رأي

شتنبر الجرح الغائر

رشيد ( فوزي ) مصباح

**

(4)

(ڤرزيز) أحد الأقرباء، اكتسب هذا الاسم، ولم أكن ولا أعرف حتّى السّاعة الأسباب ولا الدّوافع التي جعلت الآخرين يطلقونه عليه. وكل ما أعرفه هو إن هذا الإسم مأخوذ من اللّهجة ” الشّاوية ” و مرادفه ومعناه ( الأٍرنب) في الّلّغة العربية.

تربّى (ڤرزيز) يتيمًا بلا أم. وتخلّت أمّه عنه وهو صغير، فتزوّج أبوه، وارتحلت أسرته إلى تونس الخضراء. وهناك، في أرض اللّجوء التي أقام بها أعواما، فتح عينيه على الفن والتّراث العربي الأصيل، وتشبّع بالثّقافة الشّرقية، في وقت كان فيه الشّعب الجزائري يعاني من التغريب ومحاولات طمس الهويّة. بعد رحيلنا إلى مدينة ( عنّابة ) السّاحلية حيث يعمل والدي – رحمه الله -، مكث معنا الفتى الشّاب فترة، لا أتذكّر مدّتها بالضّبط وذلك لحداثة سنّي آنذاك وكنتُ حينها لا أتجاوز ثلاثة أو اٍربعة أعوام على أقصى تقدير . وبعد عودتنا إلى بلدتنا الأصلية مسقط الرّأس، حصل (ڤرزيز) على شغل وأقام بها.

أُصيب هذا القريب بإحباط شديد حين قرّر أبوه أن يزوّجه من ابنة عمّه البدوية “بنت الدوّار “، ودخل في دوّامة أحزان لم يخرج منها إلاّ بعد رجوعه إلى بلدته مكان إقامته وإقامة أسرة أبيه الأصليّة. وبسببه، الزّواج، لم يعد يكترث الزّوج الشّاب بشأن زوجته “البدويّة”، ولا بالعودة الى بيت الزّوجيّة. فكان يقضي أغلب أوقاته معنا، وبالأخص معي، وهذا بالرّغم من فارق السن الذي بيننا، وكان يفوقني ببضع عشرة سنين. تعلّمتُ منه أمورا كثيرة، الّسّلبية منها خاصّة.

كان (ڤرزيز) مثل المرحوم أبيه، يصنع البهجة، ويُحبّ الفرح والمرح. وكان قد جلب معه ذاكرته القويّة من تونس الخضراء، أرض اللّجوء، ومعها شغفه الكبير بالفن.كنتُ أترقّب قدومه عند نهاية كل أسبوع، يحمل معه مشغّل الاسطوانات القديم لنسمع معا أغاني العندليب الأسمر، وكوكب الشرق، ووردة أميرة الطرب -كما كانت تُلقّب-، وفريد، وعبد الوهاب وغيرهم من الفنّانين والمطربين المشارقة… فكنتُ أسهر معه اللّيالي الطويلة ولا أحبّ أن أنام، وندخّن أنواع السّجائر و نتعاطى الحشيش، وكان يُسمّى ” الكيف “… حتى شحب لوني وأُصابني الإرهاق. وتميّعتُ، وأهملتُ دروسي وواجباتي، وكدتُ أرسب. كل ذلك والمغفور له -بإذن الله- والدي العزيز – طيّب الله ثراه – منشغل عنّي بأشياء قد لا ترقى إلى مستوى المسئولية التي في عنقه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق