ثقافة

في محراب اللغة الكردية 2/2

د. محمود عباس

خلال السنوات الطوال، وعلى خلفية الرسالة الموجهة للبريطانيين، وطلب المتطوعين للمساعدة في كتابة القاموس، ظهرت القصة الغريبة والنادرة في تاريخ الأدب، ما بين البروفيسور وطبيب ضابط أمريكي، قاتل؛ مريض نفسياً (الدكتور وليم تشيستر ماينور1834-1920م William Chester Minor)، والمتواجد في مصحات سجون بريطانيا على خلفية قصة سابقة لا تقل عن هذه دهشة.

كان وليم ماينور، طبيبا جراحا وضابط في الجيش الأمريكي، ولد في جزيرة سيرلانكا، من والدين مبشرين للديانة المسيحية، خريج جامعة ييل الأمريكية المشهورة، خدم في الجيش الاتحادي أثناء الحرب الأهلية وشارك في العديد من المعارك، بعد انتهاء الحرب، سكن في نيويورك، وأثناء إقامته هناك أنجذب إلى دور البغاء فعوقب من قبل قيادة الجيش بإرساله إلى ولاية فلوريدا، وهناك تدهورت صحته وأودع المصح العقلي لمدة سنة ونصف، وبعد الخروج من المشفى، أنتقل للعيش في لندن، مع ذلك ازدادت حالته العقلية سوءً، بلغت درجة الجنون، وفي أحدى نوباته عام 1872م قتل رجل إيرلندي، وبسبب حالته المرضية لم يودع السجن بل أدخل المصحة العقلية، ومن مكانه ذاك، سمع بطلب البروفيسور جيمس موراي من جامعة أكسفورد للمتطوعين، عن طريق أمناء المصح الذي كان يقبع فيه، فتقدم للمشاركة، بل وأمضى معظم سنوات حياته مكرساً للمساعدة على تحرير القاموس، جامعاً المصطلحات والاقتباسات وتحويلها إلى مفردات إنكليزية قابلة للاستخدام، وذلك من خلال الكتب العديدة التي كان يقرأها، والتي كانت، وللغرابة، كانت أرملة الرجل الذي أغتاله تمده بمعظم هذه الكتب، بعدما أصبحت تزوره لاحقا في المصح، وهذه قصة أخرى تكمل الأولى ولا تقل عنها غرابة، بل ومعا تكاد أن تكون كشبه أسطورة. وأصبح المريض القاتل مساهما رئيسا في كتابة قسم من الجزء الأول للقاموس، ودون أن تعلم إدارة الجامعة بذلك.

كان البروفيسور وعلى مدى 20 سنة يستلم الرسائل المنمقة والدقيقة من المتطوع وليم ماينور، ولم يعلم أنها تأتي من المريض النفسي القابع في السجن أو المصح، الذي قضى قرابة 37 سنة من عمره فيه، وقيل إنها كانت من أحد أصعب مصحات السجون البريطانية المخصصة لأخطر القتلة والمهووسين والمرضى النفسيين، ولم يلتق به البروفيسور طوال تلك السنوات التي كانوا يتراسلون فيها، ولم يحاول زيارته، علما أنه أرسل له خلال هذه السنوات العديد من الدعوات لزيارته، وأخرها قبل إصدار الطبعة الأولى من المجلد الأول، طالباُ منه حضور الاحتفال الذي افتتحته الملكة فيكتوريا وذلك في عام 1884م، لكنه كان يتلقى في كل مرة اعتذارا مع تبريرات، فقام جيمس بعد الاحتفال، وبعد 20 سنة من المراسلات المدهشة، بزيارة وليام في مدينة برودمور، وهناك كانت المفاجئة الغريبة، فقد وجد أن عنوان وليام هو المصح -السجن الذي يقبع فيه، مع ذلك توقع أن يكون وليام من العاملين في المصح، لكنه أندهش عندما تقدم نحوه مريض نفسي من مرضى السجن، بل وعلم لاحقاً أنه قاتل، مع ذلك تعددت اللقاءات، وترسخت صداقة غريبة بينهما، لا تقل غرابة عن صداقة الدكتور القاتل مع زوجة وعائلة المقتول؛ وهذه هي القصة الثانية.

والتي هي البداية في الواقع، والتي لولاها لما تمت الأولى، بدأًت من لحظة قتله للإيرلندي الذي كان يسمى ب ( جورج ميريت) والتي تعود خلفية الفعل إلى فترة الحرب الأهلية، حينها كان ضابطا في الجيش الاتحادي الأمريكي وقام بوضع وشم على وجد أحد الإيرلنديين الهاربين من الحرب بمعدن ساخن، العملية التي كانت دارجة في الجيش الأمريكي الشمالي أثناء الحرب الأهلية، الحادثة، إلى جانب بشائع الحرب، لم تغادر ذهنه طوال عمره، وخلقت لديه أمراض نفسية، إلى درجة أصبح يفكر أن الإيرلنديين في كل مكان يحاولون الثأر منه، إلى أن قام وبشكل عشوائي على قتل الإيرلندي المذكور بمسدسه، ظاناً بأنه يريد أن يقتحم منزله لقتله، والرجل كان أبا لسبعة أطفال صغار.

وبعد مرور فترة من الزمن على محاكمته ونقله من السجن إلى المصح، وبموافقة ضابط السجن ومساعدة الطبيب النفسي، وكخطوة علاجية، أقنعوا أرملة المقتول على زيارته في مصحه، وبعد عدة جلسات، تكونت بينهما صداقة متينة إلى درجة قام الجراح على تعليمها الكتابة والقراءة، وهي من جهتها كانت تجلب له الكتب التي كان يحتاجها في عمله كمساهم مخفي لكتابة القاموس، كما وحاولت وبعد سنوات من التعارف إخراجه من السجن، بمساعدة البروفيسور جيمس موراي، دون نجاح، وهكذا أستمرت العلاقة بينهما إلى أن تم نقله إلى أمريكا، كما وطوال تلك الفترة لم تنقطع مساعدته المادية لعائلة المقتول التي كان قد بدأ بإرسالها لهم قبل اللقاء بزوجة القتيل، فالضابط المريض كان يحصل على راتبه التقاعدي من الجيش الأمريكي، مما مكنه من العيش براحة في المشفى، وشراء الكتب ومتابعة بحوثه الطبية، وتقديم المساعدة المذكورة لعائلة المقتول.

كتب لاحقاً أسم وليام ماينور، المريض نفسياً، والقاتل القابع في مصح السجن، إلى جانب أسم البروفيسور جيمس موراي على غلاف القاموس، وأصبح يعرف بالمؤلف المخفي الذي ساهم في كتابة قسم واسع منه، بلغت مجموعها قرابة 10 ألاف كلمة، توقف عن المساهمة، لأنه لم يعد يتمكن من الإمساك بالقلم، وعلى أثرها حاول الانتحار عدة مرات، كما وقطع عضوه الذكوري في إحدى نوباته النفسية، وفي عام 1910م بعدما تدهورت حالته الصحية، أفرج عنه وأرسل إلى أمريكا وهناك أدخل إحدى المستشفيات، وفيما بعد نقل إلى دار للمسنين في ولاية كونيتيكت المكان الذي توفي فيه عام 1920م.

بعد موتهما بسنوات قليلة، صدرت أول نسخة كاملة من القاموس في عام 1927م متضمناً أثني عشرة مجلداً، وبعدد كلمات بلغت 414825 كلمة. ويذكر في الويكيبديا، وبعد الإضافات العديدة عليه، أن الشخص الواحد يحتاج إلى 120 سنة لطباعة 59 مليون كلمة، وهي محتويات الطبعة الثانية البالغة 20 مجلداً، و60 عاما لتصحيحه، و540 ميغا بايت لتخزينه إلكترونيا. وعندما تم إصدار هذه الطبعة في عام 1989م قال الكاتب أنتوني برجس أنه “أعظم حدث إصداري في القرن” كما وأطلق عليه دان فيشر من صحيفة لوس أنجلس تايمز أسم ” إيفرست العلماء” وكتب رتشارد بوسطن لصحيفة الغارديان مقالة ذكر فيها بأنه ” واحدة من عجائب العالم”.

وفي الرواية التي نشرها الكاتب والصحفي البريطاني (سيمون وينشستر 1944- ) حول مسيرة تاريخ تحرير قاموس أكسفورد، تحت عنوان (البروفيسور والمجنون) وفي الفيلم الذي أنتج على بينة القصة المتكونة من 242 صفحة، والذي مشاهدته لا يقل متعة عن لذة قراءة القصة المعروفة كواحدة من بين أكثر الروايات مبيعا في أمريكا وبريطانيا، وكتبت فيها العديد من المقالات تجاوزت صفحات الكتاب ذاته، يقول: أن قصته عن محرري القاموس واقعية، فقد أستطاع جمع المعلومات من الأماكن والمصادر التي احتضنت الشخصيات المساهمة في كتابتها، ما بين بريطانيا وأمريكا.

ليست الرواية الغريبة في تاريخ الأدب بحد ذاتها، حول كتابة قاموس أكسفورد، هي التي يجب أن نركز عليها، بل تتبع خطاهم من حيث الإيمان بأهمية المسألة، والصبر في العمل، والأساليب التي أتبعوها لوضع بنيان لغتهم هي ما يتوجب علينا تتبعها لتكوين صرح مماثل للغتنا الكردية.

ولربما تلك المسيرة، كافية لتدفع بنا على حث الإدارات الكردستانية المتمكنة، بعد التخلص من الكارثة الوبائية الجارية، وانتعاش الاقتصاد المدمر بسببها وعلى خلفية انهيار سعر النفط، وعودة الأوضاع الاقتصادية والسياسية إلى سابق عهدها، القيام بتكليف هيئة ثقافية ومجموعة من اللغويين والأدباء، وتخصيص ميزانية مناسبة لهم، للعمل على تحرير ليس فقط قاموس كردي شامل، بل وتطوير اللغة الكردية، وتجميع اللهجات تحت خيمة لغة أدبية علمية واحدة، فاللحظة مناسبة، والزمن اليوم ملائم قبل الغد.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق