رأي

في السلوك العدواني …..الكائنات الغبية والمُهيِّج الذكي

سالم العوكلي
ـــــــــــــ
ثمة قطعان يمكن تدجينها تحت سلطة الرعاة القساة، أو المالكين لها، لكنها تتوحش حين تجد نفسها بريةً في الأدغال لا يحكمها إلا قانون الغاب، تتصادم وتنزف دماؤها ويأكل بعضها البعض صراعا على الطعام والماء، وهذا ما يحدث أيضا لبعض الشعوب التي لا تعيش قي ظل نظام ديمقراطي يحقق لها نوعا من الانصهار الوطني، بمجرد أن تزول السلطة المدجِّنة لها تتقسم إلى قطعان عقائدية أو إثنية أو جهوية تتحارب صراعا على مصادر الرزق حتى إن كانت تكفيها جميعا وتفيض.

في كتابه “العداونية” ترجمة د. محمد المفتي. يجعلنا المؤلف، لورينز، نتخيل معه مُراقبا محايدا على كوكب المريخ، يلاحظ عبر تلسكوب ضخم السلوكَ البشري على الأرض، ويستطيع تأمل الأحداث الكبرى مثل هجرات الناس والحروب وغيرها، “الأكيد أن مراقبنا لن يرى في السلوك البشري ذرة ذكاء أو إحساس بالمسؤولية الأخلاقية”. وباعتبار هذا المراقب يستخدم العقل المحض ودون غرائز (مثلما نتعامل نحن مع الحيوانات والحشرات) فإنه سيحتار فيما يحدث فوق الأرض عاجزاً عن فهم التاريخ البشري، فأحداثه من حروب وإبادات عرقية وهجرات ونزوح ومجازر، ليس لها مبرر أو أسباب معقولة، وهي الكوارث التي تجعلنا نكتفي إزاءها بقولنا إنها طبيعة البشر، دون محاولة تفسير “الطبيعة البشرية الفاقدة للعقل، وغير المنطقية، التي تدفع أمما للتنافس، حتى لو لم تكن هناك حاجة اقتصادية ترغمها على ذلك. ونفس الطبيعة البشرية تجر حزبين سياسيين أو دينين بنفس البرامج المبشرة بالخلاص، إلى معارك طاحنة ومريرة”.

فلنتخيل هذا المراقب وهو يوجه التلسكوب نحو مستوطنة بشرية في هذه الغابة الكونية اسمها ليبيا، محاولا فهم ما يحدث للكائنات التي تعيش فيها. نعم، سيقول، هذه المخلوقات ثارت على نظام استبدادي وقضت عليه، لكن لماذا تستمر الحروب والتقتيل بين الكائنات المنتصرة ؟. إنهم مجموعة متجانسة، دينها واحد ومذهبها، وتجمعها صلة قربى، وأهدافها واحدة، وتملك من الثروات ما يؤمّن عيشها مترفة لزمن طويل، فما الذي يجعلهم يتقاتلون؟! ولماذا هذا السلوك العدواني تجاه أبناء الجلدة الواحدة؟. ولأنه، كأي مراقب عقلاني محض، لا علاقة له بنظرية الغرائز العدوانية الكامنة في هذه المخلوقات، سيفسر كل ما يحدث بأن هذه الكائنات المتناحرة، دون سبب معقول، كائنات غبية. مع أن هذه الصفة اللاعلمية لم تُكتشف في المجتمعات الحيوانية من قطعان الجاموس البري إلى مجتمعات الجرذان إلى ممالك الحشرات ، والتي اكتشفت الدراسات أن لسلوكها العدواني مبرراً منطقياً، ولا يمكن وصفها جميعا بالغباء.

غير أن لورينز يحاول أن يسعف المراقب باستبصارات من سيرة هذا الجنس، ومن حوادث تشي بطبيعته العدوانية التي دفعت الأسكندر الأكبر أو نابليون بونابرت أو غيرهما إلى التضحية بملايين الرجال في محاولة منهم لتوحيد العالم تحت سلطتهم، وهم النماذج المجرمة التي تُقدَّم في التاريخ كأمثلة للبطولة جديرة بالاحترام وبوصفها بالعبقرية العسكرية، ويُذكرني هذا النوع من التهييج بتلك الشخصيات التاريخية التي خرجنا بمعرفتها من مرحلة التعليم الإلزامي مثل عنترة بن شداد والمهلهل، حيث كان المنهج يشمل كتبا مقررة تعرف بهما كأبطال في التاريخ وتروي ملاحم القتل المنغمسين فيها، مزينةً بأشعار تتغنى بالعناد والعنف الذي أدرجهم في قائمة الأبطال، واجتزنا مراحل التعليم كلها دون أن نعرف حتى بالإسم شخصيات مثل إبن رشد أو إبن خلدون أو الموسيقي زرياب.

هذا جزء بسيط من التطقيس الثقافي للعنف الذي من شأنه أن يحيل تلك الغرائز العدوانية القديمة إلى نوع من الشعائر الاجتماعية. غير أن لورينز الذي يتوجه بنقده للمناهج الأخلاقية المجردة في تعاملها مع مثل هذه النزوعات، يذهب إلى القول: “الحقيقة أن مراقبنا المريخي، لو كانت لديه معرفة بمباحث الإثولوجيا*، سيصل لا محالة إلى استنتاج بأن التنظيم الاجتماعي الإنساني يشبه إلى حد كبير مجتمع الجرذان. فالجرذان مثل البشر مسالمة واجتماعية داخل قبائلها، لكنها تتحول إلى جحافل من الشياطين المقاتلة ضد القطعان الأخرى من أبناء جنسها”.

زودت الطبيعة المخلوقات غير العاقلة بوسائل كبح غريزية، تروض من سلوكها العدواني، وتجعله وسيلة فعالة للانتخاب الطبيعي والحفاظ على النوع، أما الإنسان، وهنا المفارقة، لم يزود بهذه الكوابح الغريزية لروح العدوانية في تكوينه البيولوجي، لأسباب يحددها لورينز في طبيعة الإنسان ككائن قادر على التعبير وقابل للترقي ولتطوير آلياته الكابحة عبر الثقافة والمسؤولية الأخلاقية: “أما في تطور البشر، فلم تكن آليات الكبح ضرورية أصلاً لمنع قتل الإنسان لأخيه الإنسان، لأن الإنسان غير قادر على إحداث القتل بسرعة، كما إن الضحية المحتملة لديها فسحة لاستعطاف المعتدي بالتوسل والاسترضاء والخضوع. ولهذا السبب لم ينشأ ضغط انتقائي (بلغة نظرية التطور) في فجر البشرية، لانتخاب آليات كابحة تمنع قتل الإنسان للإنسان”.

وهكذا مع افتقار الإنسان لكوابح العداونية الغريزية، ومع فقدانه للكوابح الأخلاقية الناجمة عن هبة الترقي والتمدن لديه، يجد نفسه كوحش تم التلاعب به جينيا، فقد كوابحه الأخلاقية وتحول إلى أداة للفتك والافتراس دون واعز من أخلاق أو ضمير، وكل ما يستطيع الإنسان فعله لتفريغ هذه الشحنة من العنف هو تغطيتها بغطاء أخلاقي يبررها، سواء أكان فكريا أو عقيديا، ويصبح من السهل احتواؤه وتحويله إلى وحش كاسر من أجل قضايا كبيرة تدعي الدفاع عن الإنسان أو الدفاع عن الله.

يقول لورينز: “إذا اتضح أن المثل القديمة زائفة، ولم يعثر المرء على مثل جديدة، تكون النتيجة حالة من فقدان الهدف، والملل الكامل، وهي سمات الشخص الشاب المنحرف. من ناحية أخرى، إذا نجح مهيج ذكي، متمرس في فنون السيطرة على النفسيات باستحداث مواقف مثيرة للغاية، في التقاط الشباب والسيطرة عليهم إبان هذه المرحلة الحساسة من العمر، فإنه سيسهل عليه توظيف ميلهم الموجود أصلاً للارتباط، لخدمة اتجاهات تخدم أغراضه. بكلمات أخرى، يبدو أن بعض الأشخاص تسيطر عليهم في مرحلة ما بعد البلوغ رغبة جامحة لتبني قضية ما، وإذا لم يجدوا قضية جيدة، فإنهم سيرتبطون بأخرى أدنى بكثير إلى درجة مدهشة”.