أحوال عربية

على هامش-مأساة-الراحل جمال خاشقجي: آل سعود..بين المنشار..والإنشطار

محمد المحسن
ـــــــــــــــ

تصديرات:

“ليس بين الكلمة والمنشار مسافة..هذا دمك يا جمال يراق بين القبائل..وهذا الوعي نقيض الخرافة”(مظفر النواب-بتصرف)
“العبرات كبيرة وحارة تنحدر على خدودنا النحاسية..العبرات كبيرة وحارة تنحدر إلى قلوبنا”(ناظم حكمت)
“أبدا لن يموت شيء مني..وسأبقى ممجدا على الأرض ما ظلّ يتنفّس فيها صحفي واحد”( الكسندر بوشكين-بتصرف طفيف)

يبدو أن السلطات السعودية بأسطولها الإعلامي المرتزق ستستمر بالتعاطي مع ورطة جمال خاشقجي بهذه الطريقة من الابتذال وتأليف الحبكات. فبعد الإنكار لمدة أسبوعين، اعترفت بالقتل عن طريق الخنق خطأً، ثم قامت بطرد عناصر في الأجهزة الأمنية وتعيين آخرين. وها هي الآن تتجه لتبرئة محمد بن سلمان من هذه المصيبة من خلال استقباله لأبناء المغدور بحجة تعزيتهم، ثم التركيز على أن هناك من خَطّط ونفذ ودبر العملية برمتها. إنه… سعود القحطاني.
وتعيد طريقة اغتيال خاشقجي، وسرعة سفر المنفِّذين، إلى الذاكرة سرعة هروب منفذي عملية اغتيال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” محمود المبحوح في يناير 2010 بأحد فنادق مدينة دبي الإماراتية، وقد تبيَّن أن الموساد الإسرائيلي هو من نفَّذ العملية عن طريق عملاء يحملون جوازات سفر غربية، نجحوا جميعهم في مغادرة الإمارة قبل اكتشاف أمرهم، وهي الطريقة التي قام بها أعضاء الفرقة السعودية الـ15.
تفاعل عدد كبير من الصحفيين والمثقفين العرب مع أنباء اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
الكاتب الأردني ياسر الزعاترة كتب على حسابه يقول: “من قال إن الشهداء يغيبون؟! إنهم يمتطون الريح ويلمعون في سمائنا كالبرق.. يذكّروننا بالحلم، وينثرون في دروبنا أزهار الأمل. هُم هناك.. أحياءٌ عند ربهم يُرزقون”.
المفكر السعودي مهنا الحبيل نعى خاشقجي، مستذكراً الضغوط والإساءات التي تعرض لها، قائلاً: “كانوا يغتالونك كل يوم، يحتقرون حِجازيتك، يطعنون كرامتك، يستبشرون بتصفيتك، وكنت صامداً، كان قلبك أكبر من وطنهم، لكنَّ حسن ظنك بهم كان طريقهم إليك، فالله يتولاك، مهما أبعدوا جسدك فأنت حاضر في أهل طيبة وقلب مآذنها، وبين حرَّتَيها، روح رسول الله تحملك وتغشاك شفاعته”.
وأنا أقول:حملة الأقلام العظام يولدون مصادفة في الزّمن الخطإ،ويرحلون كومضة في الفجر،كنقطة دم،ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر..
جمال:أوقعتك القافلة سهوا عنك،سهوا عنّا ومضيت قُبيل تحقيق أمانيك اللطاف دون وداع،فحين إكتفى معظم الصحافيين والقراء ممن لامست مقالاتك المتوهجة شغاف قلوبهم برثائك،والترحّم على رحيلك بدموع حارقة..
جمال:الزّمان الغض،المضاء بشموس النصر والتحدي.الزمان المفعم بإشراقات المقال،ما قبل إدراك الخديعة،بغتة الصدمة وضربة المنشار..
الكون الحزين يرثيك.فرحة هي النوارس بمغادرتك عالم البشر إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..
أنت الآن في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق،والتردّي إلى مسوخية ما قبل الحيوان.
والسؤال:
هل كان- الحمام السعودي- يعبّر بهديله عن رغبته في اختطافك إلى الفضاءات النقية لتكون واحدا من-قبيلته-بعيدا عن الأرض الموبوءة بالإنسان الذي تحوّل إلى وحش ينتشي بنهش الجثث،قاتل للحمام والبشر،معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن؟ نائم هناك على التخوم الأبدية،وروحك تعلو في الضياء الأثيري،طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى.لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض.
“يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”.. هكذا ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهكذا تنص الأديان السماوية وأي منطق إنساني سليم. يموت هذا المنطق ببطء إذا اختار هذا الإنسان أن يصير صحفيا في العالم العربي، عندئذ تتقلص مساحة الحرية لديه رويدا رويدا، حتى تكاد تتلاشى. فهو حينئذ بين مطرقة سلطات قمعية لا تتسامح مع الرأي المخالف، وسندان مؤسسات رهينة لهذه السلطات أو لرأس المال، إلا من رحم ربي، وهم استثناء يثبت القاعدة.
ربما ليست مصادفة أن تكون مأساة جمال خاشقجي جزءا من قصة واشنطن بوست، فهو زواج لم يكتمل بين الصحافة العربية الحرة والصحافة الغربية الحرة، كزواج جمال مع خديجة خطيبته التركية. ومأساة متكررة مع الحرية والاغتيال يتعرض لها صحفيو فلسطين كل يوم، ويعاني معها صحفيو سوريا، وبسببها فقد كثير منهم حريته وحياته أثناء مذبحة رابعة في مصر. إنها قصة مأساوية آن لها أن تنتهي، ونتمنى أن يسدل جمال الستار على مثل هذه الجرائم المادية والمعنية بحق الصحافة والصحفيين.
ومهما كان الاختلاف مع جمال خاشقجي في جملة واسعة من الآراء التي تبناها حتى في مرحلته الأخيرة، فإنّه يستحق كلّ هذا الاهتمام وزيادة؛ لأنّ قاتله، أو مختطفه، يريد تحقيق عكس ما سبق تماما، أيّ يريد سحقي وسحقك لصالح ألوهيته، وهذا القاتل لا يمثّل بذلك نفسه بالمعنى الشخصي أو السياسي الضيّق، وإنما يمثّل كلّ طاغية كامن في كلّ واحد منّا، ويمثّل كلّ شكل من أشكال الطغيان المتحقّق في الواقع، خفيّا كان أم جليّا، في أي نمط من أنماط السلطة الموجودة، فقَلْبُ قضية جمال خاشقجي على من اصطنعها لترويعنا ولتكريس ألوهيته، أداة ضرورية لتبديد مخاوفنا ولتحطيم ألوهيته، ولتعرية الخونة من المرتزقة الذين لا يجدون في الصمت سبيلا لانحطاطهم، وإنما يلوكون لحم الضحيّة المقطّع، حتى لو كان زميلا لهم في المهنة أو المؤسسة نفسها!
إنّنا حينما نهتمّ بقضية جمال خاشقجي لا نؤدّي واجبا إنسانيّا فحسب، ولا ننحاز لكرامتنا الآدمية في بعدها المعنويّ فقط، وإنما نحن ندافع عن مصالحنا بالمعنى الماديّ للكلمة كذلك. نحن بذلك نحارب دون أعمارنا، ودون أرزاقنا، ودون مستقبل أطفالنا، هذا ونحن في الوقت نفسه ننهض بوظيفة الإنسان في هذه الأرض، بتحقيق كرامته الآدمية حين تحريرها من العبودية لغير الله، وهذا لا يكون إلا بموقف جذريّ من الطغيان.
ما أعرفه عن”القربان” جمال خاشفجي أنه لم يكن معارضا بأي معنى من معاني السياسة، وحتما لم يكن ثوريّا، والحاصل أنّ الثوريّ المندفع، والمعارض الجذريّ، في البلدان العربية الموغلة في الدياجير،لا بدّ وأن تأكل السجون من لحمه، إن لم تشرب البنادق من دمه، لكن أن يكون هذا مصير الرجل الواقعيّ الهادئ المحافظ، المقرّب في بعض الوقت من نظام بلده، فليس لهذا من معنى سوى أن الواقعية المطلوبة قد تكون في عكس هذه الواقعية المتوهمة، وأن الخلود لكرامة الإنسان، لا لمصالحه الفانية!
“يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”.. هكذا ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهكذا تنص الأديان السماوية وأي منطق إنساني سليم. يموت هذا المنطق ببطء إذا اختار هذا الإنسان أن يصير صحفيا في العالم العربي، عندئذ تتقلص مساحة الحرية لديه رويدا رويدا، حتى تكاد تتلاشى. فهو حينئذ بين مطرقة سلطات قمعية لا تتسامح مع الرأي المخالف، وسندان مؤسسات رهينة لهذه السلطات أو لرأس المال المتوحش..
جميع الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي لا تتورع عن انتهاك الحقوق والحريات، وفي حرمان المشتغلين بالكتابة من التعبير عن آرائهم بحرية، بكل الوسائل التي تتدرج من التحذير والتضييق إلى الاعتقال والتصفية الجسدية. السعودية، وهي تُدخل إصلاحات جديدة – كما يبدو – شددت قبضتها الأمنية على مجالات حرية التعبير وحقوق الإنسان، وتمضي بثبات نحو استبداد سوف يأخذ أشكالاً وصوراً أشد بشاعة مما عليه في التسلط وفرض رقابة واسعة على حرية التعبير. وتعكس أزمة الرياض مع كندا قبل أشهر بسبب اعتقال نشطاء حريات، جانباً من حجم المشكلة المتفاقمة، داخل السعودية، إثر تبني محمد بن سلمان لسياسات غير مقبولة، خاصة في السياسة الداخلية والخارجية.
اختار خاشقجي، أن يتكلم، أن يشير صراحة إلى مواطن الخلل، وإلى الممارسات الخاطئة التي تقوم بها أجهزة الدولة، واختار أن يكون الى جانب أولئك النشطاء الذين اعتقلوا بسبب حرية التعبير والرأي، ونشاطهم في مجال حقوق الإنسان، فكان-المنشار الدموي-في إنتظاره،كما سيكون الإنشطار آجلا أم عاجلا في صفوف آل سعود الذين عاثوا في الأرض فسادا..عمّقوا الجرح العربي وغلبوا الفتق على الرتق..
على سبيل الخاتمة:
في ظل الأوضاع التي يعيشها المجتمع العربي الآن، وفي ظل حكومات أخذت تسعى لتصدير الأسلحة لا الكتب، وبناء السجون والقواعد العسكرية بدلاً من المكتبات والجامعات، أصبح أهل القلم يخجلون من قلمهم!. تحولنا ببساطة من مجتمعات مأزومة سياسياً إلى مجتمعات مأزومة ثقافياً، وسلكنا الطريق ذاته الذي يؤدي إلى الجهل في كلتا الحالتين.
إن ما يعيشه المجتمع العربي الآن لا يحتاج إلى تأثير بالسلاح بقدر ما يحتاج إلى تأثير بالكلمة، ولأن القوى العظمى في عالمنا أدركت هذا الشيء؛ حاولت بشتى الطرق اغتيال الكلمة واغتيال قائلها.
المشكلة الأعظم التي تواجه الكتّاب هي إيمان القرّاء بهم كأشخاص لا كأفكار
الراحل الشيخ أحمد ياسين –رحمه الله- لم يجبر أحداً على الخضوع لتعليماته باستخدام القوة، وإنما باستخدام الكلمة فقط، وغاندي الذي استطاع تحرير شعب بأكمله من العبودية باستخدام الكلمة دون اللجوء إلى أي قوة، وغيرهم الكثير ممن أدركوا قوة الكلمة وقدرتها على التغيير.
وإذن؟
نحن إذا بحاجة إلى أن يغير بعض الكتّاب نمط كتاباتهم، فالكاتب قد يكون معلماً وملهماً للكثيرين دون أن يشعر بذلك، وقوة الكتاب تكمن دائماً في قوة كلمته، لم نعد بحاجة للكتابة عن أفكار مبتذلة تقيّد القارئ وتحصره في جزء معين من هذا الكوكب، بل نحتاج إلى كلمة تحرّر القارئ وتجعل منه ملهماً وكاتباً بذاته، المشكلة الأعظم التي تواجه الكتّاب هي إيمان القرّاء بهم كأشخاص لا كأفكار، وتلك أقصى مراحل العبودية.
الكاتب الشهيد غسان كنفاني هو أحد القلّة الذين كانت كتابتهم جهاداً في سبيل الحق ، ونتيجة لذلك استطاع أن يكون قدوة للكثيرين واستطاع إقناع الكثيرين بما يكتبه، جلّ ما احتاجه لذلك هو قوة كلمته فقط وإيمانه بها، وكان جزاؤه بعد كل-كجزاء الراحل جمال خاشقجي- يعني اغتياله تحت أسباب لم ندرك صحّتها إلى الآن.
ختاما أقول مثلما قال الكاتب والروائي السوري محمد غانم :”يستطيع الكاتب أنْ يخلق ثورةً من العدم.. ويخمدها بكلمته فقط.
سلاما لروحك الطاهرة يا جمال..رغم إختلافي مع ما كنت تحمل من أفكار ومبادئ..