رأي

في جمهوريّة ” البانان “مواطنون فوق العادة

***

الحرية والوعي والحقوق والكرامة الانسانيّة ، كل ذلك مكفول في دساتير وقوانين الدّول التي تحترم مواطنيها ، والمواطن عند هذه الدّول الحرّة ، لا يمكن سلبه من جميع حقوقه إلاّ بموجب جرم حقيقي ونصّ صريح واضح . والمواطن عندها هو رقم هام وركن أساسي في الدّولة و المجتمع ، من خلال مساهمته في بنائها ومشاركته في القرار السيّاسي . لكن كل ذلك لا يمكن الحديث عنه في ظلّ أنظمة مستبدّة لا تفرّق بين الحقوق والواجبات ، وتهيمن على كافّة السّلطات ، تجمّعها في قبضة واحدة ” من حديد “.

كثيرًا ما نسمع عن جمهوريات الموز على أنّها تقع في أمريكا الجنوبيّة وتشتهر باشجارها وغاباتها الكثيفة وأنّها ” جمهوريات ” لا تعرف قرارا ولا استقرارا … فإذا كانت دول أمريكا الجنوبيّة تسمّى بجمهوريات الموز نسبة إلى نوعيّة الأشجار التي توجد بهذه الدّول، فبماذا يمكن تسميّة الدوّل العربيّة ، والتي ليس لديها أشجار موز ولا غابات كتلك التي توجد في أمريكا الجنوبيّة …؟ا لكنّها في الأخير لا تختلف كثيرا عن الجمهوريات المذكورة من ناحيّة ممارسة الاستبداد واحتقارها للفرد المواطن ؟ا

بالنّسبة لجمهوريات الموز ، وبغض النّظر عن مكانتها الطبيعيّة ومناخها الجيو سيّاسي ومكوّناتها البشريّة ، فإن اقتصادياتها يعتمد أساسًا على ما توفّره لها الطّبيعة ويوجد في الأشجار من فواكه الأرض وغلالها ، فإن الدوّل العربيّة قد عُرفت أيضًا بما يوجد تحت الأرض من نفط ومعادن ثمينة ،هي أهم شيء بالنّسبة إليها أهم حتّى من الفرد المواطن ، وجميعها تتقاطع وتلتقي في نقطة واحدة ،احتقارها للمواطن وتهميشها للفرد البسيط ، ومن ناحية طبيعة أنظمتها الاستبداديّة ، وهي التي تصل إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكريّة ، والقتل والنّهب وإسالة الدّماء ، وأمّا القوانين والدّساتير فلا تقول بها بل تقوم بتجميدها وحفظها بعيدًا عن الأضواء في الأدراج والأماكن المُظلمة بعيدًا عن الضّوء فلا ترى النّور أبدًا ، تمامًا مثل لحوم الجيفة التي تتعمّد استيرادها من الخارج ونقوم بحفظها في الثّلاّجات بعيدًا عن ضوء الشّمس قبل استهلاكها ، ومجرّد ” حبر على ورق ” وقراطيس كتلك التي نرميها في المزابل بعد استهلاك ما فيها ، وأمّا بعض أحكامها المهمّة لحياة النّاس فلا يجب أن تسري حتّى تصدر أوامر فوقيّة في شأنها .

ومن صفات هذه الدوّل أيضًا ، دول الموز و النّفط ، أنّها لا تحترم الانسان وتعتبره غنيمة حرب ، وتقوم بتهميشه وسلبه من جميع الحقوق السيّاسيّة والقانونيّة ، بل وحتّى الطّبيعيّة . وأمّا ما تقوم به أحيانًا من ” دغدغة ” للشّعور ، كتنظيمها واشرافها على شبه انتخابات ، محليّة أو تشريعيّة أو رئاسيّة ، فـ ” لذرّ الرّماد على الأعين ” – كما يقال – و ” حساء للميّت ” كما هو المثل الفرنسي ، للتغطية على الحقوق المسلوبة وتضليل الرّأي الخارجي حتّى يتمّ التغاضي عن السياسات الدّاخليّة . كما ترى مثل هذه الأنظمة المستبدّة بالأفراد أن لها حق شرعي وطبيعي فيما تقنّنه وتشرّعه ، وعلى من تراقبه وتحاسبه ، ولها الحق وحدها في تحديد نوعيّة الخطاب بشقّيه ، السيّاسي والدّيني ، والدِين ضروري لعدم الخروج عن الحاكم ووجوب طاعته حتى وإن قطع الرّقاب أو اقترف الكبائر ، وذلك للتغطية على بعض الجرائم القانونيّة والأخلاقيّة ، و احيانًا أخرى تطبّق في شأنهم سياسة ” الجزرة والعصا ” لترغيبهم أو ترهيبهم ، ولها كامل الحقّ فيما تفرضه وما تمليه على المواطنين ، وما تقوم بنشره في وسائل الإعلام التّابع ، و خطب أئمّة المساجد المأجورين ، و المرغمين على التقيّد بتعليمات مدرائهم وليس بالمبادئ وما تمليه عليهم الضّمائر .

وفي هذه الصبيحة المباركة ، وعلى غير العادة خرجت آلة جرّافة ، بعدما تكرّر انقطاع التيّار الكهربائي لساعات طوال ؛ في الأمر سرٌّ ما ؟ا خرجت جموع المتطوّعين ، بين ساذج ومغفّل ، للتكفّل بمساويء رموز مجالس انتخبت لتخدمنا لكنّها غابت عن الوجود منذ زمن بعيد ، خرج جيران الحي لمحو الآثار المتفشّية لسنوات عجاف . خرج المتملّقون وقد أثقل الإملاق ممشاهم ، وعلى أكتافهم معاول وفؤوس ، وعلامات الرّضا لا تفارق مُحيّاهم ، في جمهوريّة ” البانان ” هكذا يسمّى الموز عندنا ، خرج المتطوّعون وفي اعتقادهم أنّهم قد يحصلون على رتبة ” مواطنون فوق العادة ” .