دراسات و تحقيقات

قسنطينة.. السويقة والوقوف على أطلال مدينة

كل زاوية من زواياك السويقة نقرا فيه تاريخا و أحداثا لا ينبغي نسيانها بل يجدر المحافظة عليها، طبعا لابد من المحافظة على هذا الإرث الحضاري، لكن لا يمكن استعادة وجه المدينة اللمّاع و قسنطينة تغرق في الفوضى، أين تنتشر الأوساخ و القمامات هنا و هناك، خاصة على مستوى السلالم التي تؤدي إلى مدخل المدينة القديمة السويقة، و يطل عليها جسر سيدي راشد الذي يعد معبر للسياح الأجانب، و لعل الصورة أصدق من الكلمات..؟

المدينة القديمة “السويقة” بولاية قسنطينة تشبه إلى حدٍّ ما امرأة تعرضت لأمراض مزمنة عديدة بفعل ما تحملته من مشاق الحياة و سنينها المرهقة، كذلك هي السويقة التي أصبحت أزقتها الضيقة و ممراتها تشكوا من انهيار جدرانها و اهتراء أرضيتها، و لطالما كانت “السويقة” قبلة المواطن القسنطيني في الأيام العادية و في المناسبات الدينية و الوطنية  ليس من أجل التسوق و انخفاض الأسعار فيها، و إنما لما تحتويه هذه المنطقة من تراث و ثقافة ارتبطت بشكل كبير بتاريخ المدينة خلال التواجد اليهودي، وعادات سكانها و تقاليدهم الموروثة عن الأجداد، ما زالوا يحيونها إلى اليوم، ورغم ترحيل جزء كبير منهم، ما زال أبناؤها الذين تربوا فيها يشدهم الحنين إليها  ليستعيدوا بعض ذكرياتهم و  أجدادهم.

          و الحياة في السويقة تختلف عن الحياة في باقي مناطق الولاية، إذ تعمها الحركية و الديناميكية، و بالرغم مما تعانيه اليوم من فوضى، فالذي يزور “البطحة” ينفتح قلبه للحياة، و كأن سرًّا إلهيا أضفى عليها الجمال و المحبة، لأن سكانها يشكلون أسرة واحدة، و لما لا و هم يعرفون باسم  “أولاد البلاد” ، فقد حباها الله بكل الخيرات، فهي تشكل سوقا مفتوحا، لا تسمع فيها عبارة “ماكانش”، فعلى مدار اليوم تستقبل السويقة موجات من البشر يتوالون عليها من كل الجهات و المناطق ، حتى من خارج الولاية، و في عين عبد المومن بمدخل  مسجد عبد المومن لا يظمأ أحد، و يكفي أن تقوم بزيارة من مدخلها الواقع بجسر سيدي راشد إلى مخرجها ناحية مقهى “النجمة” المحاذية لـ:”المدرسة”، ففي كل خطوة تطأها قدماك في هذه المدينة إلا و يقابلك مسجد أو حمّام، أو زاوية، مطرزين بنقوش هندسية تسر الناظر إليها، و تجعلها قبلة للمؤرخين و الباحثين في الآثار، و حتى للسياح و الفنانين،  للوقوف على ما تحويه المدينة من  كنوز ثمينة و معالم أثرية تبحث عمن ينبش فيها و  يعبر عن وجه المدينة الحقيقي، الذي لم تؤثر فيه العصرنة و يصر على المحافظة على أصالة المدينة و تاريخها.

     و الحديث عن تاريخ المدينة حديث ذو شجون ، إذ تأخذنا هذه الجولة  القصيرة إلى أيام المقاومة بين أحمد باي و العدو الفرنسي عندما حاولت القوات الفرنسية مهاجمة المدينة عام 1836 و توصل الفرنسيون إلى” المخاطرة بكل شيء من أجل كل شيء”، طمعا في احتلال الثكنات التي كانت مخصصة للجنود في رحبة الجمال و ألحقت بأبوابها ( باب الجديد و باب الجابية و باب  القنطرة) أضرارا كثيرة، لولا يقظة المدافعين بقيادة بن عيسى، الذي قام بتحصين المدينة من خلال إزالة المباني الموجودة على حدود المساحة الواقعة بين باب الوادي و باب الجابية وكذلك باب الجديد و استبدلها بحصون قوية متينة، فكان حتما على القوات الفرنسية الانسحاب، بعدما وقعت اشتباكات عنيفة في الأزقة إلى غاية “البطحة” و ربعين شريف، و لكن أعداء الثورة و الوطن سلموا رؤوسهم للعدو ، و تحالفوا مع جماعة من اليهود القاطنين داخل المدينة ، فكانوا عيونا لهم ضد إخوانهم و سهلوا للعدو مهمة الاستيلاء على المناطق الإستراتيجية، فيما عرف بسقوط قسنطينة، و ما تزال السويقة إلى اليوم تحمل في صدرها أسرارا خفية عن أحداث وقعت، وجب التأريخ لها و التعريف برجالاتها و شخصياتها ..

علجية عيش
منطقة المرفقات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق