رأي

شتنبر الجرح الغائر

رشيد ( فوزي ) مصباح

**

(2)

شتنمبر.. شتنبر.. سبتمبر.. أيلول… بكل اللّغات أُناديك. يا شهرا فيه وُلدتُ، وترعرعتُ، وعملتُ، وتزوّجتُ، ومن رحمه الغائر أنجبتُ البنين والبنات. لماذا أنت دائما حزين هكذا؟ ألأنّك مثلي؛ تعاني من الوحدة والكآبة، وليس لنا من ذنب سوى أن الأقدار جمعت بيننا وجعلتنا شبيهين؟ وأرادت أن نكون محطّمين، وحيدين، ولا من يرعانا؟

– ” يا سيدي عمار شوف لحالي لك وعدة إذا وفّيت ” لطالما توسّلت والدتي للولي الصالح صاحب الضّريح، وجدرانه التي تحيطها بقايا الشموع وآثار أصابع الأيدي المخضّبة بالحنّاء من كل جانب، شاهدة على توافد الخادمين من المستغيثين و المستغيثات، والموجود داخل حرمة الجبّانة بقبورها المنسيّة، وبجانبه “عين لبّايض” المشهورة بمائها العذب الّرّقراق كأنّه اللّؤلؤ المكنون، يتوافد عليها العطشى من كل فج وصوب:- ” هذه مدّة وسنين لم تنضب”هكذا يتحدّث الأهالي عنها ويذكرونها بحب واحترام. فهي أمّهم التي تنبض بالحياة، وجدّتهم التي لم يتوقّف عطاؤها على مرّ السنين، ورغم مواسم الجفاف.

رُزقت أُمّي، وخلّفت بنتا من بعدي. لكنها مافتئت تذكر ” سيّدها عمّار ” الولي الصّالح صاحب الضّريح القديم. لاتزال توعده بشموع حتى قهرها  اليأس والمرض. كثيرا ما كانت تعاني والدتي من الهواجس والقلق، والوحدة والكآبة. لم تجد المرحومة من يقنعها آنذاك. سواء من الأطبّاء على قلّتهم، أو من السحرة والمشعوذين الذين وجدوا ضالّتهم. لم يكن هناك أخصّائين وقتئذ. لقد عاشت وماتت أمي بحسرة أنّها لم تكتشف طبيعة مرضها اللّعين؛ هل كان فعل فاعل؟ أم أن هذه هي ناصيتها، وحظّها ونصيبها من الدّنيا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق