في استقلالية القاضي ، و يكون دلك حسب النحو التالي :
أقسم بالله العلي العظيم أن ….” إجباريا على القاضي أن يتحلى بالاستقلالية في تأدية مهامه “.
الخاتمة:
إن مدونة أخلاقيات المهنة، على خلاف ما يجري في الدول المتقدمة، التي تقتصر على سرد المبادئ الأساسية التي تتجه نحو تقوية و توطيد استقلالية العدالة، ففي بلادنا، يحدث العكس، إذ أنها تسرد تعدد و كثرة واجبات و التزامات القاضي.
إذ أنه لا يقل عن 32 واجب مفهرسا بها، زيادة على الالتزامات المنصوص عليها في 19 مادة و 28 فقرة، و المقررة بالقانون المتضمن القانون الأساسي للقضاء.
و بالتالي، ليست مدونة أخلاقيات المهنة القضائية التي تتشابك مع استقلالية العدالة، بل أن الالتزامات و الواجبات المتحالفة هي التي تفسد استقلالية العدالة و تجعل من مدونة أخلاقيات المهنة مدونة هشة، قد تجاوزتها الأحداث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق