أحوال عربية

روحاني … هل يكون غروباتشوف الثورة الاسلامية في ايران ؟؟.. الاتفاق النووي السيئ

صائب خليل

خطب الأرنب مطالباً بالمساواة لجميع الحيوانات، فزأر الأسد به: “وأين مخالبك وأنيابك؟” -الفيلسوف اليوناني انتيسثينيس.

من الحقائق التي لا يعرفها الكثيرون ان إيران نجاد قد وصلت الى مسافة شهرين أو ثلاثة من انتاج القنبلة الذرية، وأن حكومة التجار بقيادة روحاني قذفت بذلك الإنجاز العظيم في البحر! لهذا ولغيره أرى ان حسن روحاني قد لعب ويلعب (ضمن امكانياته) في تحطيم الثورة الإسلامية الإيرانية، دوراً مشابها لدور غورباتشوف في تحطيم الاتحاد السوفيتي. وهذه المقالة التي تأجلت طويلاً، وما سيلحقها تبين وجهة نظري.

بشكل عام، لا اثق ابداً بحكومة يثق بها تجار أي بلد. فهذه الطبقة، كطبقة وليس لكل فرد فيها، عودتها مهنتها أخلاق “البيع والشراء”. والناجحون الرابحون فيها هم من يستطيعون تقمص الأخلاق التي تزيد من كفاءة البيع والشراء، وأولها الجشع وابعاد ما يقف بوجه ارباحها من أخلاق وقوانين ان تطلب الأمر. ومن نسميهم “تجاراً” هم دائما هؤلاء الذين نجحوا في امتحان الاخلاق الخاص بالتجارة وكانوا اكثر من غيرهم مهارة في الدوس على كل الأخلاق التي تقف في وجه مهنتهم: اخلاق الإنسانية! ولا أرى سبباً لاستثناء تجار إيران من ذلك. وبالفعل اثبتت حكومة روحاني تلك الرؤية، وقد كتبت منتقداً مواقفها السياسية بشدة في اكثر من مرة، وخاصة اتفاقها النووي سيء الصيت.

من بين كل المرشحين لرئاسة ايران، اختار التجار حسن روحاني ودعموه بالمال والتأثير. ووصل هذا التأثير الى الخامنئي ذاته، الذي دفع إلى ارتكاب الخطأ الأكبر في حياته حسب تقديري، بمنع ترشيح ابن الشعب الإيراني البار والمدافع الباسل عن فقرائه، احمدي نجاد. ليس ذلك غريبا، فحيثما تجمع التجار في أي بلاد، وقفوا ضد الفقراء، ضد اغلبية الناس، ضد شعبهم. ولنلاحظ أن هؤلاء هم ذاتهم من خاض نضالاً شرساً ضد احمدي نجاد في فترة حكمه، وبشكل خاص ضد اجراءاته لحماية الفقراء، وضغطوا على الخامنئي ليتدخل لتخفيف تلك الإجراءات التي تحرمهم الكثير من السرقة، وكان لهم ما أرادوا بدرجة أو بأخرى في مواضيع متعددة مثل دعم أسعار الوقود وغيرها.

لذلك فقد كان أول عمل لهم هو محاولة محاكمة نجاد ومعاونيه بتهمة الاختلاس. ذلك الرجل الذي اصر على كل وزرائه ان يقدموا بيانات ممتلكاتهم ويتعهدوا ان لا تزيد توماناً واحداً عند انتهاء حكمه، ذلك الرجل الذي رفض راتب الرئاسة واحتفظ براتبه كأستاذ في الجامعة. الرجل الذي بقي في بيت ابيه القديم وسيارته العتيقة، يحاكم من قبل تجار البازار المنتفخين بتهمة اختلاس الأموال!!

من هنا يتبين لنا ان الخلاف بين الطرفين خلاف جذري يصل الى حد الكره الشخصي والعداء الطبقي وانه صراع حياة أو موت بين اخلاقيتين متناقضتين لا يمكن جمعهما معاً. وصحيح ان نجاد فقد السلطة الحكومية، وتم التخلص من كل جماعته، لكن لا يزال الكثير ممن في السلطة غير الحكومية أقرب الى نجاد مما هو الى التجار. ويبدو لي ان السيد الخامنئي ابتعد بشكل واضح عن روحاني وربما اكتشف خطأه الكبير. وعلى اية حال فهو مختلف معه في أمور أساسية، ومن هنا تأتي صعوبة تسمية هذا الخليط باسم واحد هو “إيران”.

لذلك، فمن أراد تحليل المواقف الإيرانية تحليلا صحيحاً فعليه أولاً تجزئة التعابير إلى اجزائها واهمها في الوقت الحالي جزءان: الحكومة (روحاني حالياً) و خامنئي. وعلينا ان نفهم أن القرارات والمواقف الإيرانية تأتي من أحد هذين الطرفين، واحياناً بدون تنسيق بينهما (بل احياناً بتناقض بينهما). لذلك علينا ان نحدد من أي طرف اتى القرار، لنحدد من المسؤول عنه أو لمن يعود الفضل فيه.

لنلاحظ هنا ان الأمر الملتبس والغائم علينا، واضح جداً بالنسبة للغرب الذي تقوده اميركا وإسرائيل: إنهم يفرحون بروحاني ويدعمون الاصلاحيين ويتآمرون مع المتظاهرين المؤيدين لهم، لكنهم يعودون ويضغطون عليهم فقط بعد ان يحصلوا على السلطة. كذلك فأن التركيز هو على الحرس الثوري الإيراني وقياداته وهم من يتم وضعهم في قائمة الإرهاب. وقد تطال عقوباتهم كضغوط، الحكومة الإيرانية، مثل وضع ظريف ضمن العقوبات الاقتصادية لتطبيقه “سياسة ودعاية نظام خامنئي العدائية”، حسب بيان وزارة الخارجية الأمريكية، لكنها لا تصل ابعد من الضغط.

مقارنة بذلك نتذكر كيف جن جنونهم حين انتخب احمدي نجاد واشتدت مؤامراتهم لإسقاطه واكاذيبهم حتى على خطبته في الأمم المتحدة، لكنهم رقصوا فرحاً لانتخاب “الإصلاحي” حسن روحاني! و “الإصلاح” بمفهوم الغرب هو التخريب بمفهومنا، وخاصة التخريب الاقتصادي المتمثل بحرية السوق وقواعدها المضادة للشعب، والتي يتمسك بها روحاني وحكومته.

هذا لا يمنع اميركا من توجيه خطاب قاس إلى تلك الحكومة بين الحين والآخر، فالضغط على “الصديق” أسلوب معروف لدفعه الى اقصى تنازل ممكن، وكذلك لتعطيه مبرراً أمام الآخرين لتقديم التنازلات، وكذلك يمثل هذا الضغط نوعاً من التبرئة له من تهمة المحاباة لأميركا.

هذا يجعل من عبارات مثل: “ايران وافقت على الاتفاق النووي” أو “إيران اسقطت طائرة تجسس”، عبارات غامضة. فأي “إيران” وافقت على الاتفاق؟ وأي “إيران” اسقطت الطائرة؟

وهذا يدفع بنا الى إعادة صياغة الكثير من الأسئلة المهمة التي طرحت خطأً في الماضي:

أي ايران هي التي طورت التكنولوجيا النووية؟ روحاني ليس له علاقة بالأمر، ولم يكن له أو لحكومته أي اسهام فيه. لكنه اسهم في وقفها بعقد اتفاق مشبوه وسيء مع اميركا لوقف تلك التكنولوجيا.

فالحقيقة المدهشة، بل المرعبة هي ان إيران كانت قادرة على انتاج القنبلة الذرية في فترة بين شهرين وثلاثة اشهر!(1)

وحتى لو تمسك الإيرانيون بموقفهم الأخلاقي الديني بعدم استعمال تلك القنبلة او حتى انتاجها كتهديد دفاعي، فكان بإمكانهم أن يصلوا الى حد انتاجها كإمكانية حاضرة، ثم يتوقفوا، لتكون تهديداً يردع عن ايران أي عدوان ويجبر الغرب على مفاوضتها كقوة نووية فعلية، ولربما لم تدمر سوريا، ولكان الشرق الأوسط بحال مختلف اليوم. لكن كل ذلك ضاع بفضل حكومة روحاني، إضافة الى العديد من الأمور.

في مقالة لي بعنوان “وابتلعت إيران كرامتها!” في عام 2013 كتبت:

من الناحية المبدئية، من حق إيران التام انتاج ليس فقط التكنولوجيا النووية، بل وأيضاً القنبلة الذرية ذاتها، وتقر لها بهذا الحق حتى معاهدة وقف انتشار الأسلحة النووية، حيث مازال الكبار يطورون اسلحتهم النووية، وبالتالي فقد نقضت تلك المعاهدة التي تؤكد على شرط وقف ذلك التطوير والسعي الى إزالة الأسلحة لدى مالكيها”

ومعروف أيضاً ان حجة اميركا لتطوير تلك الأسلحة دائما كانت حقها في “الردع النووي”! وهنا اكرر السؤال الكاشف للنفاق الذي طرحه المؤرخ الأمريكي الراحل هوارد زن: “لماذا ليس من حق ايران اذن ان يكون لها رادع نووي”؟

فحقيقة الصراع على امتلاك او منع امتلاك القنبلة النووية هو في حقيقته صراع من أجل الاحتفاظ بحق الدفاع عن النفس، وامتلاك بعض المخالب التي قد تردع خدوشها الوحش الأكبر عن الاعتداء، من جهة، وفي المقابل صراع الوحش من أجل “حقه” في الاعتداء بحرية، دون أن يردعه شيء.

هذا من ناحية المبدأ، لكننا نعلم ان المبدأ الخالص صعب التحقيق في عالم متباين القوة بشكل شديد، لذلك فأفضل ما يمكن للجانب الأضعف ان يحققه هو “اتفاق جيد” يضمن له سلامته واقصى ما يمكن من حقوقه، فهل كان الاتفاق النووي “جيداً” بالنسبة لإيران؟

حاول الإعلام الإيراني التقليل من حجم التنازلات التي أقدمت عليها ايران، وتعظيم أهمية المكاسب (2) وإعطاء انطباع بأنه “انتصار” لإيران، وأن إيران قد “أبدت قدرة فذة على الصمود في مواجهة القوى العالمية”. وجرى من ناحية أخرى التقليل من أهمية وفعالية السلاح النووي، والترويج بأن ” الشعب الإيراني تمكن بصموده من انتزاع حقه في الطاقة النووية” وكذب وزير الخارجية الإيراني، بالقول أن الانتصار تأكد من خلال اعتراف الغرب بحق إيران في التخصيب (3) في حين ان الحقيقة هي تحديد شديد لذلك التخصيب.

وقال البيت الأبيض مطمئناً الرافضين للاتفاق، ومفاخراً بموقف البلطجة الدولية ضد الشعوب، أن إيران لن تتمكن من التصرف بمخزونها من الـ 100 مليار من العملة الصعبة ولن تتمكن من زيادة تصدير النفط خلال ستة أشهر، وستتمكن من استعمال 4.2 مليار من مبيعاتها النفطية إلا أن 15 مليار من وارداتها في هذه الفترة ستذهب إلى “الحسابات المحدودة” وأن الضغط الاقتصادي سيستمر على إيران ويحافظ على المقاطعات خلال المرحلة الأولى .. لقد خفضنا صادرات إيران من 2.5 مليون برميل في اليوم في بداية 2012 إلى 1 مليون برميل في اليوم الآن، مما كلفها 80 مليار دولار خلال الفترة منذ بداية 2012، ولن تتمكن إيران من الحصول عليها أبداً. استمرار الحصار على كمية النفط سيكلف إيران 4 مليار دولار في الشهر. كذلك سيستمر الحصار على القطاع المصرفي الإيراني وشركات التأمين والنقل والبرنامج العسكري والتجارة وتبقى كل قرارات مجلس الأمن فاعلة والحصار الخاص بدورها في الإرهاب ودورها في “تحطيم الاستقرار” في سوريا (!)

ونتيجة لانتشار هذه الاخبار فشل الاعلام الإيراني بتغطية سوء الاتفاق، رغم مسرحية تنظيم تظاهرات لاستقبال الوفد المفاوض في المطار، والمبالغة في تصوير عددها (4) إضافة الى التركيز على احتجاجات إسرائيل(5). ورغم ان إسرائيل كانت على اطلاع مستمر على المباحثات(6)، فأن أيباك  تحث أوباما على المزيد من الحصار الاقتصادي على إيران(7) ضمن محاولة تصوير الاتفاق على انه انتصار إيراني.

وطبيعي أن مثل هذه الاحتجاجات الإسرائيلية ستأتي مهما كان الاتفاق مناسباً لإسرائيل، فهي مفيدة دائما كحجة للحصول على المزيد من المكاسب.

السعودية رحبت بالاتفاق بحذر(8)، وببلادة، وصف المالكي حينها الاتفاق بأنه “خطوة كبيرة على صعيد امن واستقرار المنطقة واستبعاد بؤر التوتر فيها”. وقال أنه يأمل “ان يكون الاتفاق مقدمة لإخلاء المنطقة تماماً من أسلحة الدمار الشامل”.  والحقيقة أن الاتفاق يبعد تماماً مثل هذا الأمل، بعد أن فقد الجانب الإسرائيلي أي سبب يمكن أن يدفعه لمثل هذا الاتفاق.

وقد أيد حزب الله الاتفاق ووصفه بأنه ” انتصار نموذجي وإنجاز عالمي نوعي”، إلا أن موقف الحزب الدبلوماسي، رغم شعوري بالأسف، مفهوم(9)

كل ذلك لم ينجح كما يبدو بتصوير الأمر كانتصار إيراني، ولم يتمكن وزير الخارجية من طمأنة الشعب الإيراني إلا بقوله بأن الاتفاق غير نهائي ويمكن التراجع عنه! فلو كان انتصاراً فلماذا التراجع عنه؟

بعض التعليقات حول الاتفاقية لقراء الإعلام الغربي من الناشطين اليساريين على النت تعكس شعورهم العام هناك:

– “هل أفلست إيران ولم يبق لها خيار أخر لتوقع مثل هذا الاتفاق؟”

– “يمكنكم أن تلوحوا باتفاقيات جنيف، وحقوق الإنسان والدستور والإنجيل والقرآن ومعاهدات الولايات المتحدة .. لن يحميكم شيء.”

– “لماذا؟ ماذا فعلت إيران أصلاً لكي نعاقبها؟”

– “القذافي أوقف مشروعه النووي قبل 20 عاماً، وماذا كانت النتيجة بالنسبة له وبالنسبة لليبيا؟ ”

– “على أيران أن لا تثق بأن أميركا ستحترم أي إتفاق معها. إسألوا الفلسطينيين، وانظروا نتيجة الاتفاقات عليهم. ”

وبالفعل لم تحترم اميركا اتفاقيتها، ومازال تنفيذ المكاسب الموعودة متعثراً، ومازال التوتر على اشده!

لقد تحمل الإيرانيون حصاراً ربما يعتبر الأشد الذي فرض على دولة ما، خارج نطاق الحروب، كما وصف ذلك أحد الكتاب اليساريين الغربيين(10) من أجل الحفاظ على حقوقهم واستقلال قرارهم، ويمكننا أن نرى ذلك واضحاً من قائمة المواد التي تم تخفيف الحصار عليها. وكل ذلك ضاع “بفضل” حكومة روحاني، فهل من عجب ان رقصت اميركا لفوزه؟

لو ان اميركا استجابت لطموحات روحاني، ولو كانت كل الأمور في ايران بيد هذا الأخير، لكنا رأينا ايراناً مختلفة كلياً عن ايران ثورة الخميني. فامتداداً لذلك الاتفاق، ابدت إيران روحاني استعدادها لفتح اقتصادها وبضمنه صناعتها النفطية لـ “الاستثمارات” الغربية وعبرت عن رغبتها في مساعدة الولايات المتحدة على تحقيق “الاستقرار” في الشرق الأوسط.

وبالفعل، استغلت الولايات المتحدة موقف إيران من سياستها في ما يسمى بـ “الرابط الآسيوي” الذي يهدف إلى عزل الصين. فما أن تم الإعلان عن الاتفاق مع إيران حتى أطلقت الولايات المتحدة خطاباً تهديدياً شديد اللهجة ضد الصين حول خلافها مع اليابان بشأن جزر سينكاكو دياويو، متوعدة بالحرب ضد الصين كما تقتضي اتفاقيتها الأمنية مع اليابان.

وهنا يطرح السؤال: إن كان الاتفاق سيئا لإيران فلماذا الغاه ترمب؟ ببساطة، لأن ترمب المنفذ لتوجيهات إسرائيل، كان سيلغي أي اتفاق مع ايران مهما كان، مادام ذلك الاتفاق لا يشمل قطع أنفاس حزب الله على الأقل، وربما سوريا أيضا. فموقف إسرائيل هو ذاته من أي اتفاق كحساب لموقف ثبتت فيه أرباحها، وتسعى لتربح المزيد (وهو المبدأ الذي تم تصديره لكردستان لابتزاز العراق المتصاعد دائماً). وبالتالي الغاء ترمب له لا يعني انه كان جيداً لإيران. ايران نجاد والحرس الثوري هي صاحبة الفضل الأكبر في التكنولوجيا النووية اما إيران روحاني فبالعكس.

من المؤسف أن تنتهي هذه القصة بهذا الشكل من خلال حكومة تجار البازار التي سعت إليها أميركا في إيران، والتي أضاعت التضحيات التي قدمها الشعب الإيراني والفرصة للحصول على التكنولوجيا النووية بلا وصاية، وبددت بشكل بائس الأوراق التي حصدها نجاد بجهد كبير وتضحيات كبيرة

لقد قضت حكومة روحاني على فرصة كان يمكن ان تنقذ الشرق الأوسط والمسلمين وحتى الدول العربية من الفناء الذي تسير اليه.

يتبع….

صائب خليل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق