ثقافة

كتابة التاريخ

 

د. محمد ابراهيم بسيوني

حقيقي يا ما في التاريخ من مظاليم وياما في التاريخ من نعتبرهم أبطالا لا يستحقون لو كان التاريخ عادلا إلا ضرب القباقيب.

بعض التعليقات التي تقرأها أو الردود التي يَرُد بها البعض بخصوص أحداث الأعوام التسع الماضية تذكرني بمقولة كنت قد قرأتها منذ زمن لأديبنا الكبير عباس محمود العقاد في الجزء الثالث من يومياته، قالها كثيرون قبل الأستاذ العقاد وبعده وبأشكال متعددة، يقول فيها ما معناه، إن الوصول للحقيقة في الوقائع التاريخية التي انقضت أمر يكاد يكون مستحيلا، وأن الصعوبة لا تقتصر علي الأحداث التي مات أصحابها، بل هذا الأمر يمتد لينطبق علي الأحداث التي مازال أصحابها علي قيد الحياة ويمكن سؤالهم والتأكد من حقيقة ما حدث.

ويضرب بعض الأمثلة بنفسه ويقول ساخرا أنه لن يستغرب لو قال الناس في المستقبل أن العقاد قد تزوج وأهمل زوجته وتركها تتردد علي الحانات والبارات، لأن العقاد لا يعود إلى بيته إلا وش الفجر.

ويقول لن يستغرب هذا القول لأن أديبا حسن النية والقصد قد قال وعلل حدة الغضب عند العقاد إذا غضب، بأن العقاد هو ابن “بخيتة الزنجية” الغسالة في بلاد النوبة.

كلام أديبنا عباس العقاد حقيقي للأسف لأنه إذا كان التاريخ الذي حضرناه جميعا، وقرأناه في الصحف علي مدار أيام حدوثه وسمعنا أصحابه علي شاشات التليفزيون، إذا كان هذا التاريخ نحن مختلفون فيه، وكل شخص يصر علي أن نسخته للأحداث هي الصحيحة فما بالنا بالأحداث التاريخية التي لم نعاصرها.

‏ما يلي نص كلام الأستاذ عباس العقاد وقد كرره في أكثر من مكان واكتفي فقط بهذه الفقرات المحدودة من كلامه في الرد علي بعض ما ورد في مذكرات السيدة فاطمة اليوسف، روز اليوسف والدة الأستاذ إحسان عبد القدوس، عن العقاد “كلما راجعنا حوادث الحاضر والماضي ثبت لنا ثبوتا قاطعا أن التاريخ لا يُكْتب من نسخة واحدة، وأننا إذا أردنا أن نصل إلى الحقيقة في حادثة كبيرة أو صغيرة كان علينا أن نقرأ تاريخها من صديق، ومن عدو، ومن محايد، ومن مستقل لا يبالي الخصومة والحياد، ومن مؤرخ نزيه يُحْسن الفهم والتعقيب علي مختلف الروايات، ثم نغبط أنفسنا بعد ذلك لو وصلنا للحقيقة بغير تحريف أو التواء. وكأننا لم نكتب في هذه المقالات ما فيه الكفاية لبيان هذه الحقيقة القديمة الجديدة الباقية بعد كل تاريخ، فوجب أن نزيد شيئا عليها يمتد بها خطوات أبعد مما ذهبنا إليه، إذ ليس تاريخ الموتى هو المرْكَب، الأمر الصعب دون غيره، بل مثله في الصعوبة أو أصعب منه أن نكتب التاريخ عن الأحياء. وكاتب هذه السطور حي يؤرخ ويكتب في الصحف ولا يمنع ذلك أن يقال عن شخصه وعن رأيه ما يخالف الواقع ويمكن إثبات مخالفته للواقع بأقل تحقيق.

‏كما كتب العقاد في الجزء الأول من اليوميات عن حادث ١١ يوليو واحتلال الإنجليز لمصر عام ١٨٨٢، وعن كتابه الذي أصدره عن الحدث في ٥ يوليو ١٩٥٢وتمت مصادرته في اليوم التالي في ٦ يوليو ١٩٥٢ لحديثه عن خيانة الخديو توفيق.

يقول الأستاذ عباس العقاد “كلما قلبت مراجع التاريخ في حادث من الحوادث المصرية الكبرى خطر لي أننا في حاجة إلى محكمة عادلة. تنظر في تاريخ ذلك الحادث نظر القضاة، وتدين من تدين وتُبرئ من تبرئ بوثيقة القاضي المنصف وبينة الشهود العدول. محكمة تستدعي الموتى كما تستدعي الأحياء وتنيب عن الموتى من يحضر عنهم للدفاع أو للمناقشة كما تنيب المحاكم من يحضر عن الغائبين. ما أكثر المجرمين الذين يخرجون يومئذ بهالة الشرف. وما أكثر الأبطال الذين يخرجون يومئذ بوصمة العار. وما أكثر الشخصيات التي تُخْلق في الأذهان خلقا جديدا يناقض كل ما عُرف منها قبل الأن. حتى كأنها كانت مرسومة على البعد بوحي الخيال في قصة من القصص، فولدت بعد ذلك في عالم الحقيقة بسيرة أخري”.

أستاذ متفرغ عميد طب المنيا السابق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق