ثقافة

قيمة و أهمية تدريس الفلسفة

ماذا نجني من تدريس الفلسفة ؟ عبد اللطيف بن سالم

مواكبة للتطوّر السّريع الذي يحدث اليوم في العالم واستشرافا لما يمكن أن يكون عليه مستقبلنا أفضل دعا الرئيس السابق لتونس زين العابدين بن علي إلى بعث مجالس استشارية محليّة في مختلف ولايات الجمهورية للتربية والتكوين من أجل المزيد من العناية والاهتمام بهذا القطاع الحيوي الهام في بلادنا. وفي إطار هذه الدعوة قد عنّ لي أن أبادر بطرح هذه الإشكالية التي لا تزال تشغلنا جميعا منذ زمن بعيد حول مادة الفلسفة موضوعا ومنهجا واستفادة والمؤكد لدينا كما يقول بعض حكماء الهند القدامى أنّ ” الحياة لا تستحق الاعتبار إذا لم نقوّمها بالحوار والمناقشة” وهذا بالفعل ما نتعلمه من الفلسفة .
هذه الإشكالية هي حول ما يمكن أن نجنيه من تدريس الفلسفة بهذه الطريقة التي نتّبعها الآن والتي رسمناها لأنفسنا منذ زمن بعيد وما أظنها نجحت في تحقيق ما نصبو إليه من التطور الخلاق والإبداع الكافي في مجالات تمثل العالم والعمل على تنويره أو تغييره عندما يدلهم الخطب أو تكفهرّ السماء.
عفوا ليس تساؤلنا إنكاريّا كما يبدو في ظاهره، وليس هو استهانة بقيمة الفلسفة في الحياة كما يمكن أن يُستشعر منه عن بعد لأنّ المؤكّد لدى الجميع أنّ الفلسفة في مفهومها العام واقع فكري سام ومتميّز ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا ولا يكفي أن نقول عنها كما يتردّد عادة بأنّها أمّ العلوم وحسب بل يمكن القول أيضا- وليس في ذلك أيّة مبالغة- بأنّها أرقى مستويات العلم وإذا ما تنكّر لها أحد أو ازدراها فمن باب ” من جهل شيئا عاداه” لكن من حسن حظنا في تونس أننا جميعا لا نمر إلى العالم عبر مسيرتنا التربوية والتعليمية إلا من خلال الفلسفة . وإنّ العلم البحت نفسه يطمح إلى الارتفاع إليها كلّما انتهت مهمّته في إنتاج الحقيقة العلمية الصرف ولقي نفسه عندئذ في حاجة إلى تقييمها ودعوة الناس إلى التفاعل معها إيجابا أو سلبا لاتخاذ الموقف المناسب منها آخرا وهكذا يلتقي العلم بالفلسفة في أعلى مستوى لهما من الإدراك قصد توجيه مركب الإنسانية في الطريق الصحيح والمناسب .

وإذا ما أخذت تظهر في العالم بوادر الفشل والانهيار للحضارة المعاصرة فلأنّ النّاس اليوم قد انشغلوا بالمادّة في مختلف تجلياتها ولم يعودوا يهتمون بالفلسفة كما يجب وتركوا الباب مفتوحا لكل الدّعاوى المشبوهة والمغلوطة تسيطر عليه ونسي الجميع بأنّه لولا تطوّر الفلسفة في العصور الماضية (عصر التنوير مثلا ) و ( عصر الثورة الأوروبية ) لما جنينا كلّ هذا التقدم في مجالات العلم والمعرفة والحياة ولما كان كلّ هذا الزخم من المنتوج المادي والتكنولوجي، لكن لا يجب أن نفرح بالغنيمة وننسى من قادنا إليها.
أجل لقد تخلّينا – في كثير من بلدان العالم كما هو الأمر عندنا في تونس- عن تدريس الفلسفة كما يجب أن يكون وفي جميع المعاهد والمؤسسات توازيا مع تدريس العلم والتكنولوجيا رغم أنّ برقسون الفرنسي نفسه قد تنبّه لخطر ذلك من قبلنا وحذّرنا منه وإنّي لأذكر بهذه المناسبة أنّ بعضا من الدول الغربية الراقية لا تزال تشترط في من يتقدّم إلى الوظيفة العمومية فيها أن يكون حائزا على ديبلوم خاص في الفلسفة زائد على ما يجب أن يكون حاصلا عليه من المؤهلات العلمية الأخرى وهذا ما يؤكد الفعالية الإجرائية للفلسفة حتى في الحياة اليومية والوظيفية المباشرة.
ولسنا في حاجة إلى التذكير مرّة أخرى بأنّه بفضل الفكر الفلسفي النقدي الناضج واليقظ تتحقق النهضات الثقافية وتنشط وتتشيّد الحضارات ويسمو الإنسان بنفسه وبوطنه لكن أين نحن من هذا الواقع الفكري المستنير المدّخر في أرجاء العالم وكيف نتعامل معه ونستفيد منه بالطريقة المناسبة ؟
الفلسفة التي نقدّمها في معاهدنا للتدارس في ما بين أبنائنا التلاميذ والأستاذة في الثانوي بالخصوص ما هي إلا نُتف من الفكر الفلسفي العام على شكل نصوص مقتطفة من تيارات فكرية متباينة ومتباعدة في الزمان والمكان دون توضيح لمنطلقاتها أو تعريف كاف بأصحابها المؤسّسين لها ودون أي بحث في دواعي ظهورها في هذا المجتمع أو ذاك تاركين مهمة ذلك كله على كاهل الأستاذ المدرس الذي لا يكفيه الوقت المخصّص له للتطرّق إلى أي شيء من ذلك بما يكفي من التحليل والمناقشة، أبدا وليس له حتى أن يفكر في اقتطاع وقت إضافي لذلك إذا أراد لأنّ همّ الامتحانات ( التحضير لها وإجراؤها ثم إصلاحها مع نفسه ثم مع تلاميذه) يأخذ من وقته أكثر ممّا تأخذه الدروس التي لا تزيد في الغالب على أن تكون تحليلا للمفاهيم المحورية الواردة في هذه النصوص ومناقشة لها في ضوء مقتضيات القضية المطروحة دون اعتبار للأنساق التي تنتمي إليها أو الشخصيات الفلسفية التي تطرحها وهكذا قد لا يعمل المدرّس من كل ذلك عملا ويتقنه ويرضى عليه وليس الذنب ذنبه أو ذنب التلاميذ الذين لا يقدرون على التواصل معه بجدارة كافيه وإنما قد يعود الذنب في رأينا إلى خطئ كنّا قد ارتكبناه في الماضي عن غير قصد منّا خوفا على مجتمعنا من أن تتكوّن فيه بنى فوقية صلبة متراصة دقماتية تخلّف فينا حالات من التعصب والتخلف تدعو للندم خصوصا وأنّنا منذ عهد بعيد كنّا مهددين بإيديولوجيات عديدة ومتنوعة لا تؤمن عواقبها تهُبّ علينا من غير مكان. لهذا كله لجأنا عبر هذه السنين الطويلة التي مرّت إلى التشكيك في كلّ مقوّماتنا الوراثية منها والمكتسبة (التراثية منها والمستحدثة) وسمحنا بتشكّل بنى فوقية مكانها مستوردة من الخارج هشّة وجوفاء Staff لا نظنها قادرة بما يكفي على الصمود في وجه العواصف والأنواء. والواقع أنّ كلا من هذين النوعين من البنى خطر على الشخصية التونسية الأساسية La personnalité de base التي كنّا لا نزال نريدها شخصية وسطا معتدلة متوازنة مرنة صالحة لكل زمان ومكان.
لهذا فلا حق لنا الآن إذن في لوم أجيالنا الجديدة على السقوط في الهامشية والابتذال والصعلكة في أغلب الأحيان وإلا فماذا يكون من حال المنبتّين في هذه الدنيا إلا أن يضيعوا أو يُصبحوا أكلة صائغة ” للبلطجية ” Bandits Les من رعاة البقر وقطاع الطرق أو لدعاة الظلامية المرتزقة .
الفكر الفلسفي كما هو الفكر العلمي بحث عن الحقيقة وتاريخ البشرية كله سعي متجدد إلى فهم العالم ونزوع لا محدود إلى تغييره إلى الأفضل والأحسن، غير أنّ الحقيقة التي يبحث عنها العلم يمكن تعريفها بأنّها ” العلاقة الثابتة بين ظاهرتين أو أكثر في ظروف معينة وزمن معيّن” وهي لا تتغير أبدا ما لم تتغير مجموعة هذه الظروف، وهي من جهة أخرى حقيقة موضوعّية بحتة لا علاقة لها بالذات البشرية المُدركة لها أبدا إلا من حيث ما يقع بينهما في عملية الإدراك. أمّا الحقيقة الفلسفية فهي دوما مجرّد محاولة لفهم الواقع وتفسيره محاولة قد تكون ناجحة وسليمة في زمانها ومكانها لكنّها لا تعدو أبدا أن تكون محاولة شخصية ذاتية مسترابة مهما كان نضج صاحبها لأنّها في جميع الأحوال نتيجة انعكاسية لتأثير متبادل بين الذات والموضوع تعمل فيها مختلف الظروف الحياتية والاجتماعية والنفسية التي هي سرعان ما تتغير فيتغيّر معها الفهم والإدراك ونوعية التفسير والتحليل وتكوين الرؤية .
الملاحظ إذن هو أنّه من خصائص حقائق العلم الثباتُ النسبي وعدم التغير ما لم تتغير طبيعة هذا العالم في يوم من الأيام، في حين أنّه من خصائص مفاهيم الفلسفة التغيّر وعدم الثبات بسبب التحوّلات المتتالية و المتسارعة للقوى البشرية والظروف الاقتصادية والاجتماعية في هذا العالم الأمر الذي يدعو دائما إلى المراجعة وإعادة النظر . ولا يهمّنا في بحثنا هذا من الفلسفة ما يصير عقيدة أو ” قاعا صفصفا لا نرى فيه عوجا ولا أمتا يدعو للإيمان” كما يقول المسعدي لأنّ ذلك ما لا تطمئن إليه الفلسفة أو ترضاه.
وأخيرا وليس آخرا هل يمكن القول أنّ هناك فكرا دون علاقة له بالوجود الفعلي في بيئته ؟ وهل هناك فكر هائم على وجه البسيطة بدون مفكرين وأنساق فكرية ينتمون إليها؟ أفلم يكن يلجأ المفسرون للفكر القرآني نفسه ولا يزالون إلى معرفة أسباب النزول لتمثله وفهمه وتوضيحه للناس أم أنهم كانوا في ذلك مخطئين ؟ فلماذا إذن لا نقدم لتلا ميذنا ولطلابنا مع الآراء الفلسفية التي نعالجها تعريفات كافية بأصحابها وسيرهم الذاتية ومذاهبهم الفلسفية المتأثرين بها حتى تتضح لهم الرؤية بطريقة أفضل ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق