المغرب الكبير رأي

رسالة الملك المغربي للجزائر: خطوة جدية أم مجرد غَزَلٌ دبلوماسي…؟

إبراهيم الخليل بن عزة
ـــــــــــــــــــــ
دعا الملك المغربي “محمد السادس” في خطاب ألقاه يوم الثلاثاء جارته الجزائر إلى المساهمة و المساعدة في إنشاء آلية تقوم على الاستثمار و تعزيز التشاور الثنائي تجاه التحديات الإقليمية والدولية وأهمها (الإرهاب و الهجرة)، و ذلك بما يضمن إرساء علاقات ثنائية متينة بين البلدين الجارين المغرب و الجزائر قائلا : “الآلية تتمثل في الانكباب على دراسة جميع القضايا المطروحة بكل صراحة وموضوعية وصدق وحسن نية، وبأجندة مفتوحة، ودون شروط أو استثناءات”، واصفاً
وضع العلاقات بين البلدين بأنه غير طبيعي وغير مقبول، و يعطل الوحدة المغاربية .

لا يختلف إثنان في شأن تثمين هذه الخطوة من الرجل الأقوى في دولة المغرب رغم أن لغة الدبلماسية حمالة أوجه و تحمل من الجمالية و اللباقة نفس قدر الغموض و الضبابية، إلا أنه يجب الوقوف عند بعض النقاط الخلافية و الخساسة جدا و الظاهرة بجلاء في خطابه، فالقول ان المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر ليس مبادرة مغربية الصنع و حديثة الإبتكار و مُثمنة الإستحداث، فالجزائر كانت و لازالت تؤكد حريصها على تجاوز الخلافات و تطوير العلاقات أكثر فأكثر مع المغرب بما يضمن مصالح الشعبين و الحكومتين علي حد سواء، و قد كانت سباقة إلي ذلك في الكثير من الأحيان.
ثم ان وصف الملك المغربي للخلافات مع الجزائر بالضرفية و الموضوعية فيه الكثير من الالتباس و الإبهام، ذلك أن قضية الصحراء على سبيل المثال كانت و لا تزال بالنسبة للجزائر منذ الأستقلال مبدأً لا محيد عنه لأنه مرتبط بحرص الجزائر على حق الشعوب في تقرير مصيرها، و قد فعلت ذلك مع عدة شعوب و أقاليم صارعت من اجل استقلالها الذاتي و نالته فيما بعد فسُمست “قبلة الثوار”، أما القول بأن مصالح الشعبين الجزائري والمغربي هي في الوحدة والتكامل والاندماج دون الحاجة لطرف ثالث للتدخل أو الوساطة فلا يسمن و لا يغني من جوع لأن الجزائر و كما ترفض جملة و تفصيلا أي تدخل في شؤونها الداخلية كذلك ترفض التدخل في شؤون الدول الأخرى، و ما دعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره سوى حلقة من مسلسل دعم حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها .

الملاحظ في هذا السِّياق هو التأخر النسبي للجزائري في الرد على خطاب الملك المغربي، و لو أن الدبلماسية الجزائرية عودتنا علي حكمتها المستمدة في كثير من الأحيان من صمتها، و صمتها المستمد في كثير من الأحيان في حكمتها، لهذا فإنها إما آثرت الصمت مرة أخرى كرد يُؤخذ به و لا يُرد في الأعراف الدبلماسيك، و يُحسب و يفهم و يحلل في عالم السياسة و العلاقات الدولية، أو ربما فضلت التريث لفك شفرة خطاب العاهل المغربي المفعم بالإطراء و المتخم بالمعاني التي تحتاج إلى عمق و قوة في تحليل الخطاب من جهة و تريث في الرد عليه من جهة ثانية .
تأسيسا على ما سبق، لا يمكن إنكار الحاجة الملحة إلى تفاهم مشترك و تواصل قوي بين البلدين المغاربيين الكبيرين، لما في ذلك من أهمية سياسية و إيجابيات إقتصادية يستفيد منها الطرفان أيما استفادة، خاصة أنهما يتميزان بمقومات جغرافية و طبيعية و ديموغرافية جيو إستراتيجية تثمر و لاريب باتحادهما الكثير الكثير، كما لا نحرم بعض عبارات العاهل المغربي من حقها في التثمين خاصة قوله باستعداد بلده لسماع جميع المقترحات التي يصدرها الطرف الجزائري، إلا أنه ينبغي الوقوف كذلك بحذر في عبارات أخرى و نحن نلمس شيئاً من “التجاهل بالتقزيم” لقضية الصحراء الغربية فضلا عن إشكالية المخدرات التي لم يولها أهمية كبيرة رغم أنها خلقت مشكلة الحدود بين البلدين التي تبقى مغلقة منذ عام 1994، و مشاكل أخرى تبقى تؤجل من طموح توافق جزائري مغربي سياسياً و دبلماسياً و حلم اتحادهما إقتصادياً، لتبقى العلاقات الأخوية الوطيدة بين الشعبين المبنية عن التبادل و التشابه السُّوسيوثقافي هي النقطة الوحيدة التي تجلب التفاؤل بمستقبل أحسن بين البلدين .

* إبراهيم الخليل بن عزة: استاذ جامعي و كاتب صحفي و محلل إعلامي…