أمن وإستراتيجية

قيادة افريكوم وصراع المصالح في افريقيا

لم تحقق قيادة القوات الأمريكية في افريقيا أفريكوم نتائج مهمة في مجال تخصصها المعلن وهو مكافحة الإرهاب وظلت حبيسة البيانات العسكرية والنشرات بعيدا عن نشلاط فعلي في الارض، و في الحقيقة يرى بعض المتابعين أن قيادة افريكوم هي إطار سياسي أكثر من كونها مشروع عسكري فعلي ، وريون أيضا أن هدفها الخفي هو تطويق النفوذين الفرنسي والروسي في افريقيا وفي بحث اعدته الخبيرة زهرية الطاهر القمودي، تقدم الباحثة بعض الأدلة عن خفايا واسرار قيادة القوات الأمريكية في افريقيا .

زهرية الطاهر القمودي
ـــــــــــــــــــ
تشهد القارة الإفريقية تجاذبات وصراعات بين مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وباقي القوى الكبرى في العالم في ظل التوجهات الإستراتيجية الجديدة لما بعد ﻧﻬاية الحرب الباردة، وكذلك محاولة كل طرف تطبيق المشاريع الإستراتجية للهيمنة على مناطق النفوذ والثروة في القارة الإفريقية انطلاقا من سياسة جيوبوليتكية براغماتية.
كان من الطبيعي بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، وبعد أن تربعت الولايات المتحدة الأمريكية على عرش الهيمنة العالمية أن تعيد صياغة إستراتيجيتها بما يتوافق مع الوضع الجديد، فكما شهد العالم صياغة خارطة سياسية جديدة إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، تمثلت في تطبيق اتفاقيات ’سايكس بيكو’ ووضع وعد بلفور البريطاني موضع التنفيذ تجسيدا للهيمنة البريطانية والفرنسية على منطقة الشرق الأوسط ، وكما شهد العالم صياغة خارطة سياسية جديدة إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتراجع قوة ونفوذ كل من بريطانيا وفرنسا، تمثلت في الاعتراف بالثنائية القطبية، واعتمدت منطق الإزاحة للاستعمار التقليدي واستقلال كثير من الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فإن الإستراتيجية الجديدة ستنطلق من مسلمات عديدة أهمها تصميم الولايات المتحدة الأمريكية على التأكيد للعالم بأنه لم تعد هناك قوة عسكرية أو اقتصادية منافسة لها.

تجسيدا لمشروع القرن الأميركي الجديد الذي ظهر سنة 1997 ، وفي أكتوبر 2008 انطلق النشاط الفعلي لـ”القيادة الأفريقية” التي أحدثتها الولايات المتحدة لكي تكون القارة الأفريقية في محور الأجندة الأميركية للهيمنة العالمية. وأتت الخطوة تنفيذا لآخر قرار اتخذه وزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد قبل مغادرة البنتاغون، وتشمل دائرة تدخل “أفريكوم” أو “أفريك كوماندمينت”، المؤلفة من ألف عنصر موزعين على ثلاث قيادات فرعية في كامل القارة الأفريقية (عدا مصر التي تتبع للقيادة المركزية في ميامي)، إلى جانب جزر في المحيط الهندي مثل سيشيل ومدغشقر وجزر القُمر، وكان الرئيس الأميركي السابق جورج .و. بوش قد استجاب لضغوط استمرت سنوات في صلب المؤسسة العسكرية الأميركية، بالإعلان يوم 6 فبراير 2007 عن قرار سبق أن اتُخذ قبل سنة في الحقيقة، ويخص تكوين مركز مستقل للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا بعدما كانت مرتبطة بقيادة القوات الأميركية في أوروبا.
طريقة عمل أفريكوم:
تشمل مهام “أفريكوم” جميع دول القارة، باستثناء مصر، التي بقيت ضمن اختصاصات القيادة الأميركية الوسطى، التي تتخذ من الخليج مقرا لها ، كانت المسؤولية عن مشاركة القوات الأميركية في مهام داخل إفريقيا موزعة على ثلاث قيادات عسكرية، هي: القيادة الأوروبية والقيادة الوسطى وقيادة المحيط الهادئ.

ووجد الأميركيون في تزايد نشاط تنظيم “القاعدة” في منطقة شرق إفريقيا منذ عهد الرئيس كلينتون مُبررا لتكثيف الاهتمام العسكري بالقارة وخاصة بعد الضربتين المُوجهتين لسفارتيهم في كينيا وتنزانيا، ويعتقد الاستراتجيون الأميركيون أن هذا الخطر لم يزُل اليوم بل تفاقم مع انتشار الفوضى في الصومال و السودان بالإضافة إلى انتشار “القاعدة” في المغرب العربي إضافة إلى باقي المستنقعات النزاعية في القارة الإفريقية.، وتعتبر “أفريكوم” كتدعيم لمبادرة “الشراكة العابرة للصحراء لمكافحة الإرهاب” ، إن التجسيد الفعلي لتلك الشراكة بدأ مع المناورات المشتركة التي جرت في يونيو 2005 تحت مُسمى “فلينتلوك (Flintlock 2005) في السنغال، ورمت المناورات إلى تكريس الرؤية العسكرية التي صاغتها القيادة الأميركية في سنة 2003 والتي تقول بأن حماية الولايات المتحدة من الأخطار “الإرهابية” لا تبدأ من الأراضي الأميركية بل من “منابع الإرهاب” في آسيا وأفريقيا، وهنا يرى كريس براونCHRIS BROWN أن “أصبحت الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها وحدهم لهم القدرة على تحديد متى تكون المعايير مهددة وما الذي يجب أن يفعل تجاه ذلك وهنا تظهر مشكلة إمكانية ممارسة هذا التقدير لخدمة المصالح الخاصة الأميركية”.

ما وراء “أفريكوم”:
إن “أحداث 11 سبتمبر “2001 أعطت الشرعية المطلقة للولايات المتحدة الأميركية في حربها على “الإرهاب” ويعتبر مشروع “أفريكوم” تجسيدا لهذه الحرب العالمية على “الإرهاب”، إلا أن هذا المشروع يحمل في طياته الكثير من الأهداف التي تصب كلها لتكريس الهيمنة الأميركية على العالم فوجود قوات أميركية في إفريقيا هو ليس من أجل حماية القارة الإفريقية من مخاطر “الإرهاب”، وإنما هو يدخل في إطار الإستراتجية الأميركية العالمية للسيطرة على منابع البترول و الثروات و مراقبة كل الممرات البحرية في العالم من جهة ومن أجل تجسيد مشروع الشرق الأوسط الكبير من جهة أخرى ومحاولة تطبيق الرؤية الاسرائيلية التي تسعى لتفتيت المنطقة مثلما يحدث في السودان ومواجهة التوسع الصيني في المنطقة ومواجهة المد الإسلامي .
كما لا ننسى محاولة حصر الاتحاد الأوروبي و الحد من مطامعه و محاولة الولايات المتحدة الأميركية جعل الاتحاد الأوروبي مجرد رقعة إستراتيجية مغلقة من خلال السيطرة على القارة الإفريقية التي تعتبر منطقة نفوذ تاريخي لأوروبا- و جعلها قفل استراتيجي لمواجهة خطط التوسع الأوروبية و القوى الكبرى في العالم، و إدخال أوروبا في تبعية أمنية ووقف برنامج الاتحاد الأوروبي لتشكيل قوات أمنية موحدة ومحاولة التخلص من سيطرة حلف الناتو مستقبلا.
خاتمة:
يمكن القول أن “أفريكوم” هي الإعلان الرسمي للمخطط الأميركي الذي سعت لتطبيقه بعد “أحداث 11 سبتمبر “2001 – وبالتالي فانه آن الأوان لأن يضع الأمريكيون إفريقيا الجديدة على خارطتهم و أنه حان الوقت لتطبيق نظرية تغيير الأنظمة التي ترى أنه إذا فيه نظام لا يتماشى مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية فيحق لها أن تغيره بكل الطرق حتى عن طريق القوة مثل العراق، وبالتالي فان الأداة الجديدة في العلاقات الدولية هي القوة الذكية وما نشهده اليوم من سقوط للأنظمة العربية مثل العراق سابقا و تونس و مصر و ليبيا ما هو إلا دليل على انتهاء مهام هؤلاء الرؤساء ومكافأة على وفائهم للإدارة الأميركية ودليل على تطبيق هذه النظرية – تغيير الأنظمة- التي تدخل في إطار الترتيبات الأميركية العالمية الجديدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال ورقة بحتية أعدتها الباحثة كمشاركة في ورشة العمل التخصصية حول السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الأوسط وإفريقيا التي أقامتها الأكاديمية الليبية بمدرسة العلوم الاستراتيجية والدولية قسم الدراسات الإقليمية والدولية شعبة الأمريكية في الأكاديمية 2018 م.