أمن وإستراتيجية

علوم أمنية … كل ما تحتاج لمعرفته عن الشرطة العلمية ومسرح الجريمة

بشير الوندي

مسرح الجريمة , هو المكان الذي انتهت فيه أدوار النشاط الإجرامي ويبدأ منه نشاط المحقق الجنائي وأعوانه بقصد البحث عن الجاني من واقع الآثار التي خلفها في مسرح الجريمة , والتي تعد بمثابة الشاهد الصامت , فمكافحة اية جريمة تعتمد على خطوات متسلسلة هي المراقبة الأمنية والعمليات والتحقيق والتغذية العكسية والأحكام , ومسرح الجريمة هو جزء اصيل وجوهري من التحقيق.
ان ادلة مسرح الجريمة هي أدلة صامتة وهي أهم أذرع التحقيق في المكافحة وتشمل مايتركه المجرم والضحية من آثار في مكان حدوث الجريمة اوالحادث وتعتبر من أهم الخدمات التي يجب أن يدفع بها الأمن لصالح الاستخبارات , فمسرح الجريمة شاهد عيان ويحتاج إلى من له القدرة على استنطاقه.

اهمية مسرح الجريمة

ان الكثير من المعلومات والخيوط والابهامات يمكن فهمها من خلال التدقيق في مسرح الجريمة , وتعتبر ادلة وبراهين ومعلومات وخيوط يجب أن يلاحظها المتخصص والخبير سواء كان ضابط شرطة اوضابط استخبارات جنائية اوخبير فني متخصص, حتى تتكشف الخيوط وتتحول إلى معلومات وحقائق وادلة تسهل عملية الاستخبار.
ان التفحص والتفتيش الصحيح والعلمي واستخدام التقنيات الفنية والمختربية الحديثة في مسرح الجريمة , يرفد العمل الاستخباري والقضاء والقائمين على التحقيق بكثير من الحقائق والمعلومات والأدلة والخيوط التي تسهم في الكشف والتوصل للحقيقة بالدرجة الأولى .
ويعد الحفاظ على مسرح الجريمة من الاولويات القصوى فيما يعتبر اهماله او العبث به جريمة يعاقب عليها القانون في كافة قوانين العالم ,وقد يتم الاحتفاظ بمسرح الجريمة طيلة خطوات التحقيق .
الكثير من الجرائم لا تبدو كما هي , ويراد لها أن نفهمها بشكل مغاير للحقيقة , ففي بعض الأحيان يتعمد الجاني او الجناة للعبث المتعمد بمسرح الجريمة سواء لاخفاء آثارهم او لاعطاء المحققين انطباعات خاطئة مموهة , كما قد يؤدي رفع الادلة بشكل غير محترف الى اتلافها , كما ان تدخل المسعفين وجمهور الفضوليين الى مسرح الجريمة يؤدي الى اتلاف وضياع الادلة عدا عن ان بعض الظروف الجوية قد تتلف الادلة وتمحوها كالرياح والامطار بحسب مكان الجريمة .
ان امثلة العبث المتعمد او اخفاء الادلة كثيرة , فاللجنة الخبيرة التي فحصت حطام طائرة وزير دفاع صدام (عدنان خير الله ) كانت مقتنعة بان تحطم طائرة الوزير كان مدبراً بفعل قنبلة او صاروخ , لكون الحطام منتشر بقطر 50 كم , خلافاً للسقوط الناتج عن الارتطام الناتج عن خلل بالطائرة والذي لايتجاوز تناثر الحطام فيه لاكثر من قطر 5-3كم , الا انهم اجبروا تحت الضغط لتزوير اراداتهم في التقرير .
ان تدقيق ادلة مسرح الجريمة يؤدي الى رسم تصور واضح عن كيفية حدوثها ومن خلالها يتم تصنيف الحادث , كما تؤدي الادلة الى تأكيد او نفي كلام الشهود وتثبيت الجريمة على المتهم او اثبات برائته منها وكذا في تضييق دائرة البحث .
كما تؤدي الادلة احيانا الى ربط الجريمة بسابقات لها بحكم تعود المجرم على نمط واحد في تنفيذ جرائمه , كما تبين الادلة الطرق التي سلكها الجاني .
ان الدروس المستخلصة من مسرح الجريمة والحادث لها اهمية مركبة , فعدا عن انها تكشف الملابسات , الا ان التراكم المعرفي منها يحل الكثير من الالغاز المستقبلية , بل ان شركات الطيران تهتم بالتحقيقات الجوية لتطوير الطائرات وجعلها اكثر امناً .
وغالبا ما تقوم المؤسسة الأمنية بتحديد الدروس المستخلصة من أساليب الجريمة , فعندما تقوم عصابة بإتباع أسلوب مبتكر لسرقة مصرف , يتم تعميم هذا الأسلوب على المصارف كدروس مستخلصة لعدم تكرارها, بل ان بعض الجرائم تكون فريدة في عالم الجريمة , ولكي لاتتكرر , فانها تدخل ضمن التوصيات لتعميمها.
ففي أمريكا تتعاقد مصلحة السجون مع شركات أمنية ليقوم عناصرها بمحاولة الهروب من السجن ومعرفه نقاط ضعف السجن ليتم معالجتها وسد الثغرات , أي الاستعانة بفكر الجريمة لمكافحة الجريمة , وكذا الامر بالجرائم الالكترونية حيث يتم اغراء هواة الهكر بجوائز في حال تمكنوا من اختراق انظمة معينة من اجل سد الثغرات .
ان ضعف استنطاق مسرح الجريمة واهماله يسهل عمل المجرم ويوصل رسالة خاطئة له وللارهابي . فوقوع الجريمة هو فشل استخباري , لكن استنطاق مسرح الجريمة وجمع الأدلة هو دعم لتقوية الجهد الاستخباري ومساعده كبيره للعمل الأمني المكافح .
——————————
انواع الادلة الجنائية
——————————-
يهتم المتخصصون في مسرح الجريمة بالعلامات الظاهرة أوغير الظاهرة أو العالقة بالمتهم أو المجني عليه سواء كانت مادية او وصفية، وتساعد على كشف الحقيقة من حيث إثبات وقوع الجريمة وتحديد مرتكبيها وظروف ارتكابها .
وعلى هذا الأساس قد تتخلف الآثار المادية من الجاني كالبصاق أو المني أوالعرق أوالبصمة أوالشعر أوالدم أوالرائحة( او اجزاء من جسمه كما في الانتحاري ) أومن الآلة التي يستخدمها في ارتكاب الجريمة , كآثار الأسلحة النارية والسكين والعصا وغيرها من الآلات المستخدمة في الجريمة ، أو من الملابس وانسجتها أو من زر قطع وسقط في مسرح الجريمة ، وكما يترك الجاني آثار بمسرح الجريمة , فانه قد يأخذ منه آثارا مثل الأشياء التي تعلق به أثناء ارتكابه الجريمة.
وقد تكون تلك الاثار صلبة كالسلاح ، أو سائلة كالبنزين أو الدم , أو غازية كالغاز الطبيعي ، أو روائح معينة , كما ان تلك الاثار قد يمكن إدراكها بالعين المجردة كالزجاج والمقذوفات , وهناك الآثار المادية الخفية التي لا تدرك بالعين المجردة والتي يتطلب كشفها الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة كالبصمات غير الظاهرة أو آثار الدم المغسول .
وتنقسم الأدلة في مسرح الجريمة إلى ادلة مباشرة واخرى غير مباشرة سواء لنفي التهمة او لاثباتها , وقد تكون الادلة قانونية او ان تكون ظرفية بالشواهد والقرائن .
فال DNA والبصمات وأسلحة الجريمة والاعتراف تعد ادلة مباشرة والاخير سيد الادلة , اما غير المباشرة فمثالها شهادة الشهود , وتعد مثلاً كاميرات المراقبة ادلة قانونية فيما يعتبر وقت وقوع الجريمة وامكانية المتهم او عدم امكانيته في التواجد بذلك الوقت ادلة ظرفية .
كما تعد الدوافع ادلة ظرفية , كما في دافع توارث المجني عليه في جرائم القتل وبوليصة التأمين بحوادث الحرائق وغيرها مما لايحصى .
————————————
المختصون بمسرح الجريمة
————————————
ان أول من يصل إلى مسرح الجريمة هم الأشخاص الذين يكتشفونها بالنسبة للجريمة الصامتة ( حوادث الإرهاب جرائم صارخة) ، فيتصلون بالشرطة أو برجال الإطفاء بحسب الجريمة ، ويقوم أول شرطي يصل الى المكان بتأمين ساحة الجريمة , وعادة ما يحيطه بشريط حتى وصول فرق التحقيق.
و حال وصول الشرطة الجنائية و فريق الطب الشرعي، يشرعون في جمع الأدلة و المؤشرات ، وفي نفس الوقت يقرر الطبيب الموجود (في جريمة القتل ) إذا كانت توجد حالة وفاة أم لا.
واهم الجهات التي تعنى بحل الغاز مسرح الجريمة هم :
قاضي التحقيق: ومهمته التحقيق بالجريمة في كافة مراحلها .
الطبيب الشرعي: لتحديد حالات الوفاة وأسبابها وأنواع الإصابات وشكل الاداة .
خبير الأدلة الجنائية: لكشف البصمات والتطابق مع السجل الجنائي.
خبير تصوير: لتوثيق مسرح الجريمة بالصور .
خبير بيولوجي : لتحليل المخلفات والأنسجة والدماء والسوائل وال ,DNAوالمخلفات الناجمة .
خبير اسلحة ومتفجرات: للكشف عن سلاح الجريمة ومطابقته ان كان سلاحاَ نارياً او قنبلة.
خبير الحرائق :لمعرفة اسباب الحريق وهل هو مفتعل ام لا . خبير الخزائن والاقفال : لاسيما في جرائم السرقة فمهمته فحص الابواب والخزائن وتقييم الطريقة التي تم به فتحها.
خبير الخط: لكشف التزييف ومقارنة الخطوط لاسيما في جرائم التزوير .
خبير كيمياوي: لتحليل السموم . خبير تكنلوجيا الاتصالات: لفحص الهواتف والحواسيب وغيرها في محل الحادث .
خبير المركبات 🙁 ضابط مرور )فمهمته تكون في الحوادث المرورية والعجلات المنفجرة .
عدا عن ضابط شرطة يتواجد لضبط المحاضر وأقوال الشهود والجرحى , وضابط استخبارات شرطة او جنائية او إرهاب حسب نوع الحادث.
ولايشترط بالجميع الحضور الى مسرح الجريمة وانما تنقل الادلة لبعضهم في مختبراتهم , ولكن الجميع يصبون في هدف اكمال الاحجية لدى قاضي التحقيق.
—————————————-
مسرح الجريمة المهمل في العراق
—————————————-
للاسف , لا دروس مستخلصة لدينا في العراق منذ 14 عام, ولا علاجات حقيقية على أرض الواقع برغم آلاف حوادث التفجير , ويكون الاكتفاء اثر كل حادث بمطالبات هزيلة لتشديد الجهد الاستخباري , فيما تكتفي القوات الأمنية بالانتشار بعد الحادث وترويع المواطنين ونصب السيطرات.
لقد كان امراً مهولاً , ان يرى العراقي عجلات الاطفاء وهي تغسل اثار الانفجارات العنيفة المتواصلة التي كانت تهز بغداد طيلة اربعة عشر عاماً , بذريعة ابعاد المناظر البشعة عن المواطن .
ولتبيان خطورة هذا الامر , نكتفي بحادثة واحدة في بغداد حصلت في عام 2008 , حيث حدثت حالة تفجير داخل عجلة صغيرة , واعتبر الشخوص فيها شهداء , ولكن خبير المتفجرات اكتشف ان العجلة مدمرة من الداخل عند الصندوق الخلفي , وتبين بعدها , ان من اعتبروا شهداء , كانوا قتلة ينقلون العبوات التي تقتل الابرياء !!!!.
لقد خسرنا الكثير من الأدلة بسبب إهمال مسرح الجريمة , فبرغم مئات الاوكار ومصانع المتفجرات والتفخيخ التي جرى كشفها في انحاء مختلفة من العراق , فقد جرى اهمال رفع البصمات منها واهمال تأسيس سجل جنائي كبير يكون مرجعا للجهد الاستخباري والامني , لكن الإهمال وعدم الاهتمام بالعلم فوّتا الكثير من ذلك.
لقد كان يفترض ان يصبح العراق مركزا لتعليم الاجهزة الأمنية في كل العالم خبرة مسرح الجريمة , وان يعتبر الأول عالمياً في هذا المجال بسبب كثرة ملابسات الحوادث الإرهابية .
فتاريخياً , لم تحدث جرائم جنائية – بالدافِعَين الإرهابي والجنائي – بقدر ما حدث في العراق , سواء كانت بالتفجيرات والعجلات المفخخة والاغتيالات والخطف والسطو المسلح وغسيل الأموال والمخدرات وتجاره الاعضاء البشريه والفساد المالي والإداري .
كما استغل بعض الفاسدين الانفلات الامني لتمرير عمليات طمر الأدلة والقرائن عن فسادهم , من خلال حرق الوثائق التي حدثت بشكل متكرر وملفت , ولكن عدم وجود خبراء لمسرح الجريمة كان لصالح المخربين , لذا يتوجب بناء أفضل مؤسسه للأدلة الجنائية وبناء مسرح الجريمة للحد من هذه الجرائم ومحاصرتها , فلاتوجد خبره ميدانية أفضل من خبره مؤسستنا الاستخبارية والأمنية والعسكرية , ولكن النقص فقط في التكنلوجيا .
فمن المعيب أن يأتي ضابط – من اليونان مثلاً – ليدرب عناصر الجيش العراقي على مكافحة الإرهاب , بينما المفروض أن يدرب عناصر الجيش العراقي كل جيوش العالم على مكافحة الإرهاب , فالنقص لدينا ليس في الخبرة الميدانية , وانما في العلم والتكنلوجيا الجنائية والامنية والاستخبارية.
————
خلاصة
————
ان العلم الجنائي علم واسع وكبير ودخلت فيه التكنلوجيا بشكل موسع ويسعى إلى استنطاق الأدلة – أي الاستخبار وفهم الجريمة واركانها – ويركز على فهم وإثبات الجريمة او نفيها , ولذا يعتبر مسرح الجريمة مصدر معلومات صامت او غير نشط يجب فهمه واستنطاقه والبحث فيه لتكوين معلومات استخبارية عن الجريمة تساعد رجل الاستخبارات في الشرطة والاستخبارات الجنائية وباقي أذرع الجهد الاستخباري .
ومن هنا , فان بناء فريق خبراء العلم الجنائي لهو رادع كبير لكل جانٍ وارهابي وفاسد , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق