أحوال عربية

روسيا تدخل الشرق مع انسحاب الأمريكيين… الدكتور بوتين يتطلع إلى الشرق

موسكو عبدالله حبه
ـــــــــــــــــــــــ
يتألف شعار الدولة الروسية من نسر ذي رأسين يتطلعان الى الشرق والغرب ، ويرمز ذلك الى ان روسيا تتعامل مع الشرق والغرب على حد سواء . لكن يبدو إن الوضع قد تغير في الآونة الأخيرة. فعندما قررت السلطات الأوكرانية الجديدة قبل أربع سنوات أيقاف ضخ الغاز الروسي الى أوروبا بواسط الترانزيت عبر أراضيها عقابا لموقف موسكو من القرم والدونباس توجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بطائرته الى الشرق – الى بكين، ووقع مع الصين أضخم صفقة غاز في تاريخ روسيا للتعويض عن الخسائر المحتملة في الغرب. حقاً أن روسيا وجدت أيضاً مسارات أخرى لتصدير الغاز الى أوروبا عبر ” السيل التركي” الى اسطنبول و”السيل الغربي” الى ألمانيا . إن الصراع بين روسيا وبلدان الناتو للحصول على الأسواق ومناطق النفوذ هو صراع تاريخي مثل بقية الصراعات الدولية ، التي أدت الى نشوب أكثر من حرب دموية سواء عالمية أو إقليمية بمشاركة روسيا والدول الغربية. والآن حين أراد الغرب ” تحجيم” دور روسيا على النطاق العالمي بإنتهاز فرصة تفكك الإتحاد السوفيتي وضعف روسيا ،وتكريس سلطة “القطب الواحد” الأميركي في العالم ،تصدى لهم “البطل بوتين” ،الحائز على الدكتوراه في الإقتصاد والعارف بألاعيب السوق الدولية . والحقيقة أن الروس يعتبرونه فعلا لأمر ما بطل الأمة ، مثل البطل الأمير الكسندر نيفسكي الذي طرد السويديين من ضفاف نهر نيفا غرب روسيا في عام 1240 . ولا بد من الإشارة بهذه المناسبة الى إن مقولة أحد أبطال مسرحية برتولت بريخت : “مسكينة الأمة التي تحتاج الى بطل “ربما كانت صائبة وما زالت سارية المفعول في كل مكان . ونحن في العراق نبحث أيضاً الآن عن بطل ينقذ البلاد من مخالب غول الفساد الذي ثبته بريمر السيئ الذكر وخلفاؤه في العراق في الدستور والقوانين بعد الإحتلال. لكن يبدو أن روسيا وجدت ” البطل” لهذه الفترة التاريخية ويقوم بدوره بهذه الصفة بصورة لا بأس بها.
إن روسيا المحاصرة من قبل الناتو ، حيث تنتشر على حدودها الغربية ، حسب معطيات وزارة الخارجية الروسية، التي أعلنتها ماريا زخاروفا الناطقة بإسمها مؤخراً ، عشرات القواعد العسكرية الأميركية في بولندا وبلغاريا ورومانيا وألمانيا ودول البلطيق وتركيا وبريطانيا وأيسلندا واليونان وكوسوفو واسبانيا وفي افغانستان يرابط فيها أكثر من نصف مليون عسكري أمريكي( توجد في أنحاء العالم أكثر من 700 قاعدة عسكرية أميركية) ، تحاول روسيا بكل السبل ضمان أمنها القومي بزيادة قدراتها العسكرية ولاسيما النووية. وقد وضع الناتو خططه بعد الإنقلاب في اوكرانيا ومجيء القوميين المتطرفين الى الحكم على أساس تحويل ميناء سيفاستوبول في القرم الى قاعدة بحرية رئيسية له في البحر الأسود، وبهذا يضمن الحلف السيطرة على الدول المطلة عليه ومنها روسيا. لكن روسيا عاجلت الى إجراء الإستفتاء في القرم الذي تقطن فيه أكثرية روسية وضمت القرم إليها. وعندما أراد الناتو تحويل سوريا الى ليبيا أخرى ووضعها تحت سيطرة الناتو وأقصاء القوات البحرية الروسية ونفوذ موسكو عن منطقة البحر المتوسط نهائياً عاجلت روسيا الى التدخل العسكري في سوريا وأقامت قاعدة حميميم الجوية ووسعت قاعدة طرطوس البحرية.وبهذا أبقت روسيا على حضورها العسكري في الشرق الأوسط ولو في بلاد واحدة.
لكن بوتين ما زال يتطلع الى الشرق بحثاً عن دعم دائم لروسيا على النطاق الدولي بعد أن يئست من التعامل مع أوروبا الغربية كلياً تقريباً ، في ظروف فرض العقوبات التي فرضتها على الشركات والشخصيات المتنفذة الروسية .وجدير بالذكر أن روسيا عانت كثيراً خلال ثلاثة قرون من تاريخها من العقوبات الإقتصادية الغربية التي كانت تفرض لمختلف الأسباب من أيام بطرس الأكبر وغزو نابليون لروسيا وحرب اكتوبر وبعدها الحرب الباردة . لكن روسيا صمدت مع هذا لجميع العقوبات الغربية معتمدة على قدراتها الذاتية من ثروات طبيعية وصناعة تتطور بإستمرار. واليوم نرى الزعيم الروسي تارة يزور بكين وتارة نيودلهي واسطنبول وسنغافورة وطهران وكذلك عواصم جمهوريات آسيا الوسطى.وإزداد نشاط روسيا في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا. وبهذا أصبح الشرق محل إهتمام روسيا الرئيس على صعيد السياسة الخارجية.
في 15 تشرين الثاني الحالي شارك بوتين في قمة سنغافورة حيث عقدت قمة بلدان شرقي آسيا وإلتقى بزعماء اليابان والصين واندونيسيا وسنغافورة وغيرهم وبحث معهم مجالات التعاون بالالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الشركات الروسية الكبرى. وبدأ الحديث عن الإنتقال في التعامل التجاري الى العملات المحلية بدلاً من الدولار .وقبل هذا زار الهند التي ترتبط مع روسيا بعلاقات ستراتيجية حيث إن نسبة 60 بالمائة من سلاح الجيش الهندي هو سوفيتي وروسي الصنع ، كما أن روسيا مارست دوراً كبيراً في بناء الصناعة الثقيلة وصناعات السفن والغواصات والصواريخ والطائرات المقاتلة في الهند ، مما جعلها تحتل مكانة بارزة في الإقتصاد العالمي.ويمكن أن تصبح الهند في عام 2225 – حسب التوقعات – ثالث إقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين . بينما تشارك الشركات الهندية في الإستثمارات في حقول النفط الروسية في ساخالين. وتقيم اندونيسيا علاقات متينة مع روسيا ولا سيما في شراء السلاح الروسي.علماً أن مواقع روسيا في العالم العربي قد إنحسرت بعد تفكك الإتحاد السوفيتي.ولم توقع أية إتفاقية ذات أهمية إقتصادية كبيرى سوى مع مصر في ختام أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات لبناء أول محطة كهرذرية في العالم العربي في منطقة “الضبعة وتقيم روسيا علاقات إقتصادية وستراتيجية واسعة النطاق مع تركيا بضمنها المشاركة في مشاريع النفط والغاز وبناء أول محطة كهرذرية فيها وتزويدها بالصواريخ المتطورة سس – 400 التي لا تمتلكها حالياً سوى القوات المسلحة الروسية والصينية. وقد وقعت تركيا صفقة الصواريخ هذه بالرغم من أحتجاج قيادة الناتو.
وفيما يخص العلاقات بين روسيا والعراق فقد كان العراق يحتل المرتبة الأولى في الشرق الأوسط من حيث حجم العلاقات الاقتصادية والتجارية مع روسيا . بيد إن إضطراب الوضع في العراق بعد الإحتلال الأميركي حال دون إستعادة العلاقات القديمة مع موسكو في مجال بناء المشاريع الإقتصادية وشراء السلاح على نطاق كبير. علماً ان سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي أعلن مراراً إن سياسة روسيا حيال العراق هي الحفاظ على وحدة وسيادة البلاد وعدم التدخل في شؤؤنها الداخلية. وعندما تأزم الوضع بعد إحتلال الموصل والأنبار من قبل داعش عاجلت روسيا الى تزويد الجيش العراقي ب 43 مروحية ضاربة مارست دوراً كبيرا في ضرب مواقع داعش. وتم تزويد سلاح الجو بها وبغيرها من الأسلحة بسرعة عجيبة بخلاف الصفقات التي وقعها العراق مع دول غربية آنذاك لإقتناء السلاح. وعادت شركات النفط الروسية للعمل في غرب القرنة – 2 وحقل بدرة ومواقع أخرى بمساهمة شركات عالمية أخرى. لكن الوضع في العلاقات بين البلدين حالياً يتسم بالبرود، ولا يلاحظ أي نشاط متبادل في ميدان التجارة والإقتصاد والثقافة وتبادل الوفود لبحث التعاون الثنائي.
لايماري أحد في أن السياسة هي وسيلة لفرض السيطرة على المواقع الإقتصادية ومناطق النفوذ.وتدرك القيادة الروسية في عهد بوتين كل هذا جيداً . ولهذا يجري التركيز على عمل المنظمات الإقليمية غير التابعة للنفوذ الغربي مثل ريك(روسيا- الهند-الصين )وبريكس (البرازيل – روسيا – الهند- الصين – افريقيا الجنوبية) وكذلك شوس (منظمة شنغهاي للتعاون). ولم تعد روسيا تهتم بالمشاركة في منتدى دافوس أو مجموعة “الثماني الكبار”. علماً أن الدول المذكورة آنفاً ذات الإٌقتصاد النامي تصبو الى تكوين منظمات خارج التكتل الغربي حيث تستطيع هذه الدول إقامة العلاقات من دون ضغوط واشنطن التي يأتي مبعوثوها عادة الى عواصم الدول الأخرى حالما تعلن قياداتها عن الرغبة في عقد صفقات ما مع روسيا ، وسرعان ما يعلن أن هذه البلدان لن تعقد اية صفقات معها ( كما حدث مع صفقة بناء خط للسكك الحديدية في المملكة العربية السعودية).كما يستخدم في هذا المجال موضوع العقوبات المفروضة على بعض الدول مثل إيران وكوبا ونيكاراغوا وليبيا واليمن وكوريا الشمالية بغية منع روسيا من إقامة علاقات معها. وهكذا تبني موسكو الآمال الكبار على التعاون مع دول الشرق.