العمود رأي

قناديل الكلمات …خشقجت صاحب المكانة الدنيا

عامر سعودي

——

كثير هم من تساءلوا عن مبرّر قتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بتركيا، مع أن ارتكاب الجريمة كان من الممكن وبسهولة في أي شارع، ويُفتح ملفٌ ضدّ مجهول وأنتهى الأمر. لماذا في القنصلية بالضبط؟ هو مركّب إجتمع فيه الغرور والحماقة، والضغينة التي تعتمل في النفوس، والمختلطة بالغضب على من سبّبها، والناجم عن تطاوله. فمن هو؟ ليس رجل أعمال كبيراً، ولا مسؤولا أو ابن مسؤول ليُسجن او تفرض عليه إقامة جبرية. ثمّة غرورٌ لا تبرّره إنجازاتٌ فكريّةٌ أو علميّةٌ أو اقتصاديّةٌ أو عسكريّةٌ يساور بعض الجهّال من أبناء العائلات الغنية أو الحاكمة مثل نوبات الجنون. ثمّة انحلالٌ ناجمٌ عن الدلال والتدلال الزائد، والتصرف في النعم غير المستحقة يحقّر من شأن كل من ليس قويا وصاحب سلطة ومال وجاه بمنطق الأنساب، الذين يحملونه كسوط جلاد ليعيثوا فسادا ويهلكوا الحرث والزرع، حيث بات علامة تخلّف، إلا في نظر من ينافح به بكل جدّيةٍ في عالم تويتر والفيسبوك الافتراضي، فضاء انتصاراتهم الوحيد. أمّا أن يتجرّأ صاحب المكانة الدنيا ( محمد بن سلمان) فهذا فعلًا تجاوزٌ لكل الحدود، فهو يصبح معارضًا “ناكرًا للنعمة”، وكأنهم يُنعمون على من يعمل من البشر، وكأنهم كسبوا ما يُنعِمون به فعلا بعرق جبينهم. إنّ أقصى ما يمكن أن يصل إليه شخصٌ بلا حسب ولا نسب، بهذا المنطق السخيف، هو أن يكون خادمًا أو مستشارًا عند هؤلاء. وعندما يقتلونه، فمصيرُه مثل مصير العبد الذي يقتله صاحبُه، فمن سيلاحظ مقتل عبد ويهتم لمصيره. فمن هو فلان؟ ثمّ يُصدمون أنّ موت فلان أشغل الناس في العالم الحقيقي، لا عالم نجاستهم الإلكتروني على “تويتر”، ولا عالمهم الحقيقي الذي أصبح افتراضيا في عصرنا. يُفاجأون بأن “الواشنطن بوست” جعلت مقتله موضوعًا لصفحتها الأولى طوال أسبوع، وتحوّل إلى قضيّة داخليّة أميركيّة تقيّد الرئيس ترامب نفسه، ليس فقط من طرف خصومه، بل من حزبه نفسه، إذ يبحث ممثّلوه عن وسيلةٍ للتميّز عن رئيسهم، ولو أخلاقيًّا. إنهم بذلك يصرّحون بأنهم ليسوا جميعًا تجارا في البورصات، ومعاييرُهم لا تقتصر على قدرة المرء على اقتناص أفضل ثمنٍ عند بيع أسوأ بضاعة، ولا شراء أجود سلعةٍ بأبخس ثمن؛ وأنّ ثمّة معايير أخرى، إضافة إلى منطق السوق، وليس بالضرورة أن تكون الأخلاق، فقد تكون الهيبة أو السمعة أو الصورة في المرآة..فالخشقجة التي تعرض لها نظام الحكم في السعودية مؤخرا بعد أن سبقتها البلدنة(أسامة بن لادن) هي سياسات تتحكم فيها وتتشاور في حبك قصتها مخابرات دول كثيرة، لرسم وتحديد مناطق نفوذها وتقسيم الثروات بينها، هي بالفعل لن تؤثر في عرش أصحاب المكانة الدنيا، لكنها ربما تكتب تفسيرا أن أوطاننا العربية لا يحكمها حكامها بالضرورة، بل هناك قوى أخرى، أكبر من ان تقبل تفسيراتنا الضيقة.