ثقافة

روائع المقال تأليف : هوستون بيترسون ترجمة: يونس شاهين – الثانى : مقال وترجمة لسير فرانسيس بيكون


خالد محمد جوشن

كان سير فرانسيس بيكون( 1561- 1626) محاميا وسياسيا وفيلسوفا ونبيا للعلم فى عصره ورائدا لفكرة الدولة المثالية الديمقراطية ، وكان معاصرا لشكسبير ومستشار للملكة اليزابث الاولى والملك جيمس الاول، ولقد جعل المعرفة بميادينها مجالا له ، وارتفع باطماعه الى مراكز فى الدولة اكثر مما كان يجب لاقرانه فى الحاشية .

وعلى ذلك فقد شغل الناس بشخصه ، واصبح من اكثرهم نصيبا فى المدح والذم ، فقال عنه برجسون الذى كان يعرفه، انه كان يخيل الى دائما من خلال اعماله ، انه من اعظم الرجال واجدرهم بالتقدير عبر عصور طويله

وقال عنه اسحق والتن ’ انه الامين العظيم لسر الطبيعة ’ ، ولكن الكسندر بوب فى القرن التالى لعصره ، انشد فيه بعض الابيات التى كتب لها الخلود فقال ما معناه : ان كنت ممن يخطف ابصارهم بريق المواهب ، فتامل تالق بيكون ، وكيف كان احكم الناس والمعهم ،،، وادناهم جميعا.
ومن الحقائق ان بيكون عانى عسرا من المال معظم حياته ، ومن الحقائق ايضا انه ساعد على ادانة صديقه وراعيه ايرل ساكس اثناء محاكمته بتهمة الخيانة العظمى التى انتهت باعدامه ، وكان دفاعه عن ذلك ان اخلاصه لمليكته كان فى اعتقاده يجىء قبل اخلاصه لصديقه السابق ، الذى كان الرجل المفضل لدى اليزابث فى الماضى .

ومن الحقائق ايضا ان بيكون حين صار لورد نشنسور وهو اكبر قاض فى البلاد ، كان يقبل الرشاوى ، ولكنه ادعى فى اعترافاته ، ان هذه الهدايا لم يكن لها اى تاثير قط على احكامه .

كل هذه الاشياء ذهبت ببريق صورة فرانسيس بيكون ، بارون فيرولام وفيكونت سان البان

ومع ان بيكون كان مصب سيل مبالغ فيه من الاطراء كعالم رفع دون استحقاق الى منزلة جاليليو ، ونيوتن وهارفى ، فالحق انه لايزال بلا منافس فى مكانته كمحام بليغ عن العلوم .

ونبى ذى تاثير ساحر عن سيطرة الانسان على الطبيعة ، وفى مقالاتهالتى لا تزال فريدة فيما تحويه من حكمة وتجربة شاملة فى كلمات قليلة دالة .

وكانت هذه المقالات لا تتعدى العشرة حتى عام 1597 فى طبعتها الاولى ، ثم نمت الى ثمانية وثلاثين مقالا فى الطبعة المنقحة عام1621
وبلغت ثمانية وخمسين مقالا فى الطبعة الاخيرة التى شاهد طبعها قبل موته بفترة وجيزة ، حين اصبح شيخا عركته الاحداث ، وقد ظل يشتغل بتجاربه الى النهاية

والان الى مقاله عن الانتقام
الانتقام نوع من العدالة الهوجاء ، التى كلما جنحت اليها طبيعة الانسان ، وجب على القانون ان يستاصلها من من جذورها ، فالاعتداء الاول لا يتضمن سوى خرق للقانون ، ولكن الانتقام لهذا الاعتداء يتعدى ذلك الى ابطال وظيفة القانون .
ومما لا شك فيه ان الانسان حين ينتقم لنفسه فانه لا يزيد عن ان يسوى حسابه مع خصمه ويصبح معه على قدم المساواة ، اما حين يعفو عنه ، فانه يسمو عليه ، فالعفو من شيم الكرام .
وقد قال سليمان الحكيم : ان مجد الانسان هو فى صفحه عما يلحقه من اذى ، ان ما مضى فات ولا يمكن ان يعود ، والعقلاء منا لديهم ما يكفيهم من الاعمال فى الحاضر والمستقبل ، ولهذا فهم لا يضيعون وقتهم بالتفكير فى الماضى .

انه لا يوجد من يرتكب الشر للشر ، ولكن يفعل ذلك طمعا فى ربح ، او متعة او مجد اوما يشبه ذلك من امور . فلماذا يجب اذن ان اغضب على رجل يحب نفسه اكثر من حبه لى ؟

وان وجد من يرتكب الشر بدافع من ذات طبيعته المريضة ليس الا ، فانه يكون فى هذه الحالة كالنباتات ذات الاشواك ، مثل الحجنة التى تخز كالابر وتخدش الجلد ، لانها عاجزة بطبيعتها وخلقها – عن فعل شيىء اخر.

ان اكثر انواع الانتقام تبريرا ، هو ما كان ناتجا عن ضرر لايوجد قانون لدفعه ، ولكن يجب فى هذه الحالة على المنتقم الا يكون انتقامه من النوع الذى يحرمه القانون. والا فقد اعطى لعدوه فرصة التفوق عليه مرتين مقابل مرة واحدة

ان هناك فئة من الناس تحرص على ان يعلم ضحاياهم من اين جاءهم الانتقام ، وفى راى ان هؤلاء اكرم من غيرهم ، لان متعة الانتقام ليست فى الحاق الضرر بالمعتدين ، بقدر ما هى فى بعث الندم والتوبة فى قلوبهم .
كان كوزموس دوق فلورنسا يطلق مثلا يتسم بالياس فى وصف الاصدقاء الخائنين او المهملين فى اداء واجبات الصداقة ، ويظهر انه كان يعتبر خطيئتهم مما يستحيل العفو عنه .
فكان يقول : انكم تقرأون اننا مأمورين بالعفو عن اعدائنا ، ولكنكم لا تقرأون قط اننا مامورين بالعفو عن اصدقائنا ، ولكننى اظن ان روح ايوب هى الانسب فى هذه الحالة اذ يقول : انتلقى الخير من الله ثم نفزع ان اصابنا بعض الضر منه ؟ وهذا ينطبق كذلك على الاصدقاء بنسبة ما .

ان من المؤكد ان من يحرص على الانتقام ، يحرص كذلك على ان يحتفظ بجروحه مفتوحة تنزف الدم ، والا اندملت وشفيت ونسى انتقامه ، ان الانتقام الذى يتسم بالطابع العام ، كالانتقام لموت قيصر ، وهنرى الثالث ملك فرنسا ، وغيرهم قد نتقبله بالرضى ، اما الانتقام الفردى فانه ينتج عكس هذا الاثر ، ان الذين يعيشون على الانتقام هم اشبه الناس بالساحرات ، وهؤلاء بسبب طبيعة الشر فى نفوسهم ، تكون نهايتهم مؤسفة
والى المقال القادم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق