كلمة رئيس التحرير

قراءة متأنية في احتجاجات فرنسا … الإظطهاد والوصاية السياسية موجودة في كل مكان …

مخلوف نافع
ـــــــــــــــــــ

SAMSUNG ELECTRONICS
القراءة المتأنية لأحداث فرنسا أو ما يسمى احتجاجات السترات الصفراء، هي أن اي مجتمع واعي يعيش قي كنف دولة مؤسسات ديمقراطية حقيقية قد تتعرض ارادته السياسية والاقتصادية للاغتصاب من قبل اقلية مالية سياسية، تسيطر على الدولة وتفرض اجندتها الخاصة، حقيقة احتجاجات فرنسا كان تعبيرا عن رفض الوصاية السياسية والاقتصادية، من قبل جموع الجماهير في بلد يفترض أنه ديمقراطي خاضع لحكم الأغلبية، إلا أن ما رأيناه في فرنسا هو انتفاضة أغلبية محكومة على اقلية تحكم وراء واجهة ديمقراطية تماما كما يحدث في بلادنا العربية والاسلامية، بمعنى آخر الإضطهاد السياسي موجود في كل مكان وفي كل بلد توجد طغمة حاكمة تفرض ما تشاء على أغلبية مقهورة .
المواجهات التي صاحبت احتجاجات «السترات الصفراء» في باريس، و العنف الذي رافقها، جاءت لتعيد طرح سؤال قديم جديد، وهو ” اين كان المحتجون أثناء الانتخابات التي عاشتها فرنسا والتي جاءت بالحكومة التي اقرت الضرائب المجحفة ؟ ” ، موقف وسائل الاعلام الفرنسية سواء كانت محايدة أو تنتمي لليمين أو لليسار بقيت بعيدة عن نشر تحليلات سريعة، وتقارير تتبنى الاحتجاجات دون تحفظ، كما عودتنا هذه المنابر طيلة السنوات الاخيرة، التي عاشت فيها فرنسا حركة احتجاجات واسعة ضد “قوانين العمل الجديدة” ومراسيم “الإصلاح” التي اعتمدها الرئيس الاشتراكي، وخلفه الليبرالي الجديد ماكرون.
ويذهب بعض المحللين مدفوعين بروح “ثورية” جديدة الى المقارنة بين الحدث الآني ، والتظاهرات الطلابية التي عمت فرنسا والمانيا وبدرجة اقل بلدانا اخرى في مايو ايار 1968 ، والتي احتفل هذه السنة بمرور 50 عاما على اندلاعها. وبعيدا عن الرفض والاتفاق مع هذه الآراء، فان احتجاجات الطلبة كانت واضحة المضامين، وعبرت عن توق الى تغيير ثقافي واجتماعي، ولا يمكن تصور الانفتاح الليبرالي الذي عاشته هذه البلدان في العقود الخمسة الاخيرة، دون الحقائق التي فرضتها احتجاجت 1968 .
وبينما يتفائل البعض بأن تؤدي الاحتجاجات الاخيرة في فرنسا لإعادة السلطتين السياسية والاقتصادية لـ ” الشعوب ” صاحبة السلطة ، تتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الاحتجاجات إلى صعود اليمين مجددا و بشكل أكبر قوة، ربما في تكرار لسيناريو ما بين الحربين العالميتين، المخاوف من ان تؤدي احتجاجات “السترات الصفراء” إلى زيادة نفوذ اليمين الشعبوي المتطرف، كالذي انتهت اليه احتجاجات ” حَمَلة شوكات المزارع” في إيطاليا عام 2013، التي تمخضت عن حركة ” خمسة نجوم” الشعبوية التي لم تتورع بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة، عن قيادة تحالف حكومي بمشاركة “رابطة الشمال” الفاشية، التي حذفت مفردة الشمال من اسمها، لتعطي نفسها ثوبا وطنيا، وتستعد لدور سياسي اكبر.
مساران متقاطعان يمكن ان تفضي اليهما الاحتجاجات الحالية، فاما إحراز اهداف اجتماعية وسياسية مهمة على طريق تحقيق تغيير جذري لصالح اكثرية السكان، وتحجيم قوى الليبرالية الجديدة وقوى اليمين المحافظ، وهذا ما تسعى اليه وتأمل به قوى واسعة من اليسار ويسار الوسط، او السقوط في مستنقع سلطة اليمين الشعبوي والنازيين الجدد، الذين يسعون الى تجاوز الاداء السياسي التقليدي، دون ان يتخلوا عن اقتصاد الليبرالية الجديدة.

الطغم أو النخب الحاكمة سواء في وطننا العربي أو في باقي بلدان العالم، تتفنن في الاستيلاء على ارادة الشعوب الحرة ، سواء عبر حكم ديكتاتوري مباشر أو عبر وصاية سياسية بواجهة ديمقراطية، والهدف النهائي هو تمرار قوانين ومشاريع سياسية واقتصادية تخدم الجماعات الحاكمة ومحيطها من من مجموعات الضغط ، وهذا ظهر بشكل جلي في امريكا وفي غيرها ، أما في فرنسا فإن الصورة كانت واضحة ، ففي عهد الرئيس اليميني المحافظ ساركوزي، تم تمرير بعض القوانين بطرق غير مطابقة للدستور أما في عهد الرئيس الاشتراكي هولاند، فحدث الأمر ذاته ووصولا الى مدلل الليبرالية الجديدة ماكرون، تعززرت مركزية قصر الإليزيه عبر سياسات المراسيم، على حساب دور البرلمانات المنتخبة ومؤسسات الدولة الديمقراطية.
وماحدث في عهد الرئيس الاشتراكي هولاند، من استغلال للعطلة الصيفية وتمرير “قانون العمل الجديد” بمرسوم بعيدا عن مناقشته في البرلمان، وهربا من مواجهة الاحتجاجات العمالية الحاشدة التي شهدتها فرنسا في حينه. وتعود جذور هذه الممارسة الى حكومة جورج بومبيدو،الذي مرر في آب 1967 حزمة مراسيم حكومية لغرض تعديل قوانين العمل والضمان الاجتماعي، كانت تتمتع بتأييد برلماني، ولكن التجاوب مع جموح الرأسمال، وعدم قناعته بتضييع الوقت في «النقاشات البرلمانية العقيمة»، و التفاوض مع النقابات العمالية، دفع الرئيس الى استخدام اسوأ ما في الدستور الفرنسي، وتمرير «إصلاحات» بواسطة المراسيم غير القابلة للنقض أو النقاش.
إن خريف باريس الساخن في السنوات الأخيرة، يشبه ما حدث في سبتمبر ايلول 1967 ، الذي اهمله الجنرال ديغول، وتحول بالنتيجة الى احتجاجات ايار 1968 الجارفة. وفي مقابل لا ابالية الجنرال ديغول تجاه اضرابات الطلبة، رأى ماكرون الفائز باغلبية مطلقة في الانتخابات الاخيرة، هو الآخر في مناقشات البرلمان مضيعة للوقت، فلجأ هو ايضا الى سلاح المراسيم لفرض اجندة الليبراليين الجدد، تاركا سلسلة متواصلة من الإضرابات والاحتجاجات النقابية خلف ظهره، وواصفا بصلف اتحاد نقابة «المركزية العامة للعمل CGT» العريق، القريب من الشيوعيين بـ«الإرهابيين»، وعموم الشعب الفرنسي بـ«الكسالى ذوي الطباع المناهضة لأي إصلاح».. إلى أن فوجئ بهدير «السترات الصفراء» يصل إلى أعتاب قصره الرئاسي!
فهل ستفضي موجة الاحتجاجات الى تغيير ايجابي، تجاوبا مع الآمال الواسعة لاغلبية الفرنسيين؟ ام ينتصر منطق الشعبويين، الذي يتبنى لغة التخوين، والمعادي للنقابات والحياة الحزبية السليمة والاعلام النقدي؟ عندها تصح مقولة ماركس الشهيرة المحذّرة من أن التاريخ إذ يكرر نفسه فانه يأتي في المرة الأولى تراجيدياً ليتحوّل في المرة الثانية إلى مهزلة وهذا ما ستكشفه الاسابيع والشهور المقبلة؟