ثقافةدراسات و تحقيقات

قراءة مطولة في كتاب .. ترامب اللغز :التراجيديا الأمريكية ومصير البشرية

د الطيب بيتي

 الذي أقوم بترجمته إلى اللغة العربية بتغيير عنوانه وتنقيحه وإغناءه بما يتناسب مع العالمين العربي والإسلامي ، فغيرت عنوان  الطبعة الأنجليزية   إلى  :”ترامب الخيماوي :  أو المعادلة الصعبة للهيمنة  الأمريكية  الجديدة  ” :بين    فلسفة التفكيك،وعقيد ة التدمير

لقد تم إختيار  دار النشر المتعاقد معها أن يكون  كتابي هذا  ،أهم  الكتب السياسية ، التي تمت كتباتها عن الولايات المتحدة  /بمنظور خارجي/  و الذي سيتم عرضه في المعرض الدولي السنوي للكتاب بمدينة لندن  إبتداء من 12 من شهر مارس ”     

    ”

 مقدمة الترجمة العربية:  

 الولايات المتحدة الأمريكية ، بلد إنتقل مباشرة من البربرية إلى الإنحطاط من دون تجربة الحضارة
/1854 – 1900/أوسكار وايلد/فنان وكاتب إنجليزي  

 لقد خامرتني فكرة كتابة هذا البحث ، عند إقامتي  في الولايات المتحدة الأمريكية  لمدة أربعة سنوات ،وعلى إثر الصخب واللغط   اللذان  أثارهما  الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، في أمريكا والعالم بأسره ،فقمت بمتابعة حملته الإنتخابية  في عين المكان، ومحاورة  أتباعه ومعارضيه  من المثقفين  والعوام على السواء لمدة  عام ، في فلوريدا في وبعض الولايات القريبة منها وصولا إلى ولاية ميسوري و ،

والملاحظ  أن الرجل قد تقلب في شأنه المحللون ،وخبط  في أمره السياسيون و الإعلاميون ، وضل معظمهم الطريق إلى فهم الرجل ،وسلكوا طرقا لا تفضي إلى حقيقة أمره، وكلهم ما فتئو يرددون نواقصه ومثالبه، وحمَلوه  تبعات كل  الفساد الأمريكي التاريخي -الإقتصادي والإجتماعي والديني والأخلاقي –، وكأن سابقيه كانوا عباقرة وقديسين أوكأن هلاري كلينتون كانت  مريم العذراء أوالقديسة جان دارك

 ولا تكاد تجد مؤلفا واحدا- أمريكيا أو أوروبيا -قد بسط  القول في ترامب بسط  المحلل النحرير، والناقد البصير ،حيث لم تستقم بعد- الإشكالية الترامبية” في إذهان خبراء السياسة الأمريكيين والدوليين- إعتبارا وإستشكالاوإنتقادا-،وإنما ظلت شخصية ترامب  مغلفة بظلال التوتر واللغو،و حامت حوله الآراء والأقاويل هي أقرب إلى الأنظارالهيجينة التي لاناظم لها، وأشتات تحاليل لا جامع لها، وإنتقادات عاطفانية هي إلى الشتم والبذاءة  والقذف أقرب  

  وطريقتي المقترحة في معالجة “اللغز ترامب”- في هذا الكتاب-هي تطبيق منهجية “سبراللغز التربوية”بإعتبارأن كل -كائن بشري أو طرح أو موضوع هو معقد  التركيب  في البداية،وبالتالي فإن أي “براديغم”جديد، أو ظاهرة جديدة – هما بمثابة “لوحة لغز” مادامت البراديغمات  والطروحات متجددة وغير  ثابتة-،بحيث لا تظهر” لوحة اللغز” في أول الأمرفي  مجملها للمراقب أو المحلل أو الباحث- لكنها تتجلى من خلال جوانب مجزأة ،عبر قطع تبدو غيرمرتبطة ببعضها البعض، وتمثل كل قطعة من اللغزأيضًا لغزًا يتكون من قطع أصغر

وحيث أن كل قطعة تساوي معلومة،فيمكننا بالتالي مقارنة المعلومات المتاحة-بعد تمحيصها – إلى أن نصل بشكل ملموس إلى العديد من المعلومات  التي تمدنا  بها  القطع المعزولة التي تقابل عددًا كبيرًا من المعلومات  المعقدة
و إذا نجحنا في تجميع هذه المعلومات  المعزولة -حسب الموضوع -وتم وضعها في مكانها المناسب –   بغرض إيصالها  فيما بينها -يمكن عند ذاك ،أن يتغير كل شيء بهدف فهم اللغز ككل، في حين أن المعلومات التي يتم أخذها بمعزل عن مكانها  وظروفها وملابساتها ، فهي باطلة ولا معنى لها عند التلاعب بقطع اللغز، بإستبدال أمكنتها بقطع مزيفة بهدف   الوصول  إلى نظرة مختلفة ومنافية للحقيقة “المؤدية إلى إستحالة  فهم  “لوحة اللغز   

 إذاً ،وبإختصار: فقد كانت منهجيتي في شأن دونالد ترامب ،هوالإهتمام بتجميع أكبرقدرممكن من المعلومات حول الرجل منذ ميلاده إلى حين رئاسته، وقمت بربط تلك المعلومات ببعضها البعض  بغرض فهم  “لغز ترامب”لأن الرجل سيظل لغزا في شخصه، وسيرة حياته، وفي رؤاه السياسية،وفي مصادر إستلهاماته السياسية البعيدة المدى، حيث أن ترامب يشخص التراجيديا الأمريكية  المتجذرة في التربة الأمريكية منذ أن أسس الدولة الأمريكية  جورج واشنطن  عام 1767 كأرض الميعاد وإسرائيل الجديدة وأرض كنعان  والدولة الصليبية،(كمفهوم توراتي –ماسيحاني) لم ولن يخرج عنه أي رئيس أمريكي سواء أكان جمهوريا ( أصوليا  متدينيا  ،هجوميا ومصادما ) وسواء أكان  ديموقراطيا ( تقدميا  عولميا إمبرياليا وإنسانويا)

 وإن تلك التراجيديا “القومية الأمريكية” هي التي ستتحكم في تحديد مصير البشرية –والتي هي الأسس التي ترتكز عليها ما يسمى “بالدولة العميقة ” حيث يُترك للوبيات ساحات-محدودة- تحت حريات وهمية  وديموقراطية مزركشة-كمسرح بالزاكي تمارس فيه لعبة التجاذب المصلحي والنفعي ،والتعارك  السياسيوي التمظهري-

وما أوباما أو هيلاري كلينتون أو ترامب ، سوى  خدم “الدولة العميقة”ينحصر دورهم في تنفيذ  الأجندات الفورية للمرحلة الحالية  التي وضعتها “الطغمة الحاكمة من وراء الأستار.

 أما المعضلة الأمريكية  في العمق فهي أكبر حجما واكثر تعقيدا من مرواغات اوباما أو “بركانيات” كلينتون أو مقامرات ترامب

 الفصل الأول”

ألغاز ترامب؟

“سوف أكون أعظم رئيس بعثه الإله لأمريكا” من أقوال دو نالد ترامب في حملته الإنتخابية عام 2016  

 -بدأ  لغز دونالد ترامب عندما سقط  مثل”جسم غريب فضائي” من النيازك العليا على 2015 .فكان منذ بدايات حملته الإنتخابية  في عام 2016 عوالم  السياسة الأمريكيوالدولية  

 ذلكم الرجل الهائج النفور،والجامح  الغضوب الموتور،الجانح عن السياسة  المتعارف عليها  في القواميس الأمريكية  والدولية التقليدية وفي فلسلفة السياسة ،وذلكم  السياسي المستعصي عن الفهم والسيطرة  والخارج عن المألوف في مفهمة السياسة      

-فجر السياسة الأمريكية من الداخل ،شظظ معتقداتها،وأد نظرياتها،زعزع منظريها  وحقَر متعاطيها

–حطم التقنيات الثابتة للإعلام الأمريكي وأدواته  المعروفة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى

-مسخ  منهجيات البروباغاندا الأمريكية الكلاسيكية ،وقواعد نظريات” السيكو-سوسيولوجيا” التي أوجدها -حفيد العلامة سيغموند  فرويد-” إدوارد بيرنيس “- في عشرينات القرن الماضي،كما حطم  قواعد”علم نفس الأعماق”ومرجعيات علم النفس السياسي التي طبعت حملات الإنتخابات السياسة الأمريكية التاريخية وصبغت إعلامه  بالتهريج  والعجيج منذ بدايات القرن العشرين

-كذًب بنجاحه المفاجئ في الإنتخابات الأمريكية  كل”يقينيات “إستطلاعات الرأي  السياسي والإجتماعي المتربعة على عرش تقنيات” سبر”الآراء”التي ظل  رهبانها  من”نخب التين طانك” “وخبراء”الصحافة الأمريكية يروجون لقداستها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى

  -حقًرالنخبَ المفكرة  الأمريكية ،وأشعل حربا شعواء على أصنام و”أيقونات”هوليود”وعلى نجوم الإعلام والسينما، غير أنه لم يتعرض لمن وراءهم من اللبويبات الضاغطة وآلهات الأبناك و أباطرة المال

-أذل كل ساسة العالم- وخاصة العرب –حتى أحلافه التقليديين في كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا،ما عدا روسيا” بوتين”-وذاك تساؤل سنحاول الإجابة عنه في هذا الكتاب

– بث الرعب في نفوس معارضيه السياسيين وخاصة  أعداه  من الحزب الديموقراطي، وكذا فئات من الجمهوريين الموالين للصقرين : الراحل “ماكاين “و”روميني” من رواد المحافظين الجدد المتشددين  في الحزب الجمهوري –الذين  أفرزتهم الظاهرة البوشية   في الألفية الثانية-، فتعالت  أصوات المرتعبين  من كلي الحزبين،تردد أصداء “خيانة ترامب العظمى” وخطييته الكبرى بالتحالف مع الروس- أعداء ” الأمة الأمريكية شعب الله المختار”- منددين ب “ترامب العميل” التابع لبوتين  راسبوتين الرهيب، ،ومتوعدين روسيا المارقة ، الملحدة  البشعة ،وعدوة الإنسانية والديموقراطية، بينما يتطرًب الإعلام الأمريكي المعارض لترامب –في صورة -CNN بشياطين الكاجيبي والمحاربين الجدد المتخصصين في”الحروب السيبيرية”والقرنصة الإليكترونية مضخمين من قدرات الروس الخارقة التي عجزت-للغرابة- عن كشفها  في أوانها كل  جيسمبوندات سكوتلياندرد ، والموسادCIA وFBI

-توعد غريمته هيلاري كلينتون– المتعفنة والمحتالة في نظره- بالويل والثبور،والزج بها في غياهيب السجون بمجرد توليه الرئاسة ، غير أنه إثر نجاحه- الغيرالمنتظر من الإعلام الرسمي الأمريكي والدولي- تأخر عن موعد إلقاء خطاب التولية نصف ساعة، حدث خلالها ما حدث ولا يعلمه أحد ،سوى رب العلمين و صهره “كوشنير” ،فخرج على الجميع ،مفاجئا أتباعه بالإشادة بهيلاري، وبعملها الجاد والجيد أثناء حملتها الإنتخابية، ونعت العائلة كلينتون ب” الأناس الطيبين”

-يدلي ترامب بإعجابه ببوتين في كل مرة يرد فيها على الصحفيين بشأن”التدخل الروسي المزعوم  في الإنتخابات الأمريكية”،ويدعوإلى التقارب الروسي الأمريكي،والتنسيق في المجالات الحيوية العلمية ومكافحة الإرهاب، لكنه بالنقيض يستفزبوتين،أوبالأحرى- يجس نبضه، محاولا  إستجلاء مدى صلابة عوده  ومتانة قدرات الروس العسكرية، بضرب دمشق في عام واحد مرتين،وبنعت حليف بوتين  الصفي- بشارالأسد، ب”الحيوان”و المجرم قاتل الأطفال،بينما ردد الإعلام أن ضرب سوريا جاء نزولا على طلب إبنته الصفية   المتهودة ” إيفانكا”

و مع ذلك إستمر ترامب  في محاولة التقرب من بوتين،معرضا منصبه وحياته وطموحاته إلى الخطر، ثم تقلب وصرح في  الشهور الأخيرة من سنته الثانية لولايته ، بأنه قد يكون  أكثر الرؤساء الأمريكيين مناهضة  وعداء للروس من أجل التخفيف من  حدة وطئة الجهات الموالية لطروحات الحزب الديموقراطي  و النخب الليبرالية  المستفيدة من العداء التقليدي التاريخي للروس منذ الرئيس ترومان الذي أتحف العالم بمهزلة الحرب الباردة،

  وسيبقى لغز العلاقة الغريبة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين قائما ومرتبطا ما بين الشذ والجذب ومغلفا بعنصري الإثارة والتشويق في كل مدة رئاسة ترامب،بسبب ترجيحه  لطرحي هنري كيسينغر وZbigniew Brzezinski القائلين  بالتقرب من الروس من أجل إحتوائها بهدف محاصرة الصين التي هي  العدو الألد للمصالح الأمريكية على المدى البعيد ، بحيث لم تفعل القمة بين الرئيسين الأمريكي والروسي التي إنعقدت في هلسنكي بفنلندا- يومه16 يوليو من عام 2018 –  أي شيء لتبديد الغيمة الكثيفة التي كانت تحوم فوق الرجلين منذ وصول ترامب إلى السلطة

-زارترامب منطقة الشرق الأوسط لأسبوع واحد فأحدث فيها شرخا عميقا لن يُنسى، وأثارتشانحات ما بين الأخوة العرب الأشقاء في منطقة الخليج والشرق الأوسط  لن تُبلى،وعمق الجراح التاريخية العقدية والإيديولوجية ، بالنفخ في جمرة الفتنة  الشيعية /السنية والدفع به  إلى الواجهة  ليلبسه  لبوسا  سياسيا وإيديولوجيا وجيو-سياسيا، بغرض التهييج لحرب طاحنة في المنطقة  لصالح  الكيان العبري، فحقق  في المنطقة ما لم يستطعه الإستعماران الفرنسي والإنجليزي لقرن كامل

-أنجز ترامب ما لم يجرؤعليه أي رئيس أمريكي منذ “هاري ترومان” بتحقيقيه للحلم” التوراتي العبراني”القديم عبرتحويل “القدس” العربية -الإسلامية  إلى”أورشاليم  الخالدة  التوراتية “كعاصمة  للكيان العبري –مهددا الدول  التي إمتنعت عن التصويت لصالح” مشروعه بالعقوبات وسحب المعونات ووضعها في قائمة الدول المعادية  للولايات المتحدة وإسرائيل فما هي اللعبة السياسية الحقيقية التي لعبها ترامب بهذه

 الورقة؟التي ظاهرها نعمة على الكيان العبري ودول أقليمية عربية تدور في فلك إسرائيل والولايات المتحدة ونقمة على الفلسطينيين  أم ماذا؟ 

 -سحب ترامب  الولايات المتحدة من منظمة اليونسكو الدولية ،ولحق به الكيان العبري تحت دعوى  أن اليونسكو بات منبرا” للاسامية” ومعاداة  لأمريكا وإسرائيل

كما سحب لاحقا بلاده من مجلس حقوق الإنسان من أجل تبريرفصل إدارة ترامب لحوالي 3700طفل  من  أبناء المهاجرين عن آبائهم على الحدود الأمريكية المكسيكية،حيث باتت” أمريكا ترامب أحد  أخطر منتهكي حقوق الأطفال في العصرالحديث، وهي خطوة نموذجية  يدرسها الكيان العبري السباق بطبيعة  نظامه العنصري  من أجل تطبيق نفس الإجراء عمليا 

   -يتم لأول مرة في التاريخ الأمريكي المعاصرفي عهد ترامب الإلتحام التام ما بين الولايات المتحدة ك”أمريكا أرض الميعاد”و والكيان الإسرائيلي، ك”إسرائيل العهد القديم التوراتي”-أو الكيان الصهيوني المعاصر” ليصبحا كيانا واحدا، بحيث بز ترامب كل نظرائه من الرؤساء الأمريكيين  السابقين في مجالات الصهينة والغطرسة  والإذلال للعرب؟

-خطط ترامب لإحتلال منطقة الشرق الأوسط –وإهدائها على طبق من ذهب- للكيان العبري ،  عبر ضرب إيران واضعا إياها “كحصان طروادة أوكعب آخيل” للسيطرة على المنطقة وتقاسمها مع الشقيقة الصغرى إسرائيل، بحماية   بأموال عرب  من”أهل السنة والجماعة”  ثم يتم إلحاقهم  كذيول  ومماليك للكيان العربير  فضرب ترامب بذلك عصافير بطلقة واحد ة

 من جهة أولى: تحقيق مشروع تخليص الخليجيين من إيران الشيعية،عدوهم التاريخي التقليدي و”الإيديولوجي”والعرقي والمذهبي، مقابل إستنزاف الأموال الخليجية  القارونية مقابل “الحماية ” ضد  البعبعين  العجمين المسلمين : الإيراني والتركي،وضمان صمت ما يسمى ب” المجتمع الدولي”  المنظمات الدولية الدائرة في الفلك الإمبراطوري”الأسرائيلي-الأمريكي” عن الخروقات والتعفن السياسي العربي

وثانيا   من إجل إعمار الخزينة الأمريكية المفلسة، ، والدفاع عن “بيضة الإسلام السني”،و”تحصين الحصن العربي من المحيط إلى الخليج ،وخاصة “مجلس  التعاون الخليجي” مستعينا بمُصلح النظام السعودي الجديد الأميرمحمد بن  سلمان،ولي العهد السعودي- المقرب الصفي والصديق الوفي  لصهر ترامب “جاريد كوشنير”(- الموسوس     في آذان الرئيس الأمريكي عند الحاجة وفي  الملمات والضائقات  وعند الإستشارات،- -المنظر والمسوق لأكبر نكبة قد تحل بالعرب والملسمين المسماة ب” صفقة القرن”)– –  حيث أن  الأمير سلمان يتعض  بجاك أتالي  -المستشار  الأسبق لميتيران وساركوزي وهولاند، والمنظر ل”مشروع “أورشاليم  كعاصمة  كونية لحكومة العالم الجديدة

وهذا الأمير نفسه “يستمع ويستشير ب الفاشل سمسار بنك روتشيل-  –

 ومن جهة  ثانية: ينجز ترامب تفصيل خريطة الشرق الأوسط الجديدة   على مقاس  مشروع ناتانياهو الذي جيء به من طرف حاخامات تل أبيب إلى السلطة ،وهوإنجاز”الإمبراطورية اليهودية “الموعودة  منذ آلاف السنين ،

 فأخضع ترامب بذلك العالمين الشرقي والغربي إلى إرادته ،ليكره البشرية على قبول مشروع “القومية اليهودية”،بالتشطيب النهائي للهوية العربية والإسلامية لفلسطين وشعبها العربي والمسلم ،إنجازا لحلم تيودرهرتزل وهي” إمبراطورية يهود الشتات من “النيل إ لى الفرات-

ومن جهة ثالثة : إذلال حكام دول الخليج الذين مولوا عدوته  هيلاري كلينتون في حملتها الإنتخابية، وتركيعهم للمصالح الأمريكية والإسرائيلية،فسلموا له مفاتيح خزائنهم  القارونية، وخرائطهم الستراتيجية  وكشفوا له عن مشاريعهم المستقبلية , وبسطوا له   خيرات بلدانهم  النفطية يتصرف فيها كيف يشاء ومتى شاء ،

 -عمًق ترامب في الذهنية السياسية الأمريكية والعالمية “شرعنة”  طرق  الخداع ووسائل التحايل  الممارسة في لعبة القمار وفنون المراوغات  في المباريات الرياضية التي تخصص  ترامب في تنظيم بعضها  في الثمانينات حيث يقوم  بالإيحاء بقرارات خطيرة من أجل صرف الأنظار عما يضمره ليأتي فيما بعد بعكس ما صرح به   :

فقام  إبان حملته الإنتخابية الأنظمة العربية الخليجية الثرية –الكسولة المتعفنة والمتأخرة والمتبنية للإسلام المتطرف الأصولي- حسب تصريحاته– ويشيد بصدام حسين والقدافي وبشارالأسد ويصفهمم” بالأناس الطيبين” “good  guysلأنهم حاربوا التطرف الإسلامي والإرهابي الدولي,-حسب تعبيره-

وبمضي أشهرقلائل  على ولايته  شاهد العالم خلط  مفاهيم” اللوغوس”- “بالباطوس”–  فأصبح حماة الوهابية والسلفية المجاهدة و مشايخ الصحاري وأمراء النفط هم الأناس

الطييبون ومعتدلو الإسلام وديموقراطيو العربو المسلمين

-طمأن ترامب  في البداية حلفاءه  من الأوربيين والأسيويين  والعرب ، بضمان حمايتهم في بدايات ولايته، ليتراجع بعد أشهر قلائل بتذكيرهم بدفع أثمن  حمايتهم ، فأثار على نفسه زوابع من الإنتقادات  لدى الكونغرس  والمعارضين له  مذكرا بعض الدول الخليجية بزوال أنظمتهم  في ظرف أسبوعين في حالة رفضهم مقابل حمايتهم معاملا إياهم، و كأنهم  مومسات في حي البيغال بباريس  أو ببروكلاين بنيويورك

 -تعتمد أساليب ترامب في سياساته الداخلية والخارحية على ألاعيب محترفي نوادي القمار-التي يمتلك بعضا منها بلاس فيغاس-وهونهج يناسب العقلية الأمريكية التسطيحية  والمولعة-أنثروبولوجيا- بالتفاهات ، واللهو والقمار والمغامرة ،   

 فيبدو دونالد ترامب في قراراته السياسية : ذلكم الرئيس الأمريكي الذي  لا يهدؤ له بال،ولا  يقرعلى قرار ، الوقاح المرذول، والمغامر الجسور، والنرجسي المغرور،  ،كلما تحرك إلا وخضخض الأمريكيين وزعزع  ساسة البسيطة  أجمعين ،

 -تحول  منذ الشهر الأول لولايته من” الإنعزالية” إلى ” الهجومية ” والتوسعية  ، ثم عاد من جديد ليُشهرورقة الإنعزالية وملوحا بالحروب الإقتصادية على كل بلدان اليابسة التي تهدد إقتصاد بلاده ، والتلويح  بأشد العقوبات الصارمة  ضد الخصوم والأصدقاء معا

– قام بإستحداث “الناتو العربي”بقيادة النظام السعودي في الظاهر، وبترشيد إسرائيلي لوجيستي وتخطيطي وتاكتيكي في الخفاء- من أجل الدفاع عن المصالح الأمريكية وتحصين إسرائيل ودول منطقة الشرق الأوسط من” الغزوالفارسي” الإيراني ، و”السلجوقي”التركي، والدفاع عن بيضة ” الإسلام السني”  الموالي للغرب، وإستثمار إسلام حثالات  السلفوية الجهادية العابرة للقارات في مقارعة النظام السوري  والإيراني على المدى القريب، وإستغلاله لاحقا  في التخريب الداخلي “للبلدان المارقةّ” عن الطاعة الأمريكية على الكرة الأرضية، ومقارعة ” الإسلام الشيعي” الموالي   للنظام السوري  العلماني و للروس الأرثوذوكس،

تلاعب ترامب بالقضية الفلسطينية والسعي على تفتيت  ما تبقى منها عبر ما يسمى بقضية القرن، بالضغط على حكام المنطقة للتطبيع الكامل مع الكيان مع الكيان الإسرائيلي، وتكليف  صهره جاريد كوشنير، ليلهو و يعبث بمصير الفلسطيين بتذويب قضيتهم     مثل ذوبان الملح في الطعام

-دعا إلى”الإنعزالية”وإلى السلام الدولي في حملته الإنتخابية، فقام بتهديد فينزويللا وكوريا الشمالية وإيران فوررئاسته مذكرا العالم بأسره بتوسعية سابقيه وبإستمرارنظرية”الحروب الإستباقية” ومحاربة ” الدول الفاشلة  والمارقة”  ،  حيث  صدم العالم  في أول مناسبة  حضوره بالأمم المتحدة – بمحو  كوريا الشمالية من الخريطة  الدولية وإبادة حوالي 24 مليون نسمة من سكانها، وهدد رئيسها بالويلات  والثبوروعظيم الأمور،متلفظا في شأنه ببذئ  الصفات وقذارة الألفاظ، حتى ظن  العالم  أنها البداية لحرب نووية  عالمية ـ فإذا به  -بين عشية وضحاها -يقوم بحلق شنب هتلرويخلع قبعة  موسيليني ويرتدي  عباءة  غاندي،فيعقد صلحا مع ” الديكتاتور الكوري الشاب” ويمدحه بجميل الألقاب، ويشيد بثراء الخيرات الطبيعية  بكوريا الشمالية، ويهيب بالمستثمرين الأمريكيين  في إنجاز مشاريع سياحية  أمريكية على شطئان البلاد ” الإيكزوتيكية” النظيفة والبعيدة عن التلوث والإكتظاظ، فيضع المحللين السياسيين في العالم بأسره في حيص نبيص ،متسائلين عمن غرر بمن وبمن تلاعب بمن ومن هو هذا الرئيس الأمريكي المتزئبق  مثل سمكة مطلية  “بالزيت البلدي ؟””

وكان ساسة   عرب الخليج   هم الحلقة الأضعف في  دائرة ترامب  ، حيث سيعلق “الأغبياء المفيدون” من العرب  خيباتهم   المزرية الجديدة في سلسة  حلقات إرتكاساتهم  التاريخية  المقيتة ،  على شماعة  دونالدترامب،

– إتسمت  العلاقة المميزة لترامب مع العرب بالعلاقة ” السادو-مازوشية” حيث يتلذذ بإذلالهم كلما عنت له الفرصة لذلك، ولا يتوانى رمشة عين في إظهار إحتقاره لهم علنا أمام كاميرات العالم ، و كلما أذل ترامب الزعماء العرب كلما إزدادوا كلفا به  وطاعة وخضوعا له -وللناس فيما يعشقون مذاهب

-أوصل ترامب الكيان الإسرائيلي  إلى حيث يريد،وأوصل  الشعوب  العربية والإسلامية إلى حيث لا يريدون  و قادالساسة العرب إلى حيث لايدرون،

-هدد ترامب معظم  قادة العالم وأنظمته  بالحروب ، الإقتصادية أو التدميرية ،أو بعزلها، أو بإثارة  قلاقل داخلية  فيها  كما كان الشأن بالنسبة لإيران- ، أومنع المعونات عن الدول الفقيرة والحليفة ما عدا إسرائيل ،مستخفا بذلك بالرأي العربي والإسلامي والعالمي-

-حقق لليهود التلموديين:مشروع”إسرائيل الكبرى”التاريخية ،وفي نفس الوقت قام بطمأنة”دعاة”حكومة العالم الجديدة “بإنجازمشروعهم “في جعل”أورشاليم -أوالقدس:العاصمة الكونية  لحكومة العالم الجديدة،رغم إدعائه   بمناهضة “النظام العولمي النيوليبرالي الجديد”،وهي خطوات زادت من شعبيته لدي الجمهوريين والديموقراطيين والليبراليون الجدد على السواء….، فمن يستغل من ؟فهل هو قومي ووطني أم عولمي وما ذا  يعني”المذهب الترامبي”؟-

-إحتارالخبراء في تصنيف هذا الرجل فيما إذا كان مٌخطِطا بعيد النظر؟أم مجرد أفاق وسمسار ومقامر؟ حيث -ما فتئت شعبيته-حتى كتابة هذه السطور- ترتفع  لدي الفئات الشعبوية في كل بقاع الولايات المتحدة الأمريكية  وعلى طول وعرض أوروبا  حتى في أمريكا اللاتينية /تلك الحديقة الخلفية  للمصالح الأمريكية–كما هو الشأن  في  البرازيل-،

– يتساؤل  خبراء كثيرون : هل  ترامب  مختل عقليا ومجنون ؟أو”جحا” العصر” المتهابل؟ أم هو شالرلمان  الغرب الجديد ؟ أو هتلر/ أوموسيليني ؟وهل سيمشي على مذهب مونرو أوالروزفيلتية أم الويلسونية،أم الريغانية ؟ أم نه يجب البحث في مكان آخرع ” عقيدة أمريكية جديدة”غير مسبوقة باللباس الترامبي المتميز ؟ أم هي مجرد لعبة أمريكية جديدة محبوكة ما بين ” الدولة العميقة” وماكينة الإعلام الأمريكي المُشترَى و المُسيَِر ؟

-كلما تصارخ  الإعلام الأمريكي والدولي ،وولول منتقدو وترامب،أوتبارى الكتاب والمحللون النفسيون والصحفيون،في محاولة إثبات إختلال عقله وقلة خبراته،وهتليرته وعدواننيته وعنصريته وإرتجاليته وتقلباته ، كلما فاجأ الجميع  بقرارساخن جديد، وبتصريح مستفزوبخطوة غيرمنتظرة،حيث يبدو أشبه ما يكون بالسادي  المتلذذ  بتعذيب  معارضيه المازوشيين السياسيين والإعلاميين، فيبدو في كل مرة أكثر ثعلبية وإنزلاقا  وإستعصاء على الفهم و التصنيف،حتى أصبح موضوعا معقدا لخبراء التحليل النفسي وعلم النفس السياسي  والتحليل السياسيى وعلوم الإقتصاد  والجيو-سياسة

  -تقمص في بداية إنتخاباته ثورية سبارتاكوس، وبعد شهرمن ولايته تحول إلى غورباتشوف أمريكا ،وعندما ذاق طعم السلطة وإنتشى بخمرة الحكم والإمارة ، تحول إلى”قيصرروما” ب ضرب سوريا مرتين ،وتهديد فانزويللا وكوريا  وإيران ،ومناوشة  الصين  تجاريا لجرها إلى حرب مصادمة،والتحرش بروسيا على أرض

المعركة بسوريا مرات لجس نبضها  ومعرفة ما تخفيه في جعبتها من جهوزية  قتالية و قدرات  عسكرية آلية

وهكذا يتساءل الجميع:

 -هل ترامب ” عولمي-ماسوني” جديد في نسخة ليبرالية جديدة  في صورة  “ماسيحانية برو تيستانية –إنجيلية “جديدة ؟ أم عنصري وفاشي  وبطل “شعبوي ” وقومي؟  أم مقاول جديد  في  فن السياسة الجديدة  المستجيبة للأجندة الواقعانية  والحقيقية  ” للنخب السياسية المسيطرة على  مقادير الشعب الأمريكي  والدولية،  المروج لها عبر  اللعبة القذرة الخفية ما بين ترامب  والإعلام  الأمريكي  الأجير ؟

أم  أن  زئبقية ترامب مدروسة ومفتعلة بهدف خلط الأوراق لصرف الأنظارعن” الحقائق”  والمخططات الحقيقية  الخفية   للدولة العميقة  في الولايات المتحدة؟

-أم أن زئبقية ترامب  ستكون  بمثابة  القشة  التي ستقصم ظهر البعير  في إشعال حرب أهلية داخلية-مخطط لها  منذ أوباما -عبر حروب  خارجية  ؟ لكي تصبح” أمريكا أضعف من جديد؟ ولصالح  من؟” بدل”تجفيف  مستنقعات البيت الأبيض المتعفنة –” كما ردد  ترامب خلال حملته الإنتخابية؟

– أم ستجف مخيلة ترامب وينضب معينه، فيسلم الأمور كلها إلى “الدولة العميقة ” و” جماعات الضغط  الحقيقية  في واشنطن ” التي ما فتئ يحاور  رموزها ويناوردهانقتها  ويفاوض نخبها ؟،أم سينتهي به الأمر إلى تقديم  الولاء والطاعة ” لتلك “ا لجماعات  الحاكمة الحقيقية في أمريكا،- التي لا تعلن عن إسمها- ، أولائك الذين  جلبوا من قبله  بوش وأوباما إلى السلطة؟ ليدمر بذلك أمريكا- أولا-بدل من أن يجعلها عظيمة؟ ليلحق بها الكرة الأرضية؟ أم أن وراء أكمة  ترامب أشياء  أخرى لا يعلمها إلا الله وإيفانكا وبعلها جاريد كوشنير؟

-وبأي سيناريو ستنتهي ولايته؟: بسيناريو العزل والإستقالة  مثل ” نيكسون -على خلفية “ووتر غيت”؟ أم على هدي سيناريو التنحي -بالتراضي-؟ أم على سيناريو التصفية الجسدية على طريقة إبراهام لينكولن و كينيدي

؟

 و هنا :لاأحد يدعي الإجابة عن هذه التساؤلات ،مادامت  أجندات ” الدولة العميقة” وّجماعات  الضغظ  التي  تنتقي  الرؤساء الأمريكية – والتي قال في شأنها أشهر رئيس أمريكي ” فراكلين روزفلت” حين قال”: الرؤساء الأمريكيون يُنتقون ولا يُنتخبون” بالإضافة إلى  أن ” الحقائق”  لا يعرفها الإعلاميون  في الولايات المتحدة التي من  مهامهم الأساسية هي التضليل الإعلامي و التعمية على حقائق الأمور   

-وخلاصة القول- و قبل التفصيل لاحقا في كل ما سقناه  من تساؤلات – يمكن وصف ترامب بذلكم “الخيماوي”–بالمعنى الصوفي- الذي جمع من كل الأشياء عجبا: ما بين همجية بوش وعنفه، وغطرسة  موسوليني وفاشيته، ووقاحة  ساركوزي وجشع ودهاء  تشيرشيل وخبثه ،ولولبية  أوباما وخداعه ،غير إنه ليس بذلك الخب الذي  ينخدع أو ينساق  إلى السهل من الحلول ،وهو ذلكم المفاوض  المشاكس العنيد  اللعوب  الفض  الذي  لايقهر، والمغاور المداور الذي إذا سلم  في معترك  المفاوضات السياسية بأمر،فإعلم أن من وراءها  أمر آخر،حيث يبدو لمعظم الأمريكيين و كأنه بطل أسطوري أوطلسم من طلاسم  علوم الفلك والرمل     

،

-ومخطئ من ينساق مع التيارالمتسرع والتسطيحي،الذي يصف ترامب بالمأفون والمختل والغبي ؟حيث سيفاجؤ الأمريكيين والعالم كله من جديد عندما  سيعود ترامب إلى الساحة الإنتخابية لعام   بنجاح؟وكيف  ؟–كما وضحت ذلك بالتفصيل في فصل مطول من فصول هذا الكتاب-؟ حيث أن الرجل هوأكثر لغزا وزئبقية وثعلبية مما قد يُتصور، ويخفي في”ثلاجته المغلقة” من الحركات السيركية البهلونية و” المقالب” اللولبية ،

والتخطيطات الأخطبوطية مما يجعل المحللين السياسيين المحليين والدولين  يتساؤلون في كل خطوات ترامب المدروسة  عن ” النبأ العظيم” مثل المبتدئين  الصبيان  و ” المحششين”،

-سيعيش الأمريكيون  في الداخل   في عهد ترامب، صخب موسيقى الروكنرول  الأمريكية ، وسيعيش العالم على صفائح  ملتهبة  عبرالإثارة  الهيتشكوكية  في السياسية الأمريكية الجديدة ،عبر عنف التفكيك أو التدمير، بهدف إعادة  التركيب  من أجل التغيير،بتعزيز”مذهب الصفر الغربي “أو مذهب” تينا”الذي يعني:”لا يوجد بديل  للدول المنهوبة” الذي هو مذهب الأنغلو ساكسونيين : “ماغاريت  تاتشير”و”رولاند ريغان “، بغرض تحقيق” مشاريع :”أمريكا أولا”و” أمريكا العظيمة من جديد ” و”إسرائيل  المحصنة من جديد””      

ومن هذا المنظور:فإن الوضع العالمي الجديد في الزمن الترامبي ، سيكون زمنا صعبا ومعقدا لا يعرف مبتدؤن من خبره –

  ولقد كان الإتيان بترامب  المتزئبق مؤشرا للحلقة المفقودة أوالحلقة الأخيرة في الأنظومة الأمريكية التاريخية عبر مشروعها  الأخير للهيمنة على العالم  –

 كما أن”الدولة العميقة “في الولايات المتحدة  بإنتقائها لترامب قد إختارت للعالم وخاصة للمنطقة العربية “منهج العصا”الغليظة و”اللخبطة” معا،بخلط التدليس  والتلبيس في الكواليس بمشاريع الصدام العنيف/كمشاريع ترامبية قادمة أو مشاريع  التهويل  بالتدليس ما بين حالتي  الحرب  واللاحرب، بعد أن إستنفذ”التغييرالأوبامي ” المتخابث ، وأوصلت حروبه الناعمة و”حملاته الإنسانية”-الصليبية الجديدة- الأطلسية ، المنطقة العربية  إلى ” ماد

ماكس بتخريب المنطقة العربية  ،بالترويج للربيع العربي وتدمير ليبيا وسوريا وخلق الدواعش  

وسيعيش العالم العربي –طيلة عهد ترامب- مفاجئات الممارسات  الستراتيجية الأمريكية الجديدة،بالهش على ظهورالشعوب العربية،عبر إستكباش الحكام العرب المنغمسين في عبثيات إهتماماتهم النكوصية والهروبية والقطيعية،ما داموا غيرمهيئين-منذ عقود- لمواجهة رياح التغييرالغربية المقبلة العاصفة–،وستظل الشعوب العربية بنخبها وحكامهاغارقين في بحورإرتكاساتهم وعبثياتهم الوجودية،متشبثين بمناهج الإمتثال الفج للغرب بالتكراروالإجترار،ومتمسكين ببراديغمات أركية بائدة ومتعفنة،يسمونها-سفاهة  وبلادة-ثورات وإصلاحات وتغييرات-،متطوحين في مطاوح الرجعية و”الأسلمة”و”الأسلفة”والقشرة جاهلية ،وتائهين في السبل المسدودة  للبرلة الجديدة، والمسوخ المستحدثة لأطروحات”المابعد”المؤدية كلها إلى”التطبيع” مع الكيان العبري ،

 وقد كان بالأمس أوباما  وهولاند وساركوزي  وبلير وكامرون واليوم تيريزا ماي و اليوم  ترامب وغدا أمر..  

الفصل الثاني

مدخل إلى فهم ” خيماوية ترامب” :

” لاشيء يحدث بالصدفة في السياسة/الأمريكية/وفي كل مرة يطرؤ حدث  سياسي جديد /في أمريكا/ فيقينا أنه قد تم التخطيط له  لكي يظهر بتلك الطريقة”:

  الرئيس الأمريكي الأسبق ” فرانكلين روزفلت

“لا توجد سياسة جديدة، بل هناك السياسة فقط –بالتحديد-المبنية على التجربة التاريخية،ومعرفة  الرجال والشعوب” جاك بانفيل

مقدمة  توضيحية :

بداية، لا بد من تنبيه القراء المتسرعين والغير المستأنسين بالتحليلات السياسية أوالجيوسياسية، بأنه  ليس من  شأن  البحث العلمي الرصين في مجال السياسة ، الإغراق  في النقد اللامنهجي والتصورات المسبقة  بغرض  تدمير السياسي المدروس، أوالإيغال  في تلميع صورته  لأغراض “سياسوية”، فتلك طرق هي أقرب  لغة ” البروباغاندا” وهذيانات  الإشهار

 ومن هذا المنطلق : فلا بد أولامن معرفة شيئين يجب وضعهما في الإعتبارعند محاولة وضع تنبؤات سياسية مستقبلية ولو كانت مستقاة من مصادربحثية أكاديمية، مادام الباحث السياسي الخبير،تواجهه عقبات كأداء يجب تجاوزها مثل: 

 مشكلة “الحيادية المفترضة “- والميولات أو إلإنحياز الخفية  التي تتأرجح ما بين  التقليل المخل أوالتضخيم المبتذل : 

بمعنى: أن يقلل  الباحث من شأن التبعات المحتملة على المدى القريب.

وثانيا ، أن يغفل عن الإنتباه  إلى التبعات المحتملة على المدى البعيد والتقليل من تـأثيرها مستقبلا.وهما ثُلمتان تهجنان صاحب الطرح  وتعيبان دعواه  

وفي نفس السياق أستطرد لأقول:بأن أي تحليل سياسي–سامق أوهابط -هومجرد تحليل،لا يعني اليقين،بل هوفقط  قراءة متأنية–قدر الإمكان- لحدث سياسي ما،أوعند تحليل  شخصية سياسية ما ،بطريقة  بعيدة عن الأهواء الشخصية والتصورات المسبقة والتصنيفات المغرضة،بغية التوصل الى نتائج إحتمالية-مهما بلغت رصانة التحليل ، ولا يتم ذلك إلا بمحاولة ربط الحدث السياسي أوالشخصية السياسية المدروسة بمعطيات /تاريخو-أنثروبولوجية- بغية  الحصول على النتائج المتوخاة ، المعرضة-مع ذلك – للخطإ أو الصواب أو القبول أو الرفض

ومن هذا المنظورفقد  حاولت في هذا الكتاب عرض ظاهرة  الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب”سواء على أرض الولايات المتحدة الأمريكية أوعلى المشهد الدولي بنهج  محاولة معرفة الأوجه المختلفة والمتناقضة التي تلف صورة الرجل، والتي يمكن تلخيصها في توصيفين  : هل هو تاجر خردوات ومقامر  نصاب،  أم مُخلِص و  بطل؟

وبموجب هذه الإعتبارات  فأعترف سلفا بصعوبات تواجه مهمة هذا الكتاب يمكن تلخيصها فيما يلي:

 الملاحظة الأولى:

محاولتنا الإبتعاد عن الأساليب الصحفية الرخيصة ،التي تسعى إلى  البحث عن الصدارة بطرق الإثارة ،والتنقيب عن “المعجب”والغريب تزلفا لعشاق الشاذ والطرافة  –لأن الرجل في حد ذاته  يُكَوِم ُ حول نفسه  أطنانا من المتناقضات  والغرابات   من قمة رأسه و فروة شعره إلى  أخمص قدميه. وهي وسائل درج على إستخدامها منذ كان مراهقا  عندما كان أبوه يكلفه  بعد الزوال عند مغادرته المدرسة- بمتابعة مكتري شقق أبيه الذين لا يؤدون نفقات الكراء-” بطرقه الخاصة”  المعروفة لدي ّ مافيات نيورورك”-مما يبعد عن الرجل تهم الإرتجال والتسرع والجهل والحماقة –بينما هو في الواقع يتعامل بشفافية في عالم السياسة المعاصرة التي أصبحت ميدانا  خصبا للبلطجة  والخسة والنفعية- فيكون بذلك أكثر وضوحا من كل الرؤساء الأمريكيين المنافقين  اللعوبين. –

إنما هذا الكتاب مؤسس على البحث المنهجي،بقصد فهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- الذي أثبت عن طريق حملته الإنتخابية وخلال السنتين الأولتين من رئاسته ، بأنه اليوم هو” الإمبراطور الغير  المتوج” على ” الإمبراطورية الأمريكية” الجديدة-التي لا تعلن عن إسمها ،وهوالرئيس الأمريكي الأكثرإستفزازا في التاريخ العالمي  المعاصر-كما سأتبث  في فصل مطول  بأن دونالد ترامب هو أقل  الرؤساء  غرابة وشذوذا  في تاريخ  الولايات المتحدة –

الملاحظة الثانية:

يمكن التقليل من”ظاهرة ترامب” أو تضخيمها عبرمقاربة تبسيطية كسولة وعجولة،ثم يتم  تصنيفه –سلبا أوإيجابا-  وينتهي موضوع البحث ،ولكننا لن نستطيع”فك الطلسم الأمريكي” المعقد، لأن وجود  ترامب نفسه  على رأس أقوى دولة في العالم–التي هي الولايات المتحدة  الأمريكية – يعني أن هناك خلل ما في النظام السياسي الأمريكي،و الدليل الملموس  على وجود “فجوة عميقة معقدة” ونقط سوداء في تاريخ  الأمة الأمريكية  التي تريد لنفسها أن تكون ” إستثنائية  في التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة وفي سائر أوجه الحياة”

 و يعني أيضا أن هناك تساؤلات غير مفهومة في سيكولوجية الشعب  الأمريكي نفسه

.بمعنى: أن دراسة ّ ظاهرة ترامب” ستساعدنا على فهم وإستيعاب العقلية الأمريكية السياسية –مادام ترامب هو إفراز للمثالب السياسية الأمريكية بشقيها الجمهوري والديموقراطي مع الإختلاف في بعض الجزئيات وبعض التفاصيل الطفيفة

  لنخلص إلى الجزم بأن ترامب ليس هو المرض أو المعضلة الأمريكية ،أوالسبب في الإنحطاط الأمريكي، بل هو فقط العرض والظاهرة السوسيو- ثقافية “للإستثنائية الأمريكية”، والمؤشر الواضح للتدهورالأمريكي،وإنحطاط  الحضارة الأمريكية  كشعار  أشهره  ترامب كسيف بتًَارعبر  حملته الإنتخابية ، من أجل أن يعيد لأمريكا عظمتها المفقودة، ولو كان كل شيء على مايرام في الولايات المتحدة،  أولو أصلح “العطار” أوباما بأكذوباته وتلفيقاته  ما أفسده  البوشيين عبر مهزلات مشروع” التغيير” وعبر تهريج  فلسفة ” نعم نستطيع”  yes we can  لما   ظهرت ظاهرة ترامب   

الملاحظة الثالثة:

 وبفضل هذا” الترامب” فإن العقول الوضئية إنتعشت، والقرائح المتوقدة تهيجت ،والأبصارالمتطلعة شخصت، ساعية في إعادة  النظر في ما يسمى في كلاسيكيات الأدب السياسي الأمريكي: ب” المصيرلأمريكي  المبين ” وأرض الميعاد ” و”كنعان الجديدة “وإسرائيل  الجديدة” و ” الدولة الصليبية ”  التي أطلقها  “أبو الأمة الأمريكية  المقدسة ” جورج واشنطن عام 1767 على  قارة أمريكا الشمالية  لكي نخلص  إلى محاولة   إستيعاب ومناقشة وتحليل  فرضية: كون “أمريكا كانت عظيمة” أو بإمكانها أن تصبح كذلك، وكيف؟بينما يغيب عنا  طرح هذا السؤال  الأنثروبولوجي ” هل كانت أمريكا  عظيمة  في الماضي؟” من أجل  التلويح والإشادة ب”إستراداد عظمتها”

/كشعار جعله ترامب  رأس الحربة  وحصان طراودة في مسيرته الإنتخابية

 الملاحظة الرابعة:

  الدراسة المعمقة  والمفصلة للتاريخ الأمريكي وخصوصيات ثقافته، توضح لنا بأن ترامب  ليس بمتنبئ طائش أوجهول كذاب  ومدعي أو مجرد مقامر متهور أكثر من سابقيه، فهولم يأتي بجديد في”النهج الإمبراطوري الأمريكي” وما هو سوى إستمرارية   للتصور  السياسي الذي تم تبنته الرواد الأوائل القادمين من أووروبا  المفككة  على نفسها :منذ أن أبحر المهاجرون الأوائل مع “كريستوف كولومبس”  إلى  القارة الجديدة فرارا من الحروب الدينية ،-والذين كان معظمهم  من الطائفة البروتيستانتية- صارت أمريكا ترمز إلى مفردة “الفرصة” التي  رسخت  الأفكار المتضاربة  في الذهنية الأمريكية –وخاصة السياسية”–  التي إختلطت  بالأبعاد :”التدينية-الطقوسية” التطرفية ، و”التوسع “و”الإبادة” و” الإستغلال ” و” الإستثمار” و”القرصنة”حتى صارت “الفرصة” أسلوب حياة  للأمريكيين منذ  البداية إلى زمن ترامب ،فكانت ” الفرصة” هي المحرك لعقلية ترامب ومربط الفرس في تفكيره وسلوكياته  وتصوره السياسي لأمريكا وللعالم

كما تتبين لنا المنهجية الإحيائية للتراث التاريخي والثقافي والسياسي الأمريكي التي سلكها  ترامب عبر الّإطلاع  على أطروحات  المؤرخ  الأمريكي  الشهيرفريدريك جاكسون تيرنر/ -/18611932 الذي كان من  أكبرالمؤرخين الأمريكيين  والمنظرين  السياسيين والعقديين للولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين – في جامعتي ويسكنسن ثم في جامعة هارفارد-.  والذي أقام تقاليد راسخة-أكاديميا- في خصائص  المنهج التاريخي الأمريكي جيث درب العديد من حملة الدكتوراه، الذين شغلوا مراكز بارزة في مهنة التاريخ و الثقافة والسياسة، وكان يشجع على  إستخدام الطرق الكمية والطرق  المتعددة  في تخصصات العلوم الإنسانية، ودمجها بالمعطيات الدينية  للعهدين القديم والجديد،مع التركيزبدقة على ” المصير الواضح للأمة الأمريكية–على المدى البعيد-عبر طرحه المشهور “أهمية الحدود في التاريخ الأميركي” (The Significance of the Frontier in American History) التي شكّلت أفكاره أطروحة الحدود  (Frontier Thesis).  التي أثرت في أطروحات  الرئيس الأمريكي من الحزب الجمهوري في الثمانينات “رونالد ريغان”التي تلقفها منه ترامب وأحياها–عمليا- عبرمشروعه  في حماية المسيحية  البيضاء في الداخل ، وإعتبار الإسلام عدوا للأمريكيين ،  ومحاربة الهجرات الغير الشرعية  الوافدة  من دول عربية و إسلامية  ومن  دول الجوار في  أمريكا اللاتينية ، وعداؤه المستحكم ” للدول الفاشلة”-كمصطلح أوجدته إدارة أوباما التي إستهدفت تطويق روسيا وتهديد الصين والبقاء في أفغانستان وتدميرليبيا وضرب سوريا بخلق الدواعش وتمويل”الثوارالسوريين  المعتدلين” –

   كان فريدريك جاكسون تيرنر يؤمن بأن الحدود الأمريكية”الآمنة- المتحركة”/الغير المحددة جغرافيا/،هي التي شَكّلت خصوصية الديمقراطية الأمريكية، والشخصية الأمريكية من الفترة الاستعمارية البريطانية حتى عام 1890م،

 كما إشتهرأيضًا فريديريك بنظرياته حول الإقليمية الجغرافية الأمريكية والترويج  لمصطلح ” الإنعزالية”

 ويعترف معظم المؤرخون الأمريكيون المعاصرون   والمخضرمون  بالتأثير الكبير ل فريدريك جاكسون تيرنر على الدراسة العلمية التاريخية  والثقافة والفكر الأمريكي عموما والسياسة الأمريكية،حيث تعتبر نظرياته بمثابة مرجعيات  أساسية لأصول الفكر الأمريكي تعتمدها الأحزاب الأمريكية بمختلف مشاربها / كونها تؤسس للإستثنائية الأمريكية التي طالما لهج بذكرها  بوش الإبن الجمهوري  أوباما الديموقراطي  طيلة عهدتهما

إذاَ، فمن هو ترامب؟

يعتبرالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنسبة  لشرائح كبيرة  من الأمريكيين والعالم بأسره وحشا مرعبا، ويعتبره  البيض الأمريكيين والمتدينين  والأحزاب الوطنية والقومية الأوروبية  وأمريكا اللاتينية ،رمز نبالة فرسان  القرون الأوسطية  الغربية   وحامي حمى المسيحية البيضاء في هذا الزمان.

تحديد المفاهيم:

بادئ  ذي بدء،…علينا أن  نزيل اللبس عن خرافة ” الرئيس الأمريكي الحاكم “فكل  رئيس أمريكي منتخب لا يحكم أو يقرر وحده-حسب مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق ” فرانكلين روزفلت  القائلة ” الرؤساء الأمريكيين يٌنتقون ولا يٌنتخبون”  وعادة ما يتم الإتيان  ب” الرجل السياسي المناسب  في الظرف المناسب والأجندات المرسومة المسبقة” ،

كما يجب تحديد أنه لا يمكن إعتبار الرؤساء الأمريكيين مفكرين، أو منظرين، وذوي  رؤى  واضحة خارجة عن الرؤية التوراتية  المسوغة  للتدمير،و التصور الإمبريالي الإمبريالي المخول  للتوسع  ، بل إن لرؤساء الأمريكيين  يُؤتى  بهم كخدم أمينين لجماعات الظل الضاغطة الخفية  في الولايات المتحدة /التي لاتعلن عن إسمها/–وتلك  حقيقة لم   تعد خافية اليوم على  خبراء السياسة عموما

   –وبإسثناء القلة القليلة من بعض الرؤساء أمثال: واشنطن وجيفرسون و مونرو والروزفيلتيان : بنجامان وفرانكلين-– فالبيقين فإن حالة ترامب هي شبيهة بأحوال أولئك المفكرين أو السياسين الذين تم توظيف أفكارهم  وتم إستثمارها  في”مصلحة “المؤسسة الحاكمة”  / هذا إذا جاز لنا  إعتبار ترامب مفكرا أوسياسيا–وهو الكاره منذ مراهقته  للفكرو المفكرين والمحتقر للثقافة  والمثقفين

وسوف أقر-إبتداء- بأن “التغييرالترامبي”هو مفهوم سيؤول إلى ما آلت اليه سوابق مصطلحات”التغيير”التي ترددت على ألسنة  القادة الأمريكيين منذ الرئيس ولسون عقب الحرب العالمية الأولى، وسواء على لسان فرانكلين روزفلت –اللذين تم إنتخابهما على أساس” الإنعزالية” ليشاركا في الحربين العالميتين،  فتم إخضاع العالم بأسره  إلى مخططات ” المؤسسة الحاكمة “بعيد  نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت  المفاهيم السياسية الأمريكية / مجرد  مفاهيم تخضع -في جميع الأحوال- إلى قوانين”السوق”الأمريكية ،وحينية العرض والطلب ،ومتطلبات “الدولة العميقة” الفورية ، فتتحول طيلة حكم الحاكم الجديد ، إلى”موضة”فكرية-سياسية”،كمظهر معبر بشدة عن”إديولوجية”الحاكم الجديد والمتطلبات المستجدة الفورية المتحولة للدولة العميقة

 لنًخلُص في النهاية ، إلى أن “الموضة”الفكرية والسياسية والثقافية الأمريكية لاحدود لها،وهي-في جميع الحالات- نفعية ولا أخلاقية في معانيها وأبعادها،ولازمة من مستلزمات”الماكيافيللية”و(الذرائعية)اللولبية، والنفعية الخسيسة، والعبرة دائما بمضمون  المعاني لا بالأسماء ،

 بمعنى/ أن اللغز الترامبي سيتضح على المدى المتوسط ، بينما سيستمر مسيطرا على الباحة السياسية الأمريكية والدولية “كظاهرة سياسية جديدة”-بمنظور السوسيولوجيا السياسية- التي  ستفتح الأبواب  لظهورظواهر  ساسة جدد قادمون   في  الولايات المتحدة والعالم بأسره وحتى في عالمنا العربي،على هدي “الترامبية”حيث ستطغى ظاهرة ترامب  السياسية  حتى بعد نهاية ولايته وما بعد مماته،

 وبمعنى آخر فإن الإنجرار الإنفعالي المؤقت أو الرفض المتعسف المطلق –/ الإنتقائي-التخفيضي Reductionisme/  –ضد  ترامب  –قبل أن تتضح  الصورة الترامبية جلية  خلال عهدته الأولى-يعتبر تهورا وتسرعا ، مادام الرجل سيفاجؤنا في كل مرة  بما  لم نحتسبه

 ومع ذلك فإن ترامب  لن يخرج ، باليقين عن  أصول  الصراع داخل  أصولية ” الأنظومة  الأمريكية  المٌؤسِسًة للأمة الأمريكية” وهوذلك  الصراع  التاريخي القائم  ما بين : -مفهوم ” العهد القديم ” التوراتي ” الذي يعني: “أمريكا أرض الميعاد”  أو “كنعان الجديدة” أو إسرائيل الجديدة ”  الذي كانت أهم قيمه  :

  • “الإنعزالية”بمنظور” الأصولية الماسيحانية”،وهي السياسة التي تغلب على الحزب الجمهموري
  • وما بين  مفهوم” العهد الجديد” أو” الدولة الصليبية أو”التوسعية” أو” الإمبريالية التقدمية” وهي سياسة الحزب الديموقراطي-مهما توارى وتخنس منظروه وراء المفاهيم المزورة  لنشر “الدمقرطة ” في العالم و” التحر من الطغاة ، وضمان ” “الحريات” في الداخل الأمريكي وخارجه، حيث أنه  تم الصراع  ما بين هذه  المفاهيم  منذ نشأةّ الدولة ،ويحتدم ذلك الخلاف الذي  يعكس التشوش والتناقضات الظاهرة في الديبلوماسية الخارجية للبيت الأبيض،  تتجلى  في الحزب الواحد ولدى الرئيس الواحد –ديموقراطيا أو جمهوريا – كما شرحها لنا هنري كيسينغرفي حديثه عن   الحوار الأطرش داخل المؤسسة الأمريكية الحاكمة  المتمثل في الثنائية الكلاسيكية  العتيقة:المثالية والواقعية/و-الإنعزالية /و العالمية. اللتان  هما  مربط الفرس في السياسات الداخلية والخارجية الأمريكية، حيث يحق لنا أن نتساءل عن الفرق الجذري ما بين الديموقراطيين والجمهموريين في السياسة الخارجية التي تهم شعوب العالم 

 كما يمكن القول أيضا، بأن ظاهرة ترامب تولدت بسبب  تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية  في الولايات المتحدة وغياب الحلول ،وتجذرالمزيد من التناقضات في العالم،والغليان البركاني الهائج ضد الساسة الأمريكيين في الداخل والخارج –الدالة على وشوك حدوث قلاقل داخلية  أكيدة- وبسبب عجز تكلس  التنظير الإيديولوجي للحزب الديموقراطي وبسبب تعالي” نخبه “وعجزهم عن إيجاد الحلول العملية للشعب الأمريكي الذي كل من الخطابات”النخبوية” المرصعة والفارغة .

 وهي عوامل دفعت”بجماعات الضغط القاهرة في الولايات المتحدة ،إلى المسارعة بالبحث عن البديل”لإيجاد”حل مرحلي قبل إنكشاف عوراتهم وفقدانهم السيطرة على مقدرات الشعب الأمريكي المسكين،

هل  تزئبق ترامب مصلحة أمريكية؟ :

“يجب تغيير السياسيين سريعا  وحفاضات الرضع الوسخة  تباعا، ولنفس الأسباب” جورج برنارشو

من المعلوم بالضرورة :أن لكل مرحلة غربية خطاباتها وأقنعتها وأنبياؤها وطقوسها.

وقد عرف ترامب: رجل الأعمال  الوصولي والعملاتي والنفعاني  والماكيافيللي  كيف يُسوِق لشخصه في المرحلة الإنتقالية الأمريكية الجديدة  “للمؤسسة القائمةestablishment”الباحثة بإستمرار عن الخيول النقية العرق الناردة و المربحة  في حلبات السباق، فإستفاد  عندها كل من الآخر :

عرض ترامب من جانبه مشروع حل للمأزق الذي وقعت فيه”الدولة العميقة “بسبب فشل الحزب الديموقراطي في تثبيت نظام  العولمة الذي تبنته”الإستبلشمنت “منذ نهاية الحرب الباردة ،

 ومن جانب و جهة”الإستبلشمنت” فقد   ضمنت لترامب  تحقيق مشروعه القديم الذي ما فتئ يرواده منذ ريعان شبابه بأن يصبح ّالرجل الأعظم- أمريكيا ودوليا مهما كان الثمن–وسنفصل في هذا الجانب في فصل مستقل-

 ومن هذا المنظور،فان الخطاب الأمريكي الترامبي  الجديد،أريد له”التقنع” بتغليب مسحة”العاطفانية –القومجية” و”الرومانسية-الوطنية الشعبوية” على” الإنسانوية الكونية “و”التمازج العرقي والثقافي الإنسانوي”كمشروع أثيروأولوي  للحزب الديموقراطي

 لابد هنا إلى الإشارة بأن  ظاهرة”العاطفانية”أواديولوجية المحبة” أو”الرومانسية الوطنية” في الخطابات السياسية الغربية  ليست ظاهرة جديدة في مجال ما يسمى ب”حقل الأوضاع الايديووجية”Le Champ des positions idéologiques  فقد ظهرت في فرنسا،وفي الفترة من 1660الى ،1680في السنوات الأولى من حكم الشاب لويس الرابع عشر، حين تغطت ظهرت النداءات الى المحبة  اللامشروطة : محبة الله :المقترنة بمحبة الملك والوطن ،- حين تكلف الداهية “الكاردينال ريشيليو”-  مستشار الملك ورئيس وزرائه ،إلى  طمأنة لويس الرابع عشر،قائلا له بعبارته المشهورة التي إتخذت “كقاعدة أصولية” في ما سمي لاحقا ب”صناعة الرأي في الغرب:”إفعل ما بدا لك ياجلالة الملك،فسأتكفل بأمرالرعاع  ودهماء الشعب في شأن محبتك  في ومحبة الوطن

وبعيدا عن ترهات الإعلام  المضاد لترامب وعلى رأسها قناة CNN على سبيل المثال لاالحصر-يمكن القول بأن الرجل يمكنه إستحداث حلول إ قتصادية عابرة  في الأربع  السنوات الأولى ووضع مساحيق تجميلية  للأزمة الإقتصادية الخانقة لعامي 2008-2009 التي ورثها عن إدارتي بوش وأوباما  -كما سنتعرض إلى ذلك في  إحدى فصول  هذا الكتاب–

كما أنه من حق ترامب أن يكون وطنيا وقوميا ومضادا لقوميات وثقافات الآخرين ، وليس من أجل ذلك يُعاب أو يشكل ذلك لغزا بالنسبة إلى هذا الكتاب الذي يحاول –جاهدا ما أمكن- التركيزعلى الإجابة عن تساؤلات ستظل تحيط بالرجل منذ حملته الإنتخابية حتى كتابة هذه السطور ،

و بعبارة أخرى ، فمن المناسب إعادة طرح الأسئلة التي طرحت منذ يوم ولاية ترامب التي سيضل المؤرخون  الأمريكيون والمشتغلون ببليوغرافيا  ترامب يطرحونها إلى أمد بعيد وهي:

– من هو ترامب سياسيًا ولكن أيضًا شخصيًا؟ من أين أتى ؟ ومن كان وراءه ؟ وما هي الظروف السياسية والإقتصادية  والإجتماعية التي ولدت “الظاهرة  الترامبية”

  ومن هي الشرائح الإجتماعية  التي صوتت على ترامب ؟، وكيف تنسجم الظاهرة الترامبية  مع الانجراف اليميني الطويل للحزب الجمهوري الذي لم يكن في مصلحة ترامب في البداية؟
وما هوعالم ترامب وبيئته منذ عشرينات عمره ؟ومن هم أولائك الذين كونوا شخصيته ورسموا قدره في عالم المال و العقار  ليصبح من أصحاب المليارات ، ليتحول بعد ذلك  إلى  عالم  السياسة بغية  الاستيلاء على السلطة ؟

، وكيف نشأ  ترامب في حضن  الد يماغوجيين من حماة ” النظام” le System والمستفيدين منه  ،و الملتحقين بالنظام الاقتصادي الرأسمالي  الجشع  الذين يدعون أنهم مرشحون ضده  ” من خارج النظام”؟

 تساؤلات تلف شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  سنحاول الإجابة عنها في فصول هذا الكتاب

  الفصل الثالث :

فهم ظاهرة ترامب خارج الفوضى السياسية

“يتم الإعلان عن الحياة المثالية  للمجتمعات التي تسود فيها ظروف الإنتاج الحديثة، كتراكمات  ضخمة  لمشاهد الفرجة.”
 غي ديبورد ، من كتابه ” مجتمع الفرجةGuy Debord, La Société du spectacle

“إذا كان في حوزتك “ديموقراطية السوق” وفعلت ما يريده الشعب فستخطئ كل مرة  وستستمر مشاهد الفرجة” دين أتشيسون

لن أمل من تكرار أن تسارع ظهور ظاهرة ترامب، تعود بالدرجة الأولى إلى تآكل  الحزب الديموقراطي الذي تكلس فكره، وتبرجز أعضاؤه، وعجزالحزب عن تجديد نفسه، و عن إنعاش خلاياه، وبسبب إبتعاد تنظيراته عن التقاليد “الإشتراكية الروزفيلتية “التي وضعها فرانكلين روزفيلت  في أربعينات القرن الماضي ورسخها جون كينيدي، فإبتعدت نخبه المتبرجزة –(نموذج بيل كلينتون وزوجته والمثقف المزيف”اليساري –العولمي” باراك حسين أوباما-)    عن مطالب مناصري الحزب وعن  حاجيات الطبقات الكادحة والمهمشين  الذين هم قاعدة الحزب الديموقراطي، فإنطبق على الحزب الديموقراطي  الحكمة الشعرية العربية القديمة التي تقول:

 ومن رعى غنما في أرض مِسبَعة…. ونام عنها تولى رعيها الأسد

فكان الأسد هو دونالد ترامب

ويجدر بنا  هنا عرض ملاحظات لابد منها لمساعدتنا على مقاربة أفضل للظاهرة الترامبية

1-إن ترشيح دونالد ترامب  لنفسه ، ضد “نخبة” الحزب الجمهموري  بزعامة عدوه اللدود ” جون ماكاين”  ، هو ظاهرة تعكس حالتين : حالة الإنقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه، كما تعكس حالة جزء كبير من المجتمع الأمريكي. حيث تمتع ترامب بدعم الناخبين “المنسيين” والمحتقرين والحالمين من كلي الحزبين –الجمهوري والديموقراطي- ، أولائك الحساسين لخطاب  جديد  منعش  وراديكالي

 2- بوادر التنصل التدريجي لمؤسسة الحزب الجمهوري عن  أصوله الفكرية والمذهبية،  وقبوله لتنازلات تدريجية  لحساب  الحزب الديموقراطي بسبب الأخطاء الفادحة لجورج بوش الإبن

 3–تهميش الحزبين لشريحة كبيرة من ” البيض ” المنسيين منذ ولاية أوباما

4–تجاوز ترامب لتآكل معاييرالخطاب السياسي الأمريكي الذي على المشهد السياسي  منذ الثمانيانات مع نهاية عهد  رونالد ريغان

5- هدف ترامب  في وضح حد لتبادل الأدوار في الخطابين السياسيين –الجمهوري والديموقراطي- منذ نهاية الحرب الباردة ووضع حد لتداخل مصالح الحزبين

6-ظاهرة ترامب تتيح الفرصة لإستجواب حقيقي ونقد ذاتي بالبحث عن طريق ثالث ظل  الحزبان  –الديموقراطي والجمهو ري –  عاجزان  عن إيجاده ،برفضهما قبول الإستجواب  حول الروح الشمولية المتناقضة  للحزبين، بسبب إقتناع نخبهما  معا بأنها يمسكون وحدهما “الحقيقة””. …

 7- من مميزات الشعب الأمريكي أنه   يمتلك  القدرة  على  التحدي والتجاوز،وقبول التجديد ، التي تفتقر إليها معظم الشعوب خارج  أمريكا، حيث تتميز التنظيرات مثلا في فرنسا- منذ الثورة الفرنسية ،وبعد رحيل دوغول  – بالخضوع “للنخبوية”الجديدة المزيفة الحذرة المشبعة ب”الثقافوية”المزركشة اللامجدية،التي أوصلت”النخب الفرنسية إلى قبول شخصيات مزيفة وخطيرة مثل ساركوزي وهولاند وماركون

 8-:الولايات المتحدة هو ذلك البلد المتطرف في كل شيء،و القادرعلى فعل أي شيء ،بما في ذلك القيام بفعل الحماقات و قبول الغرابات  والخروج عن المألوف في إطارموازنة إختلالاته الخاصة،وتلك قوة أمريكا وضعفها في آن واحد،وتلك هي الروح الأمريكية،التي إستوعبتها “النخبة” اليهودية المهاجرة إلى القارة الأمريكية منذ القرن التاسع عشرالتي إندست بين ثنايا التجمعات الإنجيلية والبروتستانتية،وإنبثت داخل دوائرالمال، وتسللت إلى البؤرالمغلقة الواضعة  للقرارات الحاسمة الراسمة للخطوط العريضة للمسارالأمريكي،فتمكنت الجاليات اليهودية في التلاعب بالذهنية الأنانية الأمريكية،وقلب عملية الفردانية الأمريكية،كما فسرها لنا  الفرنسيان: طوكفيل ،و الجنيرال  لافاييت –على سبيل المثال-اللذان أقاما طويلا في أمريكا

 وحتى أن  عالما إجتماعيا يساريا متطرفا شهيرا هو”جان بودريار”Jean Baudrillard  لم يخف إعجابه بتلك” الروح الأمريكية” التي وصفها لنا ب:هوس التحرر،ورفض الإنضباط، والنفورمن” القيم المطلقة الغيرالمفيدة”،والنزوع إلى الإقتصاد الحر،وحب المبادرة و التجديد والترشيد العقلاني في المقاولات والأوراش ،وخلق حوافزمادية  من أجل العمل الدؤوب ، لدرجة يبدو فيها الشعب الأمريكي غير معقول وغير منطقي لبقية العالم ، ويجب العيش في الولايات المتحدة-لفترة طويلة- لكي يشعر المرؤ ويفهم جوهر هذا البلد –، حيث أن أمريكا هي مختبر اجتماعي اقتصادي وسياسي  حقيقي مختلف عما سواه …وذاك هو المناخ العام الذي ساهم في  إيجاد ظاهرة ترامب….وبالتالي يبدو النقاش الدائر  حول العواقب الوهمية -أو الحقيقية-لرئاسة ترامب -، لن تكون مجدية ، ما لم يتم  فهم  ” الخصوصية الأمريكية” –

ثلاثة أسئلة أساسية  لفهم ” ظاهرة ترامب”:

لا يمكن فهم “الظاهرة الترامبية “بدون تجزيئها وتفكيكها، بإرجعاها إلى عناصرها الأولية من أجل فهم شخصية ترامب السياسية الحالية،وذلك بطرح ثلاثة أسئلة رئيسية قبل الإيغال في التعمق في”الصورة الترامبية” التي ستترك على المددين القريب والأبعد بصماتها القوية على السياسية الأمريكية والعالمية:

 أولا:ما هو الفرق الأساسي ما بين ترامب وسابقيه من الرؤساء الأمريكيين؟

-لعبة الإعلام الأمريكي المشبوهة في تضخيم صورة ترامب لا تعطي أكلها،حيث ما فتئ  الإعلام الأمريكي  والدولي  مستمران   في تضخيم  صورة ترامب” overex­po­sed »,   والمبالغة  في  التركيز  على ” كاريكاركاتوريته ” بهدف تقزيمه ، بشكل مفرط  بدون نتيجة  ، بينما حقيقة ترامب تبقى عائبة أو معلقة

 إلا أن ما يميز ترامب في الواقع أكثر من أسلافه ،أنه كان بمثابة الحلوى الجديدة  لوسائل الإعلام التي سالت لها اللعاب،وتوجهت أليها الأبصار، ليتكلف هذا الإعلام  ببيع تلك الحلوى-كمنتوج جديد مطروح  في الأسواق-  

-قام الإعلام بالترويج  للسلعة  الجديدة،”ترامب” فيتم الحديث عنه عبر تكرارتصريحاته الفجة  الغضوبة والمستفزة ،وإلا فإن لا أحد سيهتم به،وذلك بالدفع اليومي بالمستهلكين-من عامة الناس والصحفيين- بالإستغراق في التفكير في”الصرخة الجديدة” ترامب، و إنتقاده ، أو إدانته ، أوكرهه أو محبته، أو الإستلهام منه. وهذه  كلها عوامل  إيجابية في صالح كل من الإعلام وترامب نفسه (كما سأتعرض بالتفصيل  في فصل قادم  للحرب  الشعواء  المصطنعة   ما  بين ترامب والإعلام  ولفائدة من ؟)

-مسألة  الإختلاف الرئيسي  الذي يتم التركيز عليه بشأن ترامب، وهو أنه لا يمتلك أية خبرة سياسية على الإطلاق ، بخلاف الرؤساء  المحافظين السابقين الذين  إعتلوا كرسي  الرئاسة منذ الحرب العالمية الثانية ، فستكون الإجابة  عن هذه الفرضية بطرح تسائل  في هذا الصدد:

ما هي الخبرات السياسية  لرئيس مثل”رولاند ريغان”الذي يعد من أهم الرؤساء الذيم أقترن إسمهم  بإحتواء الروس السوفياتية  وخلق ظاهرة عمالة غورباتشوف  للغرب، وخلق القاعدة وطالبان ….،هذا الرئيس الذي كان مجرد ممثل سينمائي فاشل من الدرجة الثالثة وبطل مسلسلات  تلفزيونية فجة لأفلام رعاة البقر ” وكان المتقلب  سياسيا –مثل ترامب- ما بين الحزب الديموقراطي  والحزب الجمهموري لفترات، بحثا عن ” الفرصة” للتسلق الإجتماعي،كما يمككنا أن نتساءل أيضا  عن  خبرات بوش الإبن  السياسية ؟وهو الجاهل حتى بالتاريخ المدرسي   الأمريكي للمدارس الإعدادية، والذي –حسب  تصريحاته-  كان يعتقد بأن مدينة بيونس آيرس البرازيل  مدينة  في الولايات المتحدة؟

-صحيح أنه لا شك فيه، بأن ترامب كان رجل أعمال ماهرطيلة حياته المهنية ،وقد يفتقر للخبرات اللازمة لممارسة السياسة–بمعناها الدهائي  الماكيالفيللي الحديث  –وليس بمعناها الأرسطي القديم ( الذي لم يعد أحد يؤمن به  في الغرب  منذ قرون)-،غيرأنه مما لاشك فيه أيضا أن ترامب قد حول  خبراته الدهائية في مجالات الأعمال لكي يوظفها  في مجال السياسة -وكليهما –أي السياسة والأعمال- لا يمكن عدهما ضمن العلوم  الميتافيزيقية  الغيبية  أو ضمن  معميات  غنوصيات ،روحانية-إستسرارية ésotérique/  أو يمكن  تصنيفهما  ضمن العلوم الحقة مثل  الرياضيات والفيزياء والكيمياء .لنضيف هنا أيضا بأن  الممارسات السياسة لا تحتاج إلى الإستظهار الفج والغبي لمتون الكتب السياسية الجامعية، بل هي كما وصفها الفنان  الكوميدي الفرنسي المغتال ” كولوش”- Coluche: “لكي تكون سياسيا ناجحا ، فما عليك سوى قضاء أربعة سنوات في كلية الحقوق،ثم القيام بعد ذلك  بالقردنة  ،وممارسة كل شيء على نحو مقلوب و خاطئ”  إلا أن مشكلة ترامب أوجرمه الذي لايغتفرأنه -على ما يبدو-  كان مستقلاً وخارج دائرة نفوذ “نخب البيت الأبيض”، فهل كان كذلك؟

ثانيا “هل يمكن إعتبار ترامب إنعكاس  للمجتمع الأمريكي؟

الإجابة عن هذا السؤال بنعم أولا فيهما إجحاف للبحث  المنهجي السوسيولوجي وتجن على الحقيقة وإختزال مخل للظاهرة الترامبية،

فمن جهة أولى، يمكن إعتبار ترامب  إنعكاسا”للأنظومة الأمريكية”برمتها  الممثلة–في عناصرتناقضاتها المذهبية والتاريخية والعرقية والدينية-غيرأن ترامب لا يمثل إنعكاسا للمجتمع الأمريكي برمته بالمنظورالسوسيولوجي، مادامت (السوسيولوجيا السياسية) نفسها عاجزة عن تحديدّ الماهية الأمريكية المعقدةّ ” المبنية  على المكونات  المتنوعة والمتشابكة التي أشرت إليها سابقا- ، والتي تجعل  مصطلح ” الأمة الأمريكية ” من أكثر  المفاهيم تعقيدا

 بينما يمكن القول بأن ترامب(من حيث الإنتماء السياسي والإيديولوجي والعقدي) يمثل  شريحة تمثل أقل من نصف الشعب الأمريكي، إذا وضعنا في الإعتبارأن نجاح ترامب  يرجع أولا لحصوله على تصويت الهيئة الإنتخابية،وليس بسبب التصويت الشعبي أو بسبب حصوله على غالبية الأصوات- وسنفصل في هذا الباب عند تعرضنا للشرائح الإجتماعية التي صوتت على دونالد ترامب في فصل مستقل ومطول-

ومن وجهة المنظورالسوسيولوجي البحث:،يمكننا التشكيك في غالبية  التعميمات  المؤدلجة  التي يستمدها بعض الباحثين –عن جهل أوعن تعمد-من سيرالإنتخابات الأمريكية، فقد تم إنتخاب ترامب في أمريكا الملغومة والمأزمة والمقسمة والمنقسمة حول نفسها،والتي تصارع  نفسها داخليا باحثة عن هويتها، وتصارع في نفس الوقت  العالم الخارجي كله من إجل إثبات هوية غير محددة  على الأرض وفي الجغرافيا وفي التاريخ.

فقد  نجح ترامب بسبب إقناع وإثارة وتجميع مئات الآلاف من المترددين والمهمشين، ومن المرتعبين من  بركانية هيلاري وترفعها وتبرجزها وتحقيرها لتقاليد الشرائح المحافظة الأمريكية، وفئات النافرين من عجز الحزب الديموقراطي على الإستجابة  لحاجيات الأمريكيين(وسنفصل لاحقا  في هذا الجانب  في فصل مستقل) :مما يجعل تصنيف شعبية ترامب المتذبذبة بإستمرارو عملية صعبة، والتي تجعل من حوالي 50 بالمائة  من الشعب الأمريكي ينظرون إليه بعين الريبة، مما يجعل ترامب  يعمد مثل” آل كابون “إلى الإثارة والتخويف والتهويل والوعد والوعيد  ضد خصومه ،،مع بذر الشكوك والفوبيات في نفوس مناصريه،وهي طريقة” مافيوزية ” يتقنها ترامب بحرفية بالغة..

ثالثا: هل يمكن إعتبار ترامب عبقرية سياسية أو مجرد نرجسي ومختل ولا عقلاني؟

“السياسة هي فن الخداع والكذب و التلاعب  بالحقائق والقدرة على التأثير  علي العوام” مونتيسيكيو

لا يمكن الجزم  إعتبار دونالد ترامب عبقرية سياسية أو ما يشبه هذا القبيل(لعدم توفر المصادر الأمريكية في هذا الصدد). وبالمقابل يمكن النظر إليه على أنه داهية يمكن مقارنته  بالسير ونستون  تشرشل البريطاني-و الذي يمكنه أن يصل غالبا  إلى أغراضه .لأن هناك علاقة وطيدة ما بين  ممارسة الأعمال او ” البيزنيس” بالمعنى الأمريكي  وما بين السياسة بمعناها ” الماكيافيللي الشائع اليوم ،ويجمع ما بين الإثنين : ملكات  الدهاء وفن الخداع والكذب  الممنهج والتضليل  المدروس وفن المرواغة ،

 

-ومن هذا المنظور  العام : يمكن إعتبار دونالد ترامب داهية في السياسة كما كان  داهية في الأعمال ومضاربات المال  العقار ،ولكونه  تعامل مع الإدارات الأمركية  في بدايات أعماله  ، بإستخدام كل الوسائل الممكنة –المشروعة وغير المشروعة   بما فيها الإستعانة ب  ” المافيا النيويوركية –من أجل التهرب من أداء الضرائب أو في إستخدام “البلطجيةّ لترهيب  منافسيه  او في تأديب  المتهربين من أداء ديونهم أو أكريتهم. ولكونه ،لم يؤمن قط  في حياته  بالمبادئ العليا الإنسانية، أو النظريات المجردة ،

 -الكثير من أتباع ترامب   معجبون به  لأنه حقق ثروة هائلة  بكده وعرق جبينه  ويمثل في الضمير الشعبي لهؤلاء، ذلك النموذج للأمريكي العصامي الشًغيل الذي يذكرهم بمكتشفي  ” الغرب الأمريكي” الأوائل  من أوباش  وفتوات وبلطجية و رعاة البقر الأشداء،

 – المال يشكل رمزا يكاد يكون مقدسا في الولايات المتحدة الأمريكية،وحوزته ترمز إلى القوة والذكاء والعصامية والجدية، فسرلنا هذا الجانب في بدايات القرن الفائت، المفكر الفرنسي الكبير ورجل الدولة و السياسة  ، أليكسيس دوطوكفيل”  الذي وصف لنا جشع الأمريكيين وشغفهم المرضي   بحب المال-وهو ذلك المعجب بديموقراطيتهم الفتية في أواخر القرن التاسع عشر-

 -قد أذهل ترامب الجميع  -من خلال عامين من ولايته- بدهائه وتقلبه وتزئبقه وجرأته ووقاحته ، وقدرته على إتخاذ قرارات جريئة خطيرة وملغومة نجح في تحقيق أغراضه في معظمها/ علما بأنه سيفاجؤنا بالمزيد من الإجراءات والقرارات التي ستحبس الأنفاس ، وسنعيش في الزمن الترامبي إنفعالات  صادمة وكأننا  نشاهد  أفلام هيتشكوكية        

الفصل الرابع                                                                                                

سياسة الفرجة الترامبية في”ديموقراطية السوق”

سوف نقوم بخلق بوظائف(في أمريكا) ،وسأكون أعظم خالق للوظائف الذي  خلقه الله في هذا العالم، وأعني ذلك حقيقة” دونالد ترامب

ملا حظات”:

1-تولى دونالد ترامب منصب الرئاسة الأمريكية في 20 يناير 2017 بعد حملة إنتخابية   كان الصخب المسرحي والفرجة الهوليودية بالتباري في وتبادل خطابات فاحش القول بين المرشحين هي القاعدة،

2-شكلت ظاهرة ترامب وسط السيرك الإنتخابي الأمريكي لعام 2016 مشكلة للباحثين والصحفيين والمواطنين الأمريكيين  الذين كانوا  يسعون للعثور على المبادئ التوجيهية للسياسات  الأمريكية المختلفة   في محاولة فهم أو  وجود اتساق لتصريحات ترامب  مقابل خطابات منافسيه من  المرشحين.

3-و في الواقع،يختلف ترامب رجل المال وقطب العقار الأمريكي والنجم السابق  للبرامج  التلفزيونية  الشعبوية أو TV-réalitéالتي كانت  تستقطب حوالي أكثر من عشرة مليون مشاهد يوميا،عن باقي منافسيه المرشحين–حتى من حزبه الجمهوري-،وتميزبكونه لم يكن سجينا للخطاب الرسمي التقليدي،أومتقوقعا داخل خطاب ممل أحادي،أو تصريحات روتينية متكررة ، بل تميز بتغيير بياناته وتاكتيكاته –حسب الخصم المواجه ،وبتنويع طرقه الهجومية الفظة التي لم يعهدها الجمهور الأمريكي أو الإعلام أوالمحللون  السياسيون.  

 فبدا منذ الوهلة الأولى،أنه ذلك الحيوان الضاري الذي فرض نفسه على صغار الحيوانات في حلبة الإستوديوهات  التي وجد نفسه فيها  في مكانه الطبيعي المألوف، والمدرب على التموضع أمام الكاميرات ،والخبير بقراءة سحنات  الخصوم  وسمتهم وردود أفعالهم، يخيف جحافل الصحفيين ويرعب السياسيين ويربك المحللين ،  فيصخب ويشتم ويلعن من يشاء وكيفما شاء وأنى شاء ،وكأنه  آلهة من آلهات  الأغارقة ، أوإحدى الشخصيات  العدمية لكافكا   ويونيسكو وسارتر وكامو

 4-وهكذا، ففي أوائل يونيو 2018، وقع ترامب بيانا مشتركا مع الدول المشاركة في لقاء  G7، وبمجرد تسلق الطائرة  الذاهبة به  إلى سنغافورة للاجتماع مع كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، صرح أنه ألغى توقيعه الذي أمضاه مع الدول المشاركة في المؤتمر وتلفظ  بألفاظ نابية  في حق من يسميه–إحتقارا- ب”جوستين”،ويعني به “جوستين ترودو”رئيس وزراء كند أحد “ّصبية”جورج سوروس –وأحد السهام الرئيسية للعولميية المتوحشة “،حيث حظيت ميركل -المستشارة الألمانية- بالنصيب الأكبر من تهكمات ترامب و تصريحاته  الغير الدبلوماسية ضدها،مجاملا ماركون الفرنسي ولاعبا به،مثل دمية ، يعامله أمام كاميرات العالم ككلب زينة وديكور، ومحتفظا بتاكتيك خاص له  ليمتص رحيقه ويفرغه من محتواه بعد إستخدامه في مواجهة مستقبلية ضد أوروبا بوتين وآسيا الصين، وتفكيك الشرق الأوسط ،أو بقلب الطاولة عليه مباشرة وسريعا بخلق ّثورة ملونة  من أجل التخلص من “النخبة العولمية المسيطرة في” الإليزي”-منذ ساركوزي-،وذلك بالدفع  في الخفاء بالتيار الشعبوي الوطني الفرنسي بقيادة “مارين لوبين” حيث يرى ترامب في ماركون ذلك الوجه الآخر “لأوباما الفرنسي” وإمتدادا لتيار الحزب الديموقراطي في فرنسا

5-ومفارقة أخرى وفيما تتعلق بترامب و كوريا الشمالية،حين هدد ترامب زعيمها  في أول الأمر ب”النار والغضب”-حسب تعبيره الحرفي- مكيلا  أقذع الشتائم  للرئيس الكوري الشاب، وأخيرا تراجع  ليتحدث  عن عقد صفقات تجارية وعقارية ، ليستقر به القول  في أنه يمكن أن يتعامل مع كيم جونغ أون، بالأساليب التجارية  عبر بناء الفنادق الفخمة السياسية على طول الشواطئ الكورية الشمالية الجميلة الغير الملوثة، ليختم ترامب  ملف كوريا الشمالية  قائلا  بأنه ” يشعر بأنه  تجمعه مع الزعيم الكوري الشمالي ” خيماوية تآلف ومحبة روحية ” ثم ليصرح بعد مضي عام بأنه  بأسلوبه هذا قد أنقذ العالم  والأمريكيين من حرب نووية أكيدة بعد أن تأكد له  عدم تخلي الصين وروسيا عن حليفتهما كوريا الشمالية، مضيفا بأنه تم إغلاق ملف كوريا الشمالية الذي ضل الحزب الديموقراطي يتخبط فيه منذ ما بعد الحرب الباردة

 

 لماذا تنجح “الترامبية” اللاعقلانية والمغفلة بلغة الإشهار الرخيصة ؟

1-يبدو أن ترامب ينجح  في كل مرة عبرممارساته السيركية  الإعلامية  المعتمدة على إبداع طرق جديدة  في فن التواصل والإعلام –التي سنفصل في شأنها في فصل آخر مطول-في خداع مناوئيه وإثارة  المزيد من الإعجاب من طرف مناصريه،ومتعمدا الحفاظ على إثارة الجميع بتصريحاته البركانية وشتائمه الغير الائقة المستفزة والغير المتناسبة مع  الأعراف الديبلوماسية المعروفة.

2- لماذا  يظل الصحفيون  والمحللون والأكاديميون  المتابعون لسياسته محاصرين في فخ  تناقضاته ،لا يعرفون ما يقدمون أوماذا سيأخرون في شأن  الحضور القوي لشخصية هذا  الرجل ذو الوجه الوقًاح، المعتد بنفسه والمطمئن إلى أساليبه ؟

3- بينما يحاول المحللون  الجادون-بكل حذر- تحليل تصريحاته وأفعاله بإحالتها إلى قواعد سياسية مذهبية  أو أقوال تنظيرية جادة جديرة بالفهم والتفكيك . إلى أنهم يجدون أنفسهم في كل مرة  داخل حلقة مفرغة ، مواقف محرجة بل ومضحكة، فيتبدى ترامب للمراقبين من خارج ”  لعبة –ترامب/إعلام”(كما سنفصل في هذا الجانب لاحقا)  أن الرئيس والمحللين السياسيين الأمريكيين  لا  يمارسون نفس القواعد السياسية المعهودة ،ولايلعبون نفس اللعبة،ولايغرفون من نفس الينابيع المعرفية  والثقافية والعقلانية ،فيستحيل التحاورحينها أوتبادل وجهات النظر بطريقة عقلانية بين الطرفين ، فيتغول ساعتها ترامب ،ويسيطرعلى المشهد السيركي الذي يجد نفسه –في كل مرة- هو سيد الموقف،يعبث فيه بالإعلاميين  والمحللين   والمثقفين   ، فيبدوحينها ترامب رجلا نتشيا  عدميا، وشخصية  عبثية  من شخصيات بيكيت أو لوحة معقدة  لبيكاسو.

 4-وسيلة ترامب في السيطرة على مشاهد الفرجة السياسية  الأمريكية  تعتمد أساسا على مفردات ومفاهيم لغة ” الإشهار” التي هي أصلا لم تٌستحدث لكي تدوم سياسيا أو أن تثقف عقلا أو تجيب متسائلا أو تُعَلِم متعلما،بل إن مقاصد وسائل ترامب هي دوما من أجل إستحداث صدمات   إنفعالية ،المسماة  في لغة الإشهار ب”hic et nunc” التي يمكن  ترجمتها حرفيا إلى اللغة العربية ب” هنا والآن” حيث أن ترامب ذكرفي سرد بيليوغرافيته أنه كان يعمد إلى إلطريقة الإشهارية المسماة ب ” الغلو الصادقة”« truthful hyperbole »,  والتي هي –من الناحية السيكولوجية وعلم نفس الأعماق والجماعات –طريقة موجهة إلى عامة المستهلكين من المغفلين ، والتي يصنفها الكثير من السوسيولوجيين على أنها هذاءات من أجل إستدراج المستهبَلين،وهنا نتساءل من يستغفل من ؟ علما بأن  الطرق  الترامبية تنجح دائما –حتى كتابة هذه السطور  -كما تنجح بعض الخطط الكروية  لمدرب مغمور حيث يفشل مدرب مشهور ، وحيث يمكن أن نتساءل أيضا  هل من الواقعية والعقلانية  أن نطالب  ترامب بتغيير خططه الإستهبالية التي تؤتي أكلها كل مرة؟

5-غيرأنه بالتناقض،فإن البادي للعيان على الأرض وفي الميدان،أن سر نجاح ترامب يعود أصلا إلى عدم إحترامه لأية قواعد عقلانية مألوفة سياسية،التي تدرس في المعاهد والجامعات الأمريكية  والدولية وهنا يكمن ” اللغز الترامبي” لأن  قواعد أصول الخطاب السياسي الترامبي  تعتمد على عناصر مدروسة –تأصلت في عقليته منذ كان يافعا :التحدي والتعالي والتبجح والتطاوس  والتحقيروالسوقية،ثم سرعة البديهة  والتوقح  بالعنف اللفظي،بالإعتماد على أن أحسن وسائل الدفاع هي الهجوم المستمروالمباغثة والغلو في القول والسلوك والقفزعلى الحقائق، وتدوير المناظر حول نفسه  مثل الناعورة أو مثل حمار الرحى  ، حيث إذا جاز لنا  هنا الحكم على ذكاء ترامب أو غبائه، فيمكننا الجزم بأن الرجل  شديد الذكاء حيث يفلح بوسائل  سوقية  رخيصة  وتسطيحية و “شعبوية –زنقاوية”  حيث يفشل  سياسيون محنكون و ” مثقفون ومتنورون”  

6-فتحت سلوكيات ترامب  الغير المألوفة،وممارساته السياسية المتناقضة والمفاجئة، مجالا واسعا لخبراء علم”النفس السياسي”الذين آلوا على أنفسهم – في الزمن الترامبي- الإغراق  في البحث  في خبايا علم النفس التحليلي الفرويدي  منقبين عن تفسيرات”عقلانية–مدرسية” بهدف  الكشف عن”الظاهرة الترامبية ، فسقط هؤلاء  أنفسهم  في تخمينات”بسيكو-تحليلية”وفرضيات غير يقينية  متناسين أن من شروط  الإستنتاج الإكلينيكي  للباطولوجيات  السيكوبائية هي  “تشريح”  المعالج  على سرير  التحليل النفسي  في العيادة ،عبر اللقاءات  الخصوصية المتتالية لفترات طويلة  “،ولكل حالة باطولوجية خصوصيتها، وبالتالي فالحكم على أي الشخص  من بعيد هو تجن على أهم قواعد الإستطباب النفسي،وما دام علم النفس التحليلي الفرويدي نفسه هو مجرد نهج ” تأويلي” وليس” بعلم يقيني أو ثابت”حيث تتضارب  التّأويلات والقراءات داخل المدرسة الواحدة،حيث أغرق بعض المحللين النفسيين  الأمريكيين والأوروبيين الأسواق السياسية بمصطلحات إلصاق مفاهيم”بسيكو-تحليلية”شائعة بشخص ترامب مثل:عقدة جنون العظمة والموسولينية والهلوسة والنرجسية المفرطة والميثومانيا أو النزوع المرضي إلى الكذب، وقد قبل ترامب إجراء تحاليل بيولوجية ونفسية فتبث سلام صحته العقلية والبدنية  فبهت ” المتخصصونّ وأعطوا لترامب / من جديد/ورقة مجانية  إضافية لمرمطة الأرض بهم وإثبات زيف  إعلامهم وسفاهة ” تخصاصتهم”

7-قد يفقد ترامب المصداقية عند المفكرين والمثقفين والفنانين المبدعين،وعند حواره مع الإعلاميين الذين يحتقرهم و يغرقهم في كل مناسبة  بسيل من الشتائم ، وذاك أمر لا يعيره ترامب أي قيمة ولا يهز أعطافه أو يحرك وجدانه مادام أنه كان طيلة حياته يحقر هؤلاء  ويعتبرهم مجرد تجار كلمات وأقوال نخب مهدارة، ومنظرين مزيفين وعهار يبيعون  أنفسهم مثل  المومسات  في الأسواق الفكرية والسياسية ، ومع ذلك فإنه ينجح في كل مرة في إكتساح الميدان  الإعلامي ونيل المزيد  من الشهرة العالمية  والحظوة  الشعبوية،  على الرغم من أنه لا تهمه ” الحقيقة”  ومطارحتها الفلسفية ” اللوغوسية” -بحكم  عقليته وجيناته الوراثية و نشأته  الأسروية والبيئية والأجواء  النيويوركية  التي عاش فيه في فترة شبابه  التي شكلت شخصية رئيس الدولة الأمريكي الذي يثير الأمريكيين و يقض مضاجع العالمين  -،كما سنفصل لاحقا-

9-كل”طلقة”إشهارية نارية  يقوم بها ترامب عبر التويتركوسلية بديلة إعلامية  مفضلة لديه  بدل  الجرائد والتلفزيون، إلا وتهز أركان البلاد وزوايا الكون، ينتظرها الإعلام المحلي والدولي على أحر من الجمروهي”طلقات”موجهة إلى حوالي أكثر من ثلاثين مليون منخرط  معظمهم من أتباعه،وغالبا ما يتبعها  بما  يناقضها في نفس اللحظة أو  في ذات  اليوم- تُزعزع يقينيات المعارضين وتُرسخ أقدام المقربين-،وهي منهجية ترامب المثلى   في  إرباك الأوراق وخلخلة ستراتيجيات  الأعداء ،بطريقة الإنتقال اللامنهجي من الشتم والقذف  إلى التلويح بالعقوبات  الإقتصادية متنقلا إلى التهديد  بالحرب النووية  ضد كوريا الشمالية ، وصولا إلى الإشادة لاحقا بزعيمها الديكتاتور–وهي وسائل تجعل ترامب يبدو معتوها بموجب” نظرية المجنون”الشهيرة للرئيس الجمهوري الأسبق  نيكسون،

ومن هذا المنظور،فإن المنطق الترامبي في الإستحواذ على الإعلام المرئي والمقروء-ولوبالتدليس والفهلوة والبهتان والهجومية– فهو منطق تٌعدٌ له مع ذلك حساباته،وتُتَرقًبُ نتائجُه،فتصبح كل مضارباته السياسية،تحدِيات تشد الأنفاس وتتوجه إليها الأنظار/وذلك ما يهدف إليه/، حيث تتحول ترهاته إلى حقائق  ميدانية ومشاريع إنتصار،سواء عند تهديد  بلدان بالنووي،أوالتلويح لأخرى بالعزلة الدولية  والعقوبات الإقتصادية،أو التجرؤ على لقاء الخصوم التاريخيين للولايات المتحدة–مثل روسيا والصين-أوالضغوط على دول بالإبتزاز والإستفزاز والمساومات والترهيب  من أجل الترويض  مثل سوريا وإيران  

فهل ترامب حالة سياسية غير مسبوقة في التاريخ السياسي الأمريكي؟

 حاول الإعلام الأمريكي على مدى حوالي ثلاثة سنوات  توصيف ترامب  بالسياسي الغير الطبيعي-بمعنى أنه يحاول بإستمرارمخالفة المعاييرالأساسية الرئاسية في “السياسة اللائقة” المعهودة ،ولكن حدثت  من  قبله حالات كثيرة –أفردت لها  فصلا خاصا في هذا الكتاب –حيث  كان بعض الرؤساء التنفيذيين الأمريكيين قد إبتعدوا عن نموذج الخطاب الرئاسي المعهود ،بل وكانوا غريبي الأطوار بحيث يبدو ترامب  مقارنة بهم وكأنه  طفل بريء  . دعونا نتذكر ، على سبيل المثال ، جورج دبليو بوش ، الذي ،  كان يعاني أحيانا من  أخطاء النطق بلغته الأم  وكأنه صبي مصاب “بعلة التوحد أو الإنعزالية”autisme-ويكفي دراسة  سيرة جورج دابليو بوش  السياسة  و هذاءاته  السياسية  في خلطه” للمعتقد التوراتي” والتلمودي  ب” السياسة الواقعية ، حيث كان يصرح بـأنه يتخاطب  كل صباح مع ّ”أيقونة للسيدة مريم  العذراء “الموضوعة في زاوية من زوايا المكتب البيضاوي للبيت الأبيض للإستلهام منها  في شأن السياسات الخارجية الأمريكية –فتأمل !  وتساءل كيف حظي هذا المعتوه بشعبية كبيرة  وتم تجديد ولايته مرتين !فمرحبا بكم في أمريكا !

إلا أنه تم التغاضي عن خطايا وعيوب بوش الذي إختتم حياته القذرة بطمئنة  ضميره بالتفرغ لرسم اللوحات الفنية  الزيتية /ثم أصبح في خبر كان وكأن شيئا لم يكن إلا أـنه صديقا مقربا من الأوساط الخليجية النخبوية …فتأمل !!!

كيف يمكن إذاًتفسير الظاهرة الترامبية”؟

يمكننا في خاتمة هذا الفصل أن نستطرد  بغية الإيضاح مضيفين ملاحظات أخرى   فنقول :

 بأن ظاهرة ترامب هي في الواقع اقتران ثلاث ظواهر في آن واحد،وهي فقط في اجتماع وتشابك  العناصر الثلاثة التي تكون شخصية دونالد ترامب.

 النقطة الأولى:  فهناك  دونالد ترامب نفسه، من جهة أولى، كشخص مشهور مسبقا،ولم يكن طارئا أو متطفلا على عوالم النجومية والشهرة ، بل  كان يُعد  في معقله بمدينة نيويورك من الأعلام ،وعرف كيف يستخدم قوة وسائل الإعلام في تنميق والتسويق لإسمه وشخصه  المقترن  بالعمارة الشاهقة ،والطائرة الفارهة،  والمطعم الفاخر،واللحمة المقددة، والقميص الأنيق، والعطر الغالي، وملاعب الغولف الشهيرة،وإنتاج برامج تلفزيون، وتمويل وتسويق وتنظيم  مباريات  الملاكمة  للوزن الثقيل والمصارعة الحرة وغيرها من كل”المعلمات الترامبية” التي تذكر الأمريكيين بملك المال والعقاروالإشهار،الذي دخلت صورته مبكرا ومنذ بداية الثمانيات كل بيت أمريكي حتي لقب بملك نيورورك-كما سنفصل في هذا الأمر لاحقا في فصل آخر-

 ومن جهة ثانية : تتجلى كل “إبداعية” ترامب –حتى لا نقول عبقريته – في عدم احترامه لقواعد اللعبة السياسية ،وهي “الثلمة” أو السلبية  التي حولها  إلى إيجابية  تم التصديق عليها في  الانتخابات.


النقطة الثانية:وهي أنه كانت هناك حرب أهلية داخل الحزب الجمهوري. الذي  تطوربسببها الحزب بشكل كبير، على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وجلب ذلك الصراع الداخلي للحزب،الكثيرمن العناصرالمتشددة تتراوح ما بين دينية متطرفة للغاية، إلى إقتصاد مضاد لليبرالية أودعاة متطرفين إلى هوية أمريكية بيضاء خالصة، فتم بذلك فصل جميع الليبراليين أو المعتدلين داخل الحزب ، لكن قدماء الكوادر بقوا في أماكنهم يُنَظًِرون للأطر الجدد السياسية للحزب،حيث إعتبر البعض منهم-وعلى رأسهم الراحل “جون ماكاين” أن ترامب  صعلوك و “متمرد ” مجهول الهوية  ،ودخيل على الأنظومة التنظيرية الأصولية للحزب، فظلوا يكيدون له المكائد بإعتباره جمهوري الشكل والتمظهر الحزبي،وفي ذات الوقت ديموقراطي خفي وليبرالي الهوى والقلب، فظلت تدورإلى كتابة هذه السطورحروب من داخل الحزب الجمهوري حول الإختلاف حول”مصداقية ترامب”وحول إختياره كمرشح وحتى كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، فتصاعدت شعبيته بعد نجاحه وإعتبره أنصاره من داخل الحزب أنه ” زورو” المتمرد  والمجدد، في مواجهة ديناصورات  الحزب العتيقة

 النقطة الثالثة: من الناحية الإقتصادية: كل الساسة الأمريكيين المتوالين على السلطة  منذ ما بعد حرب الفيتنام  الفاشلة  يدعون أن إقتصادهم يعمل دائما بإطراد ويتحرك بكامل حيوته، والحقيقة هي غير ذلك-كما سنفصل في هذا الجانب في فصل لاحق- بمعنى أن الإ صلاح  الترامبي لن يغير من صلب المشكلة(كما لم يغير منها  أوباما ” المثقف العولمي الديموقراطي .) لأن ترامب ورث تركة ثقيلة من الديون المتراكمة المهولة التي لا يوجد  اليوم أي خبيرإقتصادي على وجه الأرض يمكنه فك شفرتها  أو إيجاد حل لطلسمها، مما جعل الخبراء النزيهين من داخل أمريكا نفسها يقررون  بأن  أمريكا الدولة الأغني في العالم هي  هي أعظم دولة غنية بفقرائها –وستفصل في هذا الجانب  لاحقا في فصلين خاصين في هذا الكتاب-

 ولنتذكر بأنه في  عام 2008-2009 ، لم يكن ترامب في السلطة. لكن كان هناك  رئيس جمهوري آخر ،  هوجورج دبليو بوش الذي كان  رئيسا في الفترة من 2001 إلى 2009 الذي حرر بنوك الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أدى إلى أزمة مالية حادة من الرهون العقارية  مسبب في خلق مخاطر مالية عالية غير مسبوقة منذ أزمة 1929 المؤدية إلى وانهيار البنوك والعالمية،وتم  إنقاذ  البنك المركزي الأمريكي بشق الأنفس. كما قام GWB ، كجمهوري جيد وذو شعبية –ثل ترامب-، بتخفيض الضرائب على الأغنياء وزاد من عجز الموازنة في الحكومة

اليوم ، الجمهوري ترامب يفعل نفس الشيء. قام  بتخفيض الضرائب على الشركات الأمريكية الكبرى بمقدار النصف، وخفض الضرائب ب 1 في المائة من دافعي الضرائب الأثرياء ، غير أنه من المتوقع أن تنفجر الديون الأمريكية في السنوات القادمة.-ويحسب ترامب حساباته لكي تتم في بعد ولايته.-  وتلك من حساباته 

الدقيقة  وتاكتيكاته  لما بعد ولايته -وذلك من دهائياته-


 أما في  الوقت الحالي ، فكل شيء على ما يرام  بالنسبة للاقتصاد الأمريكي حيث انخفضت معدلات البطالة بشكل ملحوظ ، كما تم قياسه في الولايات المتحدة ، بنسبة 4٪. ومع ذلك ، فإن الحرب التجارية التي يحاول ترامب إطلاقها ستنتج سلسلة من الآثار الضارة  أمريكيا ودوليا، ولكنها لن تظهر في الوقت الحالي –كما أسلفت- لأن  ترامب يستخدم الإقتصاد لأغراض  إنتخابية حزبية  قادمة بغرض إعادة   إنتخاب “إمبراطورية  عائلة ترامب”  أما الفاتورة التي سيدفعها جميع الأميركيين  فستأتي لاحقاً. ولسان حاله ” أنا وعائلتي أولا، وليأتي الطوفان من بعدي  وليذهب  الجميع إلى  الجحيم” هكذا علمه أبوه منذ صغره فحقق ترامب  حلم جده الألماني  وهكذا لقنه مربيه الروحي  الأول في سبعينات القرن الماضي الذي تنبأ له بالسيطرة على أمريكا منذ أن كان ترامب في العشرينات من عمره !فإفهم عني !!!( وسنفصل في هذا الجانب المظلم من شخصية ترامب في فصل مطول مستقل !!!

وأخيرا وليس آخرا: فإن أمريكا المحبطة هذه  المكونة من:  كبار السن البيض والمهاجرين الشرعيين وأبنائهم من الحاملين للجنسية الأمريكية، وشرائح كبيرة من السود واللاتين الأمريكيين، والسكان الأصليين من الهنود الحمر،ومعظم الطبقات الكادحة  المضطهدة  الغاضبون من “النخبة ” للجمهوريين والديموقراطيون على السواء،ومن نخب واشنطن وكارهون  للذين صوتوا لدونالد  ترامب ،ليائسون من إيجاد بديل لترامب في كلي الحزبين، اللهم سوى بقايا  أشلاء من هيلاري كلينتون التي تلعق جراحها وتبكي من خيبتها، و تفكر  في  التحول إلا السينما ، فتنتهي من حيث بدأ كل من  الجمهوريين  ” ريغان” و  “ترامب “وإلا فستلقي بها “الدولة العميقة” من جديد  في مهزلة حلبة السيرك الإنتخابي القادم لعلم 2020   لا من أجل الفوز-فذاك من باب الالف مستحيل- بل فقط  من أجل ” إمتاع   النظارة  والمشاهدين من حاشية  جلالة الملك”  حيث ستكون الفرجة الممتعة مضمونة، وستغص  حلبة السيرك بأنواع جديدة  من المرشحين المحتملين  بما فيهم “ميشيل أوباما” –المرأة  القانونية  والألفا القوية- أو   المليوني  الشاب المتصهين ومدير الفيسبوك” مارك زوكيربوركMark Zuckerberg  غيره  من  كل الأصناف الغريبة  والشاذة والمثيرة التي  بدأالتنقيب عنها منذ عام من ولاية ترامب حيث ستكون البشرية كمن يستجير من الرمضاء بالنار—ومرحبا بكم من جديد في أمريكا كهف على بابا والأربعين حرامي-

إلا أنه قد نستبق الأحداث  ونلفت الأنظارإلى أن إنتخاب ترامب يدعو اليوم العديد من المحللين العقلانيين  إلى عدم  انتظار القوة  الديموغرافية  والضاربة الأمريكية  أن  تتقلص أو أن تتراجع  أو”ّالنخبة المهيمنة” من وراء الأستار أن  تضمحل ، فكل الساسة الأمريكيين –ديموقراطيون وجمهوريون – لم ينضجوا قط عبر التاريخ الحضاري الأمريكي القصير ، ولا أحد منهم سيتعض على المددين المتوسط والطويل   

 أما  الشعب الأمريكي الذي هو كبش الفداء وضحية  هؤلاء السياسيين ، فهو شعب بعيد كل البعد  عن النضج السياسي ،ولو حاولت محاورة   أحد أفراده من كل مكونات -ما يسمى تجاوزا بالأمة الأمريكية- ستلاحظ-أنثروبولوجيا- أنه شعب لايزال في مرحلة  الرضاعة لم ينفطم بعد ،كما وصفه “دوطوكفيل” منذ حوالي قرنين: شعب يجمع ما بين السذاجة والرعونة والبراءة والحماقة – وذلك سحرهم –يضيف دوطوكفيل-

-وضعف الجماهير الأمريكية  تكمن في  عدم قدرتهم على الإبتعاد عن أنفسهم. وذواتهم ، مغرقون في الفردانية إلى حد  الخبل. وفردانيتهم  تطمس أعينهم، حتى يسوع المسيح –إبن فلسطين- يحولونه  إلى “بطل  أشقر قومي” وإلى ” يانكي” ومحارب  بركاني كاره لخلق الله أجمعين-ما عدا اليهود المتصهينين والأمريكيين-

وهذا فانسوا بيزو Fançois Bizot الأنتروبولجي الفرنسي الكبير  المتخصص  في الحضارة الأسيوية   ، لم يرحم على الإطلاق في مواجهة موقف الأمريكيين في كمبوديا ، الذين يفضلون القوة الغاشمة في سحق الفيتناميين  ( كما صورها  لنا  فيلم “ET” لسبيلبرغSpielberg الذي جاء في أحد حواراته: “الآخر من المحتمل أن يكون صديقاً ، ومن  الأكيد إذاًأن يكون تهديداً.” و يضيف ” فانسوا بيزو”:ومن هنا نشرنيكسون الجمهوري  وجونسون  الديموقراطي  قوات الجيش الأمريكي ضد هذه السلاحف الصغيرة غير المرئية)

 البشرية في نظر الأمريكيين –رؤساء وشعبا- كائنات غريبة  تضايق  “شعب الله المختار “ويجب سحقها  بكل المبيدات ،.  

 العقلاء  يرون بأن العالم  سوف يسخن في الزمن الترامبي ! ….وأن الكوكب  سوف يحترق كما إحترقت روما وبغداد وقرطبة  في الزمن السرمدي 

الفصل الخامس:

خيماوية ترامب السياسية

. “الخيمياء  السياسية  هي مثل رقعة الشطرنج السياسية:  تتكون وفقا لألعاب الفاعلين السياسيين من أفراد وأحزاب   وتوازن القوى ،و الشخصية السياسية  الفاعلة تجسد فكرها الجديد  في  هذه اللعبة  وتضع لنفسها  تصورا سياسيا    وفقا لما هي عليه،  وما ستكون  عليها في التاريخ ” من كتاب L’âge d’or ou l’alchimie politique  العصر الذهبي أو  الخيمياء السياسية”

 للمفكرين : Cyril Pedrosa Roxanne Moreil   

“كيف يتم تأسيس “أجندات” الجهات الفاعلة السياسية (الأفراد ، الأحزاب ، ، المؤسسات ، إلخ )؟ وكيف تتطور الأولويات والمواقف وفقا لحركات الفاعلين السياسيين  ، وقبل كل شيء ، كيف تتكون الأسئلة الكبيرة التي تعبرعن المجتمع المراد تغييره؟ “

للمفكر بيير فيرجانز Pierre Verjans، أستاذ العلوم السياسية في جامعة لييج-بلجيكا-

 تراب و”المؤسسة الحاكمة” Establishment

_رشح دونالد ترامب نفسه على أساس أنه ” متمرد على  المؤسسة الحاكمة” وتم الترويج له على أنه ” خارج النظام” Outsider  فأصبح  في أعين شرائح كبيرة من الأمريكيين رجل  العناية الربانية  والمحارب الصليبي القرن أوسطي للأوليغارشية الحاكمة والمعادي للنخب النيو ليبرالية المتعفنة  المسيطرة على مصائر الأمريكيين منذ عقود ، وبطل العصر الذهبي لأمريكا البيضاء المحافظة، وحامي حمى أمريكا الصناعية الجديدة الغنية المستكفية بنفسها والمستغنية عن العالم .

بينما إنصعق  أمريكيون آخرون من هول الصدمة لجرأة الرجل ووقاحته ، حيث  لم يخطر قط  ببال أي حاكم من حكام مدينة نيويورك لمدة  ثلاثين عاما–والذين كانوا كلهم من الحزب الديموقراطي- على أن يفكر أحدا منهم  في الدخول داخل سراديب السياسة الأمريكية وإنتخاباتها، أوأن يتجرؤوا على ما قام به ترامب :  رجل الأعمال الرهيب و مقاول العقارات المخيف، ذوالسمعة المدوية والمثير للرعب  على رجال الأعمال في  كل الساحل الشرقي للولايات المتحدة 

 – ولم يخطر ببال أي منتج تلفزيوني لعشر سنوات خلت –مهما كانت درجة  قدراته الإبداعيه أوبلغ مستوى عبقريته- أن تراب سيتخذ من إنتاجه  لحلقات ”

تليفزيون –الحقائق”منصة للإنطلاقة صوب الإنتخابات الرئاسية

 -ولم يكن بوسع أي أمريكي قبل عام للإنتخابات الرئاسية الأمريكية-لعام 2016-  أن يتخيل أوأن يصدق أو يجادل،أوأن يوقف سياسيا أوإعلاميا يتحدث عن فرضية إنتخاب المليارديرترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. !

-ولكن دونالد ترامب في سنه السبعين حطم كل هذه الفرضيات والمعتقدات،وسفه كل التنبؤات، فحقق سابع المستحيلات .

وعند مراجعة الحملة الإنتخابية الأمريكية- لعام 2016- بكل تفاصيلها بدقة وعناية ،سنجد أنه حتى يوم الثلاثاء من نوفمبرمن نفس العام،وقبيل منتصف الليل بالتوقيت الأمريكي،لم يستبعد ترامب لحظة واحدة كل إحتمالات فوزه –كما كان يصرح خلال الإنتخابات- مؤكدا بثقة نفس وبإعتداد بقوله لصحفي:أن فوزه حتمي،وإلا فما فائدة  تضييع المال الوفير و الوقت  الثمين ” -حسب تصريحه- إذا لم ينته به الأمرإلى الجلوس على كرسي المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض”

 ومن أجل تحقيق أجنداته  السياسية –الداخلية والخارجية- بدأ بإحاطة نفسه بطاقم متفرد

 -أول عمل إهتم  به ترامب في بداية ولايته- هو  المبادرة  خوض  حرب التأثير في الرأي العام الأمريكي….حيث قام “الجرافة”، ورجل المرحلة الإنتقالية الحاسمة  في التاريخ الأمريكي المعاصر ترامب\



لقد غامر ترامب بترشيح نفسه بوضع فرضية حتمية نجاحه  حسب خطة مدروسة من كل الجوانب واضعا نصب عينيه- كرجل أعمال- الإجابة على كل  إحتمالات الربح والخسارة وعدم إغفال  عامل  صفر الخسارة المحتمل، وهي خطة قام بوضع أسسها كل من:

أولا ” ستيف بانون  Steve Bannon العبقري الستراتيجي و  المنظر الإ‘يديولوجي لترامب : رجل الستينات  من عمره و الآتي من أبناك “غولدمان ساكس” المقرب من الأجنحة المتطرفة  المتعددة  الميول والإيديولوجيات الأمريكية والساحر المتزئبق المنظر التنشيطي للجماعت   اليمينية المتطرفة العرقية والدينية الأمريكية ، والصانع الخلاق  للرئيس ترامب والمتلذذ  بشيوع سمعته في الآفاق العالمية ككاهن لليمين المتطرف الأمريكي والأوروبي 

ثانيا: جاريد كوشنير: Jared [Kushner] المياردير الشاب ذو   الثلاثينات من عمره ,و ذلكم اليهودي الأرثوذوكسي     المثير للتساؤلات والشبهات   المتستر وراء قناع  حديدي  وطلسم لا يفكه أحد : هو   بعل إفانكا وصهر ترامب الملقب ب” راسبوتين الرئيس والموسس الخناس في آدني ترامب عند الملمات,, حيث كان  له الفضل الأكبر في  الترشيد العملي لخطط ترامب الإنتخابية والرئاسية  والعدو اللدود  لكل من تقرب ولو من بعيد من صهره ترامب/ حيث نشبت بينه وبين ” ستيف بانون  مناوشات متبادلين معا الضربات من تحت الحزام إنتهت ب فصل ستيف  عن موقعه الرئيسي في إدارة ترامب

لقد إنتظر دونالد  ترامب قنص  فرصته الذهبية السانحة  طيلة سنين  ،وذلك  قبل أن يصوب  أنظاره  إلى إعلى  المستويات  التي رسمها لنفسه  منذ السبعينات، عندما  بدأ   في مستهل شبابه بتشييد  إمبراطورية المال  والعقار، ليحقق حلمه وحلم  أبيه  ثم ليصبح إممبراطور أمريكا الغير المتوج دون أن يكلف نفسه أدنى  عناء  للتلمذة  على ” سحرة السياسة الأمريكية  والدولية  وكهنة  الإعلام  ومشايخ   التنبؤات السياسية  الأمريكية والأوروبية ” لينقلبوا ضده  منقبين  عن ” أسرار  ” تسريحة شعره  ولونه ” ومغامراته الكازانوفية عجزين عن الإ جابة عهن كيف فاجأ هؤلاء الأدعياء بنجاحه الغير المنتظر   رغم  تربعهم على أولوهيات السياسة  وربوبية  الإيديولوجيات  ووحدانية السوق وجبروت الحكم  وطاغوت ” النظام”  le systeme  منذ      نشأة  علوم السياسة الأنغو ساكسونية   في القرن التاسع عشر  ،  ليصبح في آخر أشواط  حياته – في 20 يناير / كانون الثاني من عام 2016 ظاهرة سياسية متفردة  في التاريخ الأمريكي والعالمي  و أكبر رؤساء  للولايات المتحدة  سنا وأكثرهم غرابة

 الحملة الصليبية  لترامب لتدمير  النخب  الأمريكية والقضاء على السياسة التقليدية ” المقبولة”




روج الإعلام الرسمي الأمريكي والدولي  في بدايات شهوره الأولى  لولاياته،إلى  ما يلي :

-أن عدم خبرة ترامب السياسية ،وعدم أهليته لممارسة السلطة ،سيقودانه إلى تفويض عملية صنع القرار إلى مستشاريه   أو الرضوخ إلى ضغوطات الكونغرس والعناصر من معارضيه من داخل حزبه الجمهوري  ،

-محاولة الضغط عليه  بالدفع به إلى تخفيف عنف مواجهاته و تجاوزاته ،مما  يضطر الخصوم السياسيين والشركاء الأجانب للرئيس الأمريكي إلى   الإعتقاد  بأنه لا يوجد أحد يمكن  السيطرة عليه، وأنه بالفعل ” متمرد على ”   النظام القائم Systeme” ومناهض شرس لأعداء ” الأمة الأمريكية” –كما سنفصل لاحقا  في هذا الجانب في هذا الكتاب-

 والخروج الأحادي للاتفاقية النووية/ الإيرانية –الأمريكية/هو مثال صارخ على  ما سقناه  أعلاه  بعيدا عن “التطبيع” الأمريكي الذي كان متوقعا  مع الإيرانيين في حكم  أوباما،  أو التأثير على  “العاقلين  في النظام الإيراني  ” بهدف قلب النظام.-كما حاولت إدارة أوباما في عام 2009 ، ،

 وبعد ثمانية عشر شهراً من تولي ترامب  السلطة ،  يبدو  –ضمن التمسرح السياسي الداخلي  وتبادل الأدوار في السياسة الخارجية- وكأنه  هو صانع القرار الحقيقي على رأس جهاز سياسي  ظل يتمتع بسمعة جيدة في الداخل والخارج لعقود طويلة  ، بعد أن  كشف ترامب عوراته  سمعته   في الوحل، طيلة  حملته الإنتخابية.

أم أن مناهضة ترامب لإيران ونقض الإتفاقية  المصادق عليها دوليا  كان مجرد تاكتيك يخفي شيئين : إرضاء إسرائيل من جهة ،والتخلص من عقدة ” أوباما”  من جهة أخرى  ،برفض أهم إنجازاته مثل ” الضمان الصحي لأوباما” والإتفاقية الإيرانية النويية التي يعتبرهما ترامب  كارثان حلتا بأمريكا.

  •  

إدارة  ترامب  ترامب ما بين  فوضى عدم الإنسجام وتاكتيك الخديعة

ن التجارة تدين بنجاحها للسماسرة  والزبائن  والإشهار ، والسياسة  تدين بسمعتها  السيئة للزبونية والبروباغاندا والأراجيف ، فيتم   تضليلنا في كلتي   ل الحلتين ا عن القيمة الحقيقية   للسلعة” الصحفي والإعلامي الفرنسي لمخضرم ” فيليب بوفار”.

تمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  في المقام الأول الاعتماد على فريق موحد. من حيث الشكل  في محاولته لتطبيق أجنداته ، على الرغم من أن سلسلة طويلة من الاستقالات وعمليات الإزالة الممزقة والتغييرات  المربكة،التي تعطي الشعور بالإرتجال وعدم النضج السياسي و الفوضى الدائمة في البيت الأبيض ، مما يجعل سياسة  إدارة ترامب  غير مقروءة في كثير من الأحيان i��Lr+�

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق