أحوال عربية

سورية …لماذا التعويلُ على الدور التركيّ في إدلب؟

د. محمد عادل شوك
ـــــــــــــــــــــــــ
بعيدًا عن تصريحات الأطراف المحليين في الملف السوريّ، فإنّ هذا الملف قد ذهب في اتجاهات، لا تتقاطع مع كثير من رغباتهم و تمنيّاتهم.
فالحراك الذي بدا في أوّل أمره، في: 15/ 3/ 2011، موجهًا نحو مطالب غير معقدة، و ما خُيِّل للنظام أنّه إعادةُ تأهيل له، غدا اليوم صراعَ نفوذٍ دوليّ، متشابكٍ إلى حدّ التصادم، و باتَتْ الأطراف المتدخِّلة فيه، تنظر إليه على أنّه صراعٌ جيوسياسيّ، ذو أبعاد استراتيجية، يعنيها إلى الحدّ الذي تذهب فيه إلى التدخّل المباشر.
و هو ما جعل الأمريكان يمسكون بخناق الجميع، من خلال وضع يدهم على موارد الطارقة بجميع مصادرها، فمنابع النفط بنسبة تتجاوز 85%، و مناطق الزراعة الاستراتيجية، و السدود على أهمّ نهرين يمرّان في سورية، باتت تحت سيطرتها، و تتحكّم فيها و في عائداتها، مع الحصان الأسود الكردي.
و الروس لهم ما كان في اتفاقية ” سايكس بيكو “، من وجود في سواحل الأبيض المتوسط، و لاحقًا في الجنوب بناء على تفاهمات إقليميّة ـ دولية، بترتيب أمريكيّ ـ إسرائيليّ.
و سُمِح لتركيا أن تبسط نفوذها في القوس الشمالي، من غرب الفرات وصولًا إلى الساحل، حيث قاعدة حميميم الروسية، في مهمة أقرب ما تكون إلى التفشيل منها إلى النجاح، حيث طُلِبَ منها أن تضبط تحركات الفصائل المعارضة، بتنوعها الفسيفسائي الغريب، و قد يَسَّرَ لها ذلك بنودُ اتفاقية أضنة السرية، التي يذكر المطلعون أنّها تعطي الجانب التركي الحقَّ في التوغل في الأراضي السورية، لمسافة تقرب من ثلاثين كم.
جاءت هذه التفاهمات من أجل جعل الوضع السوريّ تحت السيطرة، و منعًا لأيّة محاولات لتشظيه إلى دول الجوار، التي من غير المسموح زعزعةُ استقرارها في الظرف الراهن.
و عودًا على إيحاءات العنوان في أعلاه، يرى كثيرٌ من المراقبين، ولاسيّما المطلعون منهم، أنّ الدور التركيّ في هذه المناطق الثلاث، التي صارت تحت نفوذه، بموجب تلكم التفاهمات، لن يكون قصير الأجل، بحسب ما يتردّد في أقنية إعلام النظام؛ فلن يقلّ أمدها عن أمد قوات الردع العربية ” السورية لاحقًا ” في لبنان، من سنة ” 1976 ـ 2005 “.
و ذلك لاقتناع الأطراف الممسكة في الملف السوريّ، بما فيهم الروس، استحالة عودة الأمور إلى ما قبل 2011، من حيث شكل النظام السياسيّ، و ما يترتّب عليه من أشكال و نظم إدارية و خارطة جيوسياسية، و أهمّ من ذلك التركيبة السكانية، التي تصدّعت بشكل يصعب ترميمه على المديين: القصير، و المتوسط.
و عليه فإنّ على المتحركين في هذا الملف، من الأطراف المحليّة، أن يستوعبوا هذا المتغيّر، و ينظروا إلى الوجود الخارجيّ، و حتى الإيرانيّ منه، على أنّه أمر سيألفه السوريون طويلًا، و أنّ مصالحهم ستكون في طيّاته، و سيكتب لها النجاح بقدر تلاقيها مع مصالح تلك الدول.
و بذلك يمكننا الذهاب إلى فرضية أنّ الوجود التركي، في مناطق الشمال السوريّ، باتَ من مقتضيات الحلّ، بقدر ما هو من ضرورات الأمن التركي الاستراتيجي، و هو الأمر الذي سيترتّب عليه كثيرٌ من الخطوات، التي يرى المراقبون ضرورة السير فيها من الراعي التركي.
ابتداءً من بسط الأمن الذي بات مختلًا إلى درجة كبيرة، و مرورًا بإعادة تأهيل البنى التحتية المتهالكة، و انتهاءً بتدوير العجلة الاقتصادية شبه المتوقفة، و هو أمرٌ يقتضي منها أن تمدّ يدها إلى شركاء محليين، يتماهون مع سياساتها، أكثر من اعتمادها على آخرين، تقتضي الضرورات الأمنية مدّ اليد إليهم.
مثلما يقتضي منها أن تجعل جميع أقنية الدعم إلى تلك المناطق تصب في ساقيتها، لتتلافى كثيرًا من أخطاء الفترة الماضية في التعامل مع مكونات الحراك، بشكل مباشر و على انفراد و من تحت الطاولة.
و يقتضي منها أن تنظر إلى عموم هذه المناطق بالأهمية الاستراتيجية نفسها؛ فمناطق درع الفرات، أو غصن الزيتون، لا تقلّ أهمية عن إدلب، التي توافقت الإرادتان: الروسية و التركية نيابة عن الأطراف المتنازعة، في توقيع اتفاقية سوتشي في: 20/ 9/ 2018، التي ستنظِّم الوجود التركي فيها.
إنّه من المنتظر أن تصل كثيرٌ من الرسائل، التي انتظرها قاطنو هذه المنطقة، في أثناء التسويق لهذا الاتفاق، فقراهم و مدنهم، التي انقطعت عنها سبل الدعم، من كثير من الجهات الداعمة، تحت ذريعة وجود التنظيمات الجهادية، و اتكالًا على الدور التركي؛ باتَتْ بأمسّ الحاجة إلى إخراجها من حالة الشلل التي تعيشها، و هم ينتظرون خطوات مماثلة لما تقوم بها تركيا في منطقتي درع الفرات و غصن الزيتون.