المغرب الكبير

عودة لثورة تونس …ماذا حدث يوم 14 جانفي2011 في تونس ؟

فريد العليبي

يجدر التساؤل عما حدث بالضبط يوم 14 جانفي ‏ في تونس و ‏الأيام القليلة التي سبقته ؟ كثيرون يسألون هذا السؤال ، وبرأينا فإن هذا اليوم ‏يجب فهم أحداثه على ثلاث مستويات ، أولا مستوى الكفاح الشعبي و ثانيا مستوى ‏الصراع داخل النظام وثالثا مستوى التدخل الامبريالي و إذا كان المستوى الأول ‏يمكن الحديث عنه بقدر من التدقيق فان المستوى الثاني يكتنفه الغموض ‏فصراعات القصر و الدسائس و المؤامرات تمت وراء الكواليس و لن يفصح عن ‏فحواها بسهولة و هنا بالذات نذكر درس ماكيافال حول الأمير و المؤامرة فـ” ‏على الأمير أن لا يخشى كثيرا من المؤامرات إذا كان الشعب راضيا عنه ، أما ‏إذا كان مكروها و يحس بعداء الشعب له فإن عليه أن يخشى من كل إنسان و من ‏كل شئ ” ‏ ‏ ‏‎ ‎و يبدو أن بن على قد تآمر عليه أقرب أعضاده بما في ذلك حرسه ‏الخاص.‏
إذا عدنا إلى المستوى الأول أمكننا القول بيسر أن الحديث عن شارع بورقيبة ‏باعتباره قاهر بن على و رمز الثورة التونسية يرقى إلى مستوى الخرافة ، ففي ‏ذلك اليوم تراجعت قوات البوليس على غير العادة و أفسحت المجال أمام بضع ‏مئات من المتظاهرين مما مكن لاحقا من تزايد الأعداد بشكل كبير ، و بدا رجال ‏الأمن وديعين و متسامحين و هو ما لوحظ قبل ذلك بيومين في مدينة صفاقس كما ‏بيناه ، و عندما أيقنوا أن الأمر اقترب من الخروج عن السيطرة عند محاولة ‏المتظاهرين اقتحام وزارة الداخلية ، أطلقوا بعض قنابل الغاز المسيلة للدموع ‏فتفرقت الحشود ، و بالتالي فإن القول أن شارع بورقيبة كانت له الكلمة الفصل ‏في إسقاط بن على مجانب للصواب ، فما حصل خلال ذلك اليوم ربما يفسره ‏المستوى الثاني فقد بدا أن هناك من يسعى إلى الضغط بالجماهير و توظيفها ‏لصالحه في خطوة محسوبة بدقة ، و هذا لم يحصل لأول مرة في تونس بل ‏حصل سابقا ايضا عندما مارس وزير الداخلية خلال انتفاضة 3 جانفى 1984 ‏ضغطا على رئيس الحكومة بتوظيف احتجاجات جماهيرية كبيرة فأوعز إلى ‏جهاز البوليس بالتساهل في التعامل مع المتظاهرين غير أن خطته فشلت ربما ‏لأنها لم تجد دعما خارجيا ، أما في الحالة موضوع حديثنا فإن العامل الخارجي ‏كان حاضرا ، و هنا نصل إلى المستوى الثالث فنحن نرجح أن الامبرياليتين ‏الأمريكية و الفرنسية خاصة هما من وضعتا الخطة و راقبتا التنفيذ . ‏
لقد كنت الجماهير تريد الحرية و مطلب إسقاط النظام على ألسنتها و كانت في ‏حركة كفاحها مصممة على بذل ما يجب في سبيل ذلك ، هذا ما لا ينبغي أن ‏يكون موضع شك و لكن أعداءها كانوا يريدون شيئا أخر ، و هو التخلص من بن ‏على والحفاظ في نفس الوقت على نظام لم يعد بإمكانه ضمان بقائه ، خاصة بعد ‏تواتر الانتفاضات في أكثر من جهة من جهات البلاد.‏‎ ‎
‏ ‏‎ ‎إن ما حصل حتى الآن ضمن سيرورة ” الربيع العربي ” هو تحويل الانتفاضة ‏إلى مسخ و عندما ينظر المنتفضون اليوم إلى ما صنعت أيادي خصومهم بذلك ‏المولود الذي صرخ صرخته الأولى بين أحضانهم في القرى و المدن المهمشة و ‏الأحياء المفقرة لا يتعرفون عليه ، لقد غدا مخلوقا مشوها يزعم غرباء أبوتهم ‏له ، و خاصة هؤلاء الساسة الذين تمت استنساخهم كقادة في ما وراء البحار ، و ‏جرى فرضهم على المشهد السياسي بقوة المال و الإعلام و العسكر .‏
‏ و في تونس اليوم يمكنك معاينة ذلك بيسر ليس فقط على صعيد الأحداث الكبيرة ‏الماكروسياسية و إنما على صعيد المشاهد اليومية الميكروسياسية أيضا ، ففي ‏يوم من الأيام كنت واقفا في طابور طويل فيه نساء و رجال تجمعوا لخلاص ‏معلوم العلاج في مستشفى عمومي و كالعادة لم يلتزم أحدهم بالدور فصرخ ‏كثيرون في وجهه مما أحدث حالة هرج و مرج فعلقت مازحا : لا بأس إن هذا ‏من ثمار الثورة ، و جاء الرد سريعا من امرأة معدمة قائلة : ” أي ثورة ؟ إنها ‏غورة‎ ‎‏” ‏ ‏. إن من يحكمون تونس ما بعد بن على لا يختلفون كثيرا عن ذلك ‏الرجل الذي لم يحترم الطابور فقد قاموا بما يشبه الإغارة على الانتفاضة فسلبوا ‏الشعب نصره .‏
الربيع العربي والمخاتلة في الدين والسياسة الصادر سنة 2013

وسيط تداول
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق