رأي

فوضى الدكتوراه الفخرية

 سامي صبري  

 

انتشرت فى الآونة الأخيرة، ظاهرة غريبة وعجيبة داخل المجتمع المصرى، أصابت المجتمع المدنى بحالة من الفوضى، تسللت من خلالها مراكز وهمية تحت مسميات مختلفة، تزعم أنها تتبع الأمم المتحدة أو الجامعة العربية وغيرها من المؤسسات الدولية والإقليمية والمحلية، وتقوم بمنح شهادات دكتوراه فخرية لكل من هب ودب، حتى لو كان ميكانيكياً، أو صبى عالمة، أو بلطجى يجمع فلوس الكارتة فى المواقف العامة، مع احترامى الشديد لكل أصحاب المهن السابقة.

< هذا “الإسهال” الذى أصاب فجأة المجتمع المدنى واستشرى فى المنظمات غير الحكومية، بات يحتاج إلى وقفة حكومية حاسمة وحازمة ورادعة، فليس من المعقول ولا المنطقى أن تعمل هذه المراكز المشكوك فى أساسها، وجهات ترخيصها وتمويلها، دون رقيب وأن تنتشر هكذا، وتقوم بمبادرات وأنشطة سائبة يشرف عليها أشخاص غير معروفين، ظهروا فجأة،  بطريقة شيطانية، وصاروا يفرضون أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعى “السوشيال ميديا” وينشرون صورهم وهم فى مؤتمرات وندوات تنظم للأسف داخل مصالح حكومية وفى دواوين المحافظات والوحدات المحلية وأجهزة المدن الجديدة والفنادق والمسارح وقصور الثقافة  وغيرها من الأماكن العامة والجماهيرية، وتفاجأ بها الأجهزة الأمنية.

< والخطير أن هذه المراكز التى تنطلق من مكاتب فاخرة وأنيقة، مفروشة بالسجاد الأحمر، وسكرتارية على مستوى من الفتيات الجميلات، لا تتردد فى أن  تدعو إليها بعض المسئولين بحجة منحهم الدكتوراه الفخرية، ووسط الزيطة والزفة  والهيصة، تقوم بمنح بشر آخرين، أنصاف متعلمين وربما جهلة ولا يستطيعون كتابة أسمائهم إلا بصعوبة شديدة، الدكتوراه الفخرية، فى إساءة بالغة  لهذه الشهادة التى لم تكن تمنح  إلا للعلماء وكبار المسئولين والذين يخدمون الوطن، ويتبرعون بجهدهم ووقتهم ومالهم لرعاية العمل الاجتماعى الإنسانى والخيرى، وليس كما يحدث الآن حيث يتم توزيعها على الملأ للذين يقال عنهم  “لا يفقهون الألف من كوز الذرة”.

< خلف لافتات عريضة وكبيرة وبورق مضروب، تتوغل هذه المراكز فى المجتمع، وفى أيام معدودة تجد رؤساءها والذين يديرونها ومن يمنحونهم الدكتوراه الفخرية يشكلون حزبا  “وكأن البلد ناقصة أحزاب ورقية” أو جمعية خيرية يستترون خلفها، لممارسة نشاط آخر مختلف تماما، عما هو ظاهر لنا خلف اللافتة أو وراء ظهر هذه الشهادات.

< والسؤال لماذا ظهر هؤلاء الآن بالذات؟ ولماذا يستهدفون المسئولين بالمحافظات والوحدات المحلية والوزارات الخدمية؟  خبيث من بينهم أخبرنى دون أن يعلم هويتى أنهم يجهزون لانتخابات المحليات القادمة ومن بعدها الانتخابات البرلمانية، وما نشاطهم  هذا إلا جزء من خطة لخوض المعركة بكوادرهم ورجالهم بعد تصعيدهم  وتقديمهم بهذه الطريقة لكل شرائح المجتمع.

< أما عن ورقة الحماية التى يتذرعون بها، فهى بسيطة  للغاية وغير مكلفة، فهم يستغلون تشجيع الأمم المتحدة للمجتمع المدنى “غير الحكومى” باعتباره القطاع الثالث بجانب قطاعى الحكومة والأعمال، ويقدمون طلبا إلى أحد فروعها ومكاتبها، مدعوما بالنشاط والبرامج والخطط التى سيتم تنفيذها، وبمجرد الموافقة، على الطلب الذى يقدمه فرد أو مجموعة، يتم توفير المقر للمركز بفلوس الأمم المتحدة والجهات الأخرى، وربما بأموال ومشاركات وتبرعات محلية من جهات وجماعات لها أهداف محددة، وتجد فلان الجاهل ومعه علان التافه على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية والورقية  وهو يتسلم الدكتوراه الفخرية بجانب السيد الوزير أو البيه المحافظ ، “وزغردى يا انشراح”.

< رغم يقينى التام بأهمية المنظمات غير الحكومية ودورها الكبير، إلا أن ما يحدث فى مراكز “بير السلم”  خلف ستار حقوق الإنسان وخدمة المجتمع ودعم الديمقراطية والتنمية السياسية يسىء إلى كل العاملين بها، ويتطلب من الأجهزة الرقابية سرعة التدخل لوقف إسهال  شهادات الدكتوراه الفخرية والمراكز الوهمية، وأن يتوقف المسئولون فى المركز الاستشارى والمجلس الاقتصادى والاجتماعى وإدارة الأمم المتحدة للتواصل العالمى (إدارة شئون الإعلام سابقا)  وكذلك المسئولون المعنيون فى الجامعة العربية عن المشاركة فى هذه المهزلة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق