أمن وإستراتيجية

دراسة أمريكية يعنوان : لماذا يخسر العرب الحروب

منقول
ــــــــــــــ

حمل مقال العقيد الأمريكي المتقاعد نورفيل دو أتكين قراءة للتاريخ العسكري العربي الحديث منطلقا من فكرة أن الجيوش العربية النظامية تخسر الحروب، ورغم أهمية المقال للقارء العربي فإنه مبني على آراء مسبقة و رؤية تحمل بعض التعالي و العنصرية وتجاهل تام للدعم الأمريكي المطلق للقوى التي قاتلت الجيوش العربية العقيد نورفيل عمل سنوات في الجيش الامريكي قضي ثماني سنوات فى عدد من الدول العربية منها لبنان ، والأردن ، ومصر (كان منتدب ومكلف بتقديم خدمات تدريبية )، وحصل على بكالوريوس في الدراسات العربية من الجامعة الأميركية في بيروت ،

وحسب العقيد نور فيل فإن الجيوش العربية تميزت بغياب الكفاءة القتالية وهو حكم مطلق بني على أساس قراءة سطحية للحروب التي خاصتها الجيوش العربية ، الهدف هو تحطيم المعنويات عن طريق أفكار مسبقة .
فلم تؤدي القوات النظامية المصرية بشكل جيد أمام ميليشيات الملكيين الغير نظامية أثناء حرب اليمن في ستينيات القرن العشرين.(1)
ولم يتمكن السوريون من فرض سيطرتهم في لبنان خلال منتصف السبعينيات سوى باللجوء للتفوق العددي والتسليحي الكاسح (2) وإفتقد العراقيون الكفاءة ضد الجيش الإيراني الذي كانت تمزقه الاضطرابات الداخلية نتيجة الثورة الإيرانية والتصفيات الاحقة لها في الثمانينيات، كما لم يتمكنوا من كسب الحرب التي استمرت لثلاثة عقود ضد الأكراد.(3)
وجاء الأداء العسكري العربي متوسطًا على كلا الجانبين في حرب الكويت عام 1990.(4)
فضلا عن ضعف الآداء العربي في أغلب المواجهات العسكرية مع اسرائيل.

تقدم دراسة العقيد الأمريكي الجيوش العربية للقاء الغربي حيث نشرت الدراسة في عدد من المجلات الكبيرة والمتخصصة تقدم الدراسة الجيوش العربية على أنها مجموعة من فرق المرتزقة في صورة لا تختلف كثيرا عن صور الجيوش الإقطاعية .
وفي نص الدراسة يقول العقيد : هناك العديد من العوامل الاقتصادية والفكرية والتقنية، ولكن لعل من أهمها السمات الثقافية والسمات المتعلقة بعوامل مجتمعية معينة، وهي التي تمنع العرب من بناء قوة عسكرية قوية وفعالة .
من بديهيات الحياة العسكرية أن الجيوش تحارب مثلما تدربت، لذا فسأستخدم خبرتي في السنوات العديدة التي قضيتها في مراقبة تدريبات العرب عن كثب لاستخلاص استنتاجات حول طرقهم في القتال.
الانطباعات التالية مستمدة من تجربة شخصية مع المؤسسات العسكرية العربية خلال عملي كملحق عسكري للولايات المتحدة وضابط للمساعدات الأمنية، وضابط مراقب مع قوة كشافة ساحل عمان التي كان يقودها ضباط بريطانيون (وهي قوات الأمن في الإمارات قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة) ، وفضلا عن دراستي لمنطقة الشرق الأوسط لمدة ثلاثين عاما .

بداية مخادعة .
لم يكن لإستخدام الثقافة في التقييمات الاستراتيجية تاريخ جيد، فهو غالبًا تقييم منحاز ونابع من مخزون من الجهل، والتفكير الإنطباعي المنحاز والعنصري أيضا +الأساطير الشائعة .
لذا، فقد قيّم الجيش الأميركي الشخصية اليابانية في الثلاثينيات بوصفها تفتقر إلى الأصالة، ليصل إلى استنتاج يفتقر لأي دليل أن البلاد ستكون متأخرة تكنولوجيا بشكل كامل.(5)
ورفض هتلر الولايات المتحدة باعتبارها مجتمع هجين غير أصيل (6) وبالتالي استخف بتأثير دخول أميركا الحرب.
كما تشير تلك الأمثلة، عندما تستخدم الثقافة في حساب نقاط القوة والضعف النسبية للقوات المقابلة، فإنها تؤدي في الغالب لخلق تصور مشوه بعيد عن الموضوعية، وخصوصًا عندما تشرح لماذا تدخل دول إلى القتال دون استعداد بينما تمتلئ بالثقة. الإغراء هو التفكير في السمات الثقافية للدولة العدو كأنها تنفي تفوقها في الأعداد أو الأسلحة. أو العكس: التفكير في عدو محتمل من خلال منظور المعايير الثقافية الخاصة بالدولة نفسها.
افترض الاستراتيجيين الأمريكيين أن عتبة ألم الفيتناميين الشماليين اقتربت وأن القصف الجوي في الشمال سيدفعهم إلى الركوع.(7)
وكان يُعْتَقد أن ثلاثة أيام من الهجمات الجوية هو كل ما يستطيع الصرب احتماله، ولكنهم في الواقع احتاجوا 78 يومًا.
لذا فمن الخطورة الارتكان إلى افتراضات سهلة حول قدرات القتال على أساس الأداء في الماضي، لأن المجتمعات تتطور وكذلك الحال بالنسبة للثقافة الفرعية العسكرية. قاد الأداء الفرنسي السيئ في الحرب الفرنسية البروسية عام 1870 القيادة العليا الألمانية إلى تقييم مفرط في التفاؤل قبل الحرب العالمية الأولى.(8)
وأدت مثابرة وشجاعة الجنود الفرنسيين في الحرب العالمية الأولى بالجميع بدءًا من ونستون تشرشل إلى القيادة العليا الألمانية إلى المبالغة بشكل كبير في تقدير قدرات الجيش الفرنسي القتالية.
(9) كما استخف الجنرالات الإسرائيليون بالجيش المصري عام 1973 على أساس أداء مصر البائس في حرب1967 .(10)
الثقافة يصعب حصرها،فهي ليست مرادفًا لسلالة الفرد أو هويته العرقية.
يسخر تاريخ الحروب من محاولات تعيين سمات ثقافية جامدة للأفراد، كما يوضح التاريخ العسكري للدولة العثمانية أو الإمبراطورية الرومانية.
في كلتا الحالتين كان التدريب والانضباط وروح العمل الجماعي والهمة هم الذين صنعوا الفارق، وليس الأصل.(11)
على سبيل المثال، جحافل الجنود الرومانيين الذين يتسمون بالكفاءة وبدرجة عالية من الانضباط، تم تجنيدهم من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وفرقة الإنكشارية العثمانية المميزة (جنود عبيد) كانوا مسيحيين تم تجنيدهم قسًرا وهم فتيان من البلقان.

صنع القرار في الجيوش العربية
يتم اتخاذ القرارات وتسليمها من أعلى، مع قليل جدًا من الاتصالات بين الوحدات. وهذا يؤدي إلى نظام مركزي للغاية، ولا يكاد يكون هناك أي تفويض للسلطات.
نادرًا ما يتخذ ضابط قرار حاسم من تلقاء نفسه، بدلا من ذلك، فهو يفضل بالطبع الخيار الآمن بأن يتم وصفه بأنه كادح وذكي ومخلص ومطيع.
فلفت الانتباه إلى نفسه باعتباره مبتكر أو قادر على اتخاذ قرارات فردية
سيعرضه للمتاعب.
كما هو الحال في الحياة المدنية، الانسياق هو القاعدة المجتمعية السائدة، أما المسمار الذي يبرز، فيتم طرقه حتى يختفي في الأسفل.
تتدفق الأوامر والمعلومات من أعلى إلى أسفل؛ ولا ينبغي تفسيرها أو تحسينها، أو تعديلها بأي شكل من الأشكال.
غالبا ما يمنى المدربون الأميركيون بالإحباط عندما يحاولون الحصول على قرار من نظرائهم، دون أن يدركوا أن الضابط العربي يفتقر إلى سلطة اتخاذ القرار، ويزيد هذا الإحباط بسبب امتناع العربي– المفهوم- عن الاعتراف بأنه يفتقر إلى تلك السلطة. وقد شهد هذا الكاتب عدة مرات قرارات كان يمكن اتخاذها على مستوى الكتيبة بشأن مسائل مثل أوقات وأماكن اجتماع الصف، تتطلب موافقة من وزارة الدفاع.
دفع كل ذلك المدربين الأميركيين لسن قاعدة أساسية: يتمتع رقيب أول في الجيش الامريكي بقدر من السلطة تماثل عقيدًا في جيش عربي.
تملى طرق التدريس والموضوعات من السلطات العليا. فلا يمكن لقادة الوحدات إصدار قرارات عن تلك الشؤون.
وتعني الطبيعة المسيسة للجيوش العربية أن العوامل السياسية تلقي بثقلها وكثيرًا ما تتجاوز الاعتبارات العسكرية.
فيمثل الضباط الذين يتمتعون بحس المبادرة والميل إلى العمل الفردي تهديدًا للنظام. يمكن رؤية هذا ليس فقط على مستوى الاستراتيجية الوطنية ولكن في كل جوانب العمليات العسكرية والتدريب.
وإذا كانت الجيوش العربية أقل تسييسا وأكثر مهنية في استعدادها لحرب 1973 مع إسرائيل،(22) فقد عادت إلى عاداتها القديمة بعد انتهاء القتال.
أما الآن، فظهرت مؤسسة عسكرية بيروقراطية بشكل متزايد كذلك. سيشعر أحد المخضرمين في حروب ساحة البنتاجون أنه في روضة أطفال إذا رأى المنافسات التي توجد في مقر القيادات العسكرية العربية.
قلما ما يتم تحمل مسؤولية سياسة، أو عملية، أو وضع، أو برنامج تدريبي. ويمكن أن يجد المدربون الأميركيون الأمر محبطًا للغاية عندما يتكرر تحميل الضباط العرب مسئولية فشل عمليات أو برامج على المعدات الأمريكية أو بعض المصادر الخارجية الأخرى.
عدد كبير من مرات عدم تشغيل المعدات الأميركية يتم تحميل مسئوليتها على “عدم وجود قطع الغيار” مشيرين بإصابع الاتهام إلى نظام الامدادات الامريكية غير المستجيب، على الرغم من أن المدربين الأمريكيين يمكنهم توثيق وصول إمدادات وافرة الى البلاد ولكنها تختفي وسط نظام الإمدادات المعطوب.
(لم يكن ذلك النقد لاذعًا أو شخصيًا أبدا ، وغالبا ما يتم إيصاله بأدب وبطريقة غير مباشرة، لدرجة أن تلك الإشارات الغريبة لم تُفهم إلا بعد عقد اجتماع.) وتصل تلك الظاهرة إلى أعلى المستويات.
خلال حرب الكويت، استولت القوات العراقية على بلدة الخفجي في شمال شرق المملكة العربية السعودية بعد أن أخلى السعوديين المكان.
طلب الجنرال خالد بن سلطان، قائد القوات البرية السعودية، رسالة من الجنرال نورمان شوارزكوف، مشيرًا إلى أن الجنرال الاميركي الذي هو الذي أمر بإخلاء البلدة السعودية.(23) وفي روايته عن معركة الخفجي، يحمّل الجنرال بن سلطان – كما هو متوقع- الأميركيين مسئولية احتلال العراق للبلدة.(24)
إلا أن حقيقة الأمر هي أن القوات السعودية القليلة غادرت ساحة القتال.(25)
في الواقع، كان السعوديون أقل تسليحًا وأقل عددًا من الوحدة العراقية التي أغارت على الخفجي ولكن تطلب الكبرياء السعودي توجيه اللوم للأجانب.
أما بالنسبة للمعدات، توجد فجوة ثقافية كبيرة بين نظم الصيانة والخدمات اللوجستية العربية والأمريكية. وتلك الصعوبات التي يواجهها العرب تجاه المعدات الأمريكية ليست – كما يعتقد البعض ببساطة- مجرد كون “العرب لا يقومون بالصيانة”، ولكنها أعمق من ذلك بكثير.
فالمفهوم الأمريكي عن نظم الأسلحة لا ينتقل بسهولة.
يجلب نظام الأسلحة معه إجراءات محددة للصيانة والخدمات اللوجستية، والسياسات، وحتى الفلسفة، وكلها تقوم على الثقافة الأمريكية، التي تتوق إلى مستوى معين من التعليم، و من الشعور بالمسؤولية في الوحدة الصغيرة، وتخصيص الأدوات، والمعتقدات.
إن الأدوات التي تخصص لكتيبة أمريكية من الأرجح أنها سيتم تخصيصها لوحدة عربية أكبر ربما لواء أو حتي فرقة وحتي لو توفرت فنادرًا ما تتواجد الخبرة والمبادرة – والأهم – الثقة التي تخوّل تخصيص تلك الأدوات إلى مستوى أدنى. تعتمد المعدات الامريكية وصيانتها على مفهوم الإصلاح عند أدنى مستوى، وبالتالي تتطلب تفويضًا للسلطة.
دون تلك الأدوات ، وقطع الغيار، أو الخبرات اللازمة للحفاظ على المعدات لن تعمل بشكل جيد، فضلًا عن بغض الجميع لإيصال أخبار سيئة للرؤساء، فغالبا ما يبحث قائد الوحدة عن كبش فداء .
وهذا يفسر لما سمعت مرات عديدة في مصر عبارة أن الاسلحة الامريكية “حساسة جدا”.
لقد باشرت العديد من فرق المسح الأمريكية في تلك البلاد: يبغى الجيش المضيف دائما الحصول على أحدث المعدات العسكرية، ويفعل كل شيء لتجنب مشاكل الصيانة، والخدمات اللوجستية، والتدريب.
ويصر على التعتيم والتضليل للدرجة التي تجعل الفرق الأمريكية – بغض النظر عن مدى شعورهم بجدية المهمة- تجد أنه من المستحيل تقريبا أن تقدم المساعدة.
بشكل أعم، عدم رغبة العرب في أن يكونوا صرحاء حول قصور التدريب يجعل من الصعب للغاية على المستشارين الأجانب أن يقدموا الدعم المناسب للتعليم أو لتقييم الاحتياجات التدريبية.

دور الثقافة
على الرغم من هذه المشاكل، يجب أن تؤخذ الثقافة بعين الاعتبار.
وفي الحقيقة، يمكن للوعي بالاخطاء السابقة أن تتيح تقييم دور العوامل الثقافية في الحرب.
يقول المؤرخ الحربي البارز جون كيجان أن الثقافة هي المحدد الرئيسي لطبيعة الحرب.
وعلى النقيض من الطريقة المعتادة للحروب الأوروبية التي أسماها “وجهًا لوجه”، يصور كيجان الجيوش العربية في وقت مبكر من العصر الإسلامي باعتبارهم سادة في المراوغة، والمماطلة، والتملص من العدو.(12)
وتؤدي دراسة الحروب العربية في هذا القرن إلى استنتاج مفاده أن العرب لا يزالون أكثر نجاحًا في حروب المتمردين أو الحروب السياسية(13)، وهو ما وصفه تي إي لورنس بـ”كسب الحروب دون معارك.(14)”
حتى أن عبور المصريين لقناة السويس عام 1973، الذي أشاد به الكثيرون يحمل في جوهره خطة خداع بارعة.
قد تكون تلك الصفات السائدة ناجمة عن ثقافة تولد الدقة، والمراوغة، والمداهنة في العلاقات الشخصية.(15)
وفي هذا الاتجاه، ينهي كينيث بولاك دراسته المستفيضة حول الكفاءة العسكرية العربية بقوله أن “أنماط معينة من السلوك تعززها الثقافة العربية السائدة هي أهم العوامل المساهمة في الكفاءة العسكرية المحدودة للجيوش العربية وقواتها الجوية من 1945 إلى 1991.(16)”
شملت هذه الصفات المركزية المفرطة، وعدم تشجيع المبادرات، والافتقار إلى المرونة، والتلاعب بالمعلومات، وعدم تشجيع النزعات القيادية على مستوى الضباط الصغار.
لا يقلل وابل الانتقادات التي تلقتها فكرة صمويل هنتنجتون عن “صدام الحضارات”(17) بأي حال من الأحوال من النقطة الحيوية التي يناقشها، فتجمع الشعوب من خلال الدين والثقافة بدلا من الانقسامات السياسية أو الاقتصادية يسيء للأكاديميين الذين يعتقدون في عالم تحدده الطبقة، والعرق، والجنس، ولكن تلك هي الحقيقة الواقعة، وهي الحقيقية التي لم تقدر على تغييرها الاتصالات الحديثة.
ولكن كيف يمكن للمرء دمج دراسة الثقافة في التدريب العسكري؟ ليس لذلك أي دور في الوقت الحالي. يشير بول إم بيلبوتوسكي -وهو باحث وعضو سابق في وحدة دلتا الأميركية(دلتا فورس)- بإيجاز إلى نقص في نظام التربية العسكرية الخاصة بنا: ” عمومًا، لا يتم تضمين الثقافة، التي تتألف من كل ما هو غامض وغير ملموس، في التخطيط الاستراتيجي إلا على المستوى الأكثر سطحية.”(18)
إلا أن كونها تتألف من ” كل ما هو غامض وغير ملموس” هوفي حد ذاته الذي يحدد الصراعات غير الحادة.
لمَا لم يخض الشيوعيون الفيتناميون الحرب بالطريقة التي تدربت عليها الولايات المتحدة، ولم خاص الشيشان والأفغان الحرب التي أعدها الروس.
هذا ينطوي على أكثر بكثير من مجرد إعادة تجهيز الاسلحة وإعادة تدريب الجنود. فهو يتطلب فهم الأساطير العدو الثقافية، والتاريخ، والتعامل مع الوقت، وما إلى ذلك، ويتطلب المزيد من الاستثمارات الكبيرة في الوقت والمال أكثر من الذي يتيحه التنظيم البيروقراطي.
وحتى لا ندخل في حقل ألغام خلقته أخطاء الماضي والحساسيات الثقافية الحالية، أقدم بعض التقييمات لدور الثقافة في التدريب العسكري لضباط الجيوش الناطقة بالعربية.
ويقتصر حديثي بشكل اساسي على التدريبات لسببين. أولا، لأنني شهدت الكثير من التدريبات، مقابل حملة عسكرية واحدة (حارب فيها الجيش الأردني ضد منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970).
ثانيًا، تحارب الجيوش كما تتدرب. تتأثر القوات بعادات أوقات السلم، والسياسات، والإجراءات؛ فهي لا تخضع لتحولات مفاجئة يتحول فيها المدنيين الذين يرتدون الزي العسكري إلى محاربين.
كان الجنرال جورج باتون مولعًا بحكي قصة يوليوس قيصر، الذي كان “في فصل الشتاء … يزيد من تدريب الجحافل التي تتبعه في كل ما يجعلهم جنودًا ويجعلهم يعتادون على حسن أداء واجباتهم، حتى أنه عندما أتي الربيع وجعلهم يحاربون الاغريق، لم يصبح من الضروري أن يعطيهم أوامر، لأنهم كانوا يعرفون ما يجب القيام به وكيفية القيام بذلك.”(19)

المعرفة قوة
في كل المجتمعات، تكون المعلومات وسيلة لكسب العيش أو امتلاك القوة، لكن العرب يدخرون المعلومات ويحتفظون بها بإحكام خاص.
وغالبا ما يفاجأ المدربون الأميركيون على مر السنين بحقيقة أن المعلومات التي يقدمونها إلى المسئولين الكبار لا تتخطاهم.
فبعد أن يتعلم أي فني عربي تنفيذ بعض الإجراءات المعقدة، فهو يعرف أنه الآن لا يقدر بثمن طالما أنه هو الوحيد في وحدته الذي يمتلك تلك المعرفة؛ وبمجرد أن يوزعها على الآخرين، لن يعد هو مركز المعلومة الوحيد، مما يبدد سلطته.
وهذا ما يفسر اعتياد اكتناز الكتيبات والكتب والنشرات التدريبية، وغيرها من أدبيات التدريب أو الخدمات اللوجستية.
في أحد المرات، تَسَلّم فريق تدريب متنقل من الجيش الأمريكي يعمل مع القوات المدرعة المصرية بعد طول انتظار آخر كتيبات التشغيل التي ترجمت إلى اللغة العربية بمشقة.
أخذ المدربون الأمريكيون الكتيبات حديثة الطباعة مباشرة إلى ساحة الدبابات وقاموا بتوزيعها على طاقم جنود الدبابات. لحق بهم مباشرة قائد السرية- وهو خريج مدرسة المدرعات في فورت نوكس كما تلقى دورات متخصصة في مدرسة ذخائر ابردين- ليجمع الكتبيات من طواقم.
وعندما سئل عن سبب أخذه للكتبيات، قال القائد أنه لا فائدة من إعطائها للسائقين لأن المجندين لا يستطيعون القراءة.
لكنه في الواقع لم يُرِد أن يجد المجندين مصدرًا مستقلًا للمعرفة. فكونه الشخص الوحيد الذي يمكنه شرح وسيلة إطلاق النيران أو تصويب أسلحة المدفعية يجلب الهيبة والاهتمام.
ومن الناحية العسكرية، هذا يعني أن القليل جدًا من التدريبات التي تتلاقها تلك القوات تنتقل إلى غيرهم، فمثلًا بالنسبة لطاقم الدبابات، قد يكون جنود المدفعية، والحمالون، والسائقون بارعين في وظائفهم ولكن ليسوا على استعداد للقيام بدور آخر في حالة وقوع الإصابات.
ويقيد عدم فهم وظائف بعضهم البعض قيامهم بالعمل بسلاسة. كما يعني الأمر على مستوى أعلى عدم وجود عمق في البراعة التقنية.
مشاكل التعليم
غالبًا ما يفتقد التدريب للخيال، فيكون محدودًا ومحددًا، ولا يقدم الكثير من التحديات. وبسبب أن النظام التعليمي العربي يستند على التلقين والاستظهار، لدى الضباط قدرة هائلة على الاحتفاظ بكميات هائلة من المعرفة في ذاكرتهم.
يعتمد نظام التعلم على المحاضرات من جانب واحد، يدون فيها الطلاب كمية ضخمة من الملاحظات، ويجري اختبارهم فيما قيل لهم. (يؤدي هذا الأمر إلى آثار مثيرة للاهتمام بالنسبة للمدربين الأجانب، فتتناقص مصداقيتهم على سبيل المثال اذا لجأوا إلى كتاب.)
التركيز على التلقين له ثمن، وهو تناقص القدرة على التفكير أو التحليل القائم على مبادئ عامة .
فلا يجرى تشجيع التفكير خارج الصندوق؛ بل القيام بذلك في العلن قد يضر مهنة أي شخص. لا يتم مراجعة المدربين ولا الطلاب في نهاية الأمر.
بشكل عام، يتم تجنب المنافسة وجهًا لوجه بين الأفراد، على الأقل علنا، لأن ذلك يعني أن شخصًا ما سيفوز بينما يخسر الآخر، ويمنى الخاسر بالإذلال. يصبح هذا الأمر من المحرمات خاصة عندما يحتوي الصف على رتب عسكرية متباينة.
فجزء كبير من رغبة السعي للتعليم تكون على سبيل الهيبة الشخصية، لذلك يبذل العرب في المدارس العسكرية الامريكية جهدًا كبيرًا للتأكد من أن يحصل الشخص الأعلى مستوى – سواء من حيث الرتبة العسكرية أو الطبقة الاجتماعية- على أعلى الدرجات في الصف.
يؤدي هذا في كثير من الأحيان إلى “مشاركة الإجابات” في الصف، غالبًا بطريقة علنية، أو يضطر صغار الضباط إلى اخفاء الدرجات الأعلى عن رؤسائهم.
يتعلم المدربون العسكريون الأمريكيون الذين يتعاملون مع طلاب من الشرق الأوسط أن يتأكدوا قبل توجيه أي سؤال لطالب في الصف – ولا سيما إذا كان ضابطًا- أن ذلك الطالب يعرف الإجابة الصحيحة.
إذا كان ذلك ليس مضمونا، سوف يشعر الضابط انه يخضع لإذلال علني. علاوة على ذلك، في بيئة الثقافة السياسية العربية المليئة بالبارانويا، غالبا ما سيعتقد أن ذلك الإذلال قد تم لهدف ما. وسرعان ما سيصبح هذا الطالب عدوًا للمدرب، وسيصبح زملائه متخوفين أن يجرى إذلالهم كذلك، مما يجعل عملية التعليم مستحيلة.
الضباط مقابل الجنود
يتم تدريب صغار الضباط العرب جيدًا على الجوانب التقنية المعرفية لأسلحتهم وتكتيكاتهم، ولكن لا يتم تدريبهم على القيادة، فيتلقى هذا الموضوع قدر قليل من الاهتمام. كما اشار مثلا الفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، في تقييمه للجيش الذي تولاه قبل حرب عام 1973، أنهم كانوا غير مدربين على اقتناص المبادرات أو يأتوا بمفاهيم أصيلة أو بأفكار جديدة.(20) في الواقع، قد تكون القيادة أكبر نقطة ضعف تعاني منها نظم التدريب العربية.
تنتج هذه المشكلة عن عاملين رئيسيين:


نظام طبقي محدد للغاية ملاصق للنظام الاجتماعي.
عدم وجود برنامج تنمية لصف الضباط.
يعامل معظم الضباط العرب الجنود المجندين كفئة أقل من البشر.
كمثال :
عندما حملت رياح مصر يومًا ما حبيبات رمل حارقة من الصحراء أثناء مظاهرة لكبار الشخصيات الأمريكية الزائرة، رأيت فرقة من الجنود يسيرون ليشكلوا صف واحد لحماية الأميركيين؛ بعبارة أخرى، يُسْتَخدم الجنود المصريين أحيانًا كأنهم لا يزيدون عن مصدات الرياح.
أما فكرة حماية القائد لرجاله فهي موجودة فقط بين الوحدات الأكثر تميزًا في الجيش المصري.
في عطلة نهاية الأسبوع ، يأخد ضباط الوحدات المتمركزة خارج القاهرة سياراتهم وينطلقون إلى ديارهم، ويُترك المجندين مسئولون عن أنفسهم يخوضون رحلات خلال الصحراء ليصلوا إلى الطريق السريع، يستوقفون حافلات أو شاحنات للوصول الى شبكة السكك الحديدية بالقاهرة.
لا تضم معسكرات الحاميات وسائل لراحة الجنود. ويتشابه الوضع – بدرجات متفاوتة- في أماكن أخرى في الدول الناطقة بالعربية، بنسبة أقل في الأردن، وبنسبة أكبر في العراق وسوريا.
يكره المجندون الشباب الذين يشكلون الجزء الأكبر من الجيش المصري الخدمة العسكرية لسبب وجيه، وسيفعلون أي شيء (بما في ذلك تشويه أجسادهم) لتجنبها.
في سوريا، يشتري الأثرياء الإعفاءات، أو إذا تعذر ذلك، يتم توزيعهم على هيئات غير مقاتلة.
وقد أخبرني شاب سوري أن مهاراته الموسيقية جاءت من خدمته بفرقة الجيش السوري حيث تعلم العزف على آلة موسيقية.
بشكل عام، تفرض جيوش الهلال الخصيب الانضباط عن طريق الخوف، وفي البلدان التي لا يزال يسري بها النظام القبلي، مثل المملكة العربية السعودية، تخفف المساواة الفطرية للمجتمع من كون الخوف حافزًا أساسيًا، مما ينشر حالة عامة من قلة الانضباط.(21)
تظهر الفجوة الاجتماعية والمهنية بين الضباط والمجندين في كل الجيوش، ولكن في الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، تكون قوة ضباط الصف فئة وسطى تصل بين الطرفين.
في الواقع، كان لضباط الصف أهمية قصوى لوضع الجيش الأمريكي في أفضل حالاته، فهم يعملون كمدربين أوليين في أي جيش محترف، مما يجعل لهم أهمية قصوى سواء في برامج التدريب أو في تغذية إحساس المجندين بالولاء لوحدتهم.
معظم دول العالم العربي إما ليس لديها سلاح ضباط صف أو أنه موجود ولكنه لا يقوم بوظيفته، مما يقلل بشدة من فعالية الجيش.
بخلاف بعض الاستثناءات، يعتبر ضباط الصف في نفس الفئة المنخفضة التي يشغلها المجندين، لذا فلا يستطيعون أن يصلوا بين المجندين والضباط.
يقوم الضباط بالتدريب، ولكن الفجوة الاجتماعية الواسعة بين المجندين والضباط تميل إلى جعل عملية التعلم روتينية، ورسمية، وغير فعالة.
وغالبًا ما يغيب الشرح العملي من التدريب لأن الضباط يرفضون أن تتسخ أيديهم، ويفضلون تجاهل الجوانب الأكثر العملية من الموضوع الذي يناقشونه، معتقدين أن ذلك يحط من مكانتهم الاجتماعية.
ومن الأمثلة الدرامية لهذا الأمرر ما وقع خلال حرب الخليج عندما أطارت عاصفة شديدة خيام الضباط العراقيين الأسرى. فقد فضلوا المكوث في مهب الريح والمطر لمدة ثلاثة أيام بدلا من أن يراهم السجناء المجندين الموجودين في معسكر قريب وهم يعملون بأيديهم.
يكلف هذا الأمر العسكرية كثيرًا. فدون التماسك الذي يوفره وجود ضباط الصف، تميل الوحدات إلى التفكك في خضم الإجهاد الناتج عن القتال. وسبب ذلك في المقام الأول هو حقيقة أن الجنود المجندين ببساطة لا يثقون في ضباطهم. فعندما يغادر الضباط أماكن التدريب، يبدأ التدريب في الانهيار عندما يبدأ الجنود الانجراف.
وقد شرح لي ضابط مصري يومًا أن هزيمة الجيش المصري الكارثية عام 1967 نتجت عن نقص في التماسك داخل الوحدات. وقد تحسن الوضع بشكل طفيف فحسب – كما قال- في عام 1973. أما السجناء العراقيين عام 1991، فظهر بينهم الخوف والعداء الواضح تجاه ضباطهم.


عمليات الأسلحة المشتركة
كان عدم التعاون هو السبب الأكثر وضوحًا لفشل جميع الجيوش العربية في عمليات الأسلحة المشتركة.
على سبيل المثال، هناك سرية مشاة أردنية تماثل تمامًا كفاءة سرية إسرائيلية مماثلة؛ لكن على مستوى الكتيبة يختلف الأمر فعلي مستوي الكتيبة يتطلب الأمر تنسيق عمليات الأسلحة المشتركة،والتنسيق مع الدعم المدفعي والجوي واللوجستيات، وهذا مفتقد جدا فى الجيوش العربية خصوصا فى التشكيلات الكبري ، كلما كبر حجم التشكيل كلما زاد مقدار التفاوت.
وهذا ناتج عن قلة التدريب المشترك على السلاح ؛ وحتى عندما يحدث ذلك، فإنه يهدف إلى إثارة إعجاب الزوار (وهو الأمر الذي يعجبهم بالفعل، فيتم تقديم العرض باستمتاع حقيقي ومواهب مسرحية) بدلا من توفير التدريب الحقيقي.
تنتج تلك المشكلة عن ثلاثة عوامل رئيسية. الأول، هو قلة الثقة المعروفة بين العرب لأي شخص خارج أسرتهم وهذا يؤثر سلبا على عمليات الهجوم.(26)
وتقتصر استثناءات هذا النمط على وحدات النخبة (والتي لها نفس العمل في جميع أنحاء العالم العربي، وهو حماية النظام، وليس البلاد).
في الثقافة التي يستند فيها كل مجال من مجالات النشاط الإنساني تقريبًا، بما في ذلك الأعمال التجارية والعلاقات الاجتماعية، وعلى بنية الأسرة، يظهر هذا التوجه أيضا في الجيش، ولا سيما خلال ضغط المعارك.
تقوم الأعمال الهجومية في الأساس على إطلاق النيران والمناورة.
يجب أن يثق عنصر المناورة في أن الوحدات أو الأسلحة الداعمة له توفر له غطاءً من النيران
. إذا كان هناك عدم ثقة في هذا الدعم، فدفع القوات إلى ان تمضي قدمًا ضد الجيش المدافع لا يمكن أن يحدث إلا إذا وقف الضباط في المقدمة وتولوا القيادة، وهو الأمر الذي لم يكن سمة من سمات القيادات العربية.
ثانيًا، يخلق نظام الفسيفساء المعقد من البشر مشاكل إضافية خلال التدريب، وذلك لأن الحكام في الشرق الأوسط يستغلون الولاءات الطائفية والقبلية للحفاظ على السلطة. تسيطر الأقلية العلوية على سوريا، ويسيطر أهل الضفة الشرقية على الأردن، ويسيطرالسنة على العراق، ويسيطر النجديون على المملكة العربية السعودية.
كان لهذا آثار مباشرة على الجيش، حيث تؤثر الاعتبارات الطائفية على التعيينات والترقيات.
يربط بعض الأقليات (مثل الشركس في الأردن أو العلويين في سوريا) حياتهم بالنخبة الحاكمة مؤديين أدوار الحماية المهمة، ويتم استبعاد آخرين (مثل الشيعة في العراق أيام صدام) من قوة الضباط.
في أي حال، يقلل تعيين الضباط بناء على اعتبارات طائفية من التعيينات على أساس الجدارة.
تظهر نفس حالة انعدام الثقة على مستوى البلدان وبعضها، حيث تحمل الجيوش العربية مقدار ضئيل من الثقة في بعضها البعض، ولأسباب وجيهة.
أحد الأمثلة الكلاسيكية على هذ الخداع هو الكذبة الوقحة التي أخبرها جمال عبد الناصر للملك حسين في يونيو 1967 لجعله يدخل الحرب ضد اسرائيل، حيث قال أن القوات الجوية المصرية على مشارف تل أبيب (بينما معظم طائراتها قد دمرت بالفعل).(27)
ومثال آخر هو الطريقة المخادعة التي اتبعها السادات تجاه السوريين لتشجيعهم للدخول في حرب أكتوبر عام 1973 (قال لهم أن المصريين كانوا يخططون إلى حرب شاملة، وانطوت خطته للخداع استخدام مجموعة ثانية من طائرات العمليات بحيث تراها العيون السورية فقط).(28)
وفقًا لذلك التاريخ، فليس من المستغرب أن يندر وجود تدريبات مشتركة بين الجيوش العربية أو المناورات. خلال حرب عام 1967، على سبيل المثال، لم يتمركز أي ضابط اتصال أردني في مصر، ولم يكن الأردنيين في المقابل متجاوبين مع القيادة المصرية.(29)
ثالثًا، يعتمد حكام الشرق الأوسط بشكل روتيني على أساليب ميزان القوة للحفاظ على سلطتهم.(30)
فيستخدمون المنظمات المتنافسة والوكالات المكررة، والهياكل القسرية التي تتوقف على هوى الحاكم.
يجعل هذا من بناء أي شكل من أشكال القواعد الشخصية للقوة أمرًا صعبًا، إن لم يكن من المستحيل، ويجعل هذا من القيادات متخوفين وغير متزنين، وغير آمنين في مهنهم أو وضعهم الاجتماعي.
وينطبق الشيء نفسه على الجيش؛ فوجود رئيسًا قويا لهيئة الاركان المشتركة أمر لا يمكن تصوره.
إن الأوامر المشتركة هي مجرد أوراق تتمتع بالقليل من الفاعلية. ينظر القادة إلى الأوامر المشتركة، والتدريبات المشتركة، والأسلحة المجتمعة، والعاملين المتوحدين بحذر شديد، وذلك لأن جميع الجيوش العربية هي سيف ذو حدين. أحدهما موجه نحو عدو خارجي والآخر موجه للعاصمة.
فتصبح القوات البرية قوة لصيانة النظام في آن، وللتهديد في آن آخر. لن يسمح أي حاكم عربي للعمليات أو التدريب المشترك أن يصبح امرًا روتينيًا، والعذر المعتاد هو النفقات المالية، ولكن هذا غير مقنع نظرًا لشرائهم المتكرر لأجهزة لا يمكنهم تحمل تكاليف صيانتها.
وفي الحقيقة، تخلق تمارين الأسلحة المشتركة والجنود الموحدين بعضَا من الألفة، وتؤدي إلى تليين الخصومات، ومحو الشكوك، والقضاء على المنظمات المفتتة المتنافسة التي تمكن الحكام من التنافس ضد بعضهم البعض.
يظهر هذا الوضع بشكل أكثر وضوحًا في المملكة العربية السعودية، حيث تقع القوات البرية والطيران تحت إمرة وزير الدفاع، الأمير سلطان، في حين أن الحرس الوطني يتولاه الأمير عبد الله، نائب رئيس الوزراء وولي العهد.
في مصر، تحقق قوات الأمن المركزي التوازن مع الجيش. في العراق وسوريا، يقوم الحرس الجمهوري بخلق ذلك التوازن.
في الواقع، تخلق السياسة عقبات للحفاظ على ذلك التفتت.
على سبيل المثال، للحصول على طائرة من سلاح الجو من أجل تدريب عسكري جوي، سواء كان ذلك تدريبًا مشتركًا أو طلب إداري بسيط لدعم التدريب، يجب أن يتم تنسيقه بواسطة رؤساء الخدمات في وزارة الدفاع؛ وإذا تطلب الأمر إشراك عدد كبير من الطائرات، ربما يتطلب ذلك موافقة رئاسية.
قد يكون زمن الانقلابات العسكرية قد مضى، لكن الخوف منهم لا يزال قويًا. ويشكل أي إشراك واسع النطاق للقوات البرية مصدر قلق للحكومة، وتجرى ملاحظته عن كثب، ولا سيما إذا تم استخدام الذخيرة الحية.
يوجد في المملكة العربية السعودية نظام معقد من الموافقات المطلوبة من القادة العسكريين للمنطقة وحكام المقاطعات، ولكل منهم قنوات مختلفة من الأوامر للحصول إذن السير بالطريق، والحصول على الذخيرة، وإجراء التمارين، وهي الإجراءات التي تجعل نجاح أي انقلاب عسكري يتطلب كمية هائلة من المتآمرين الموالين. تعلمت الأنظمة العربية كيف تحمي نفسها من الانقلابات.

الأمن و روح التعالي
تجعل الأنظمة العربية من كل شيء ذو صلة – ولو بسيطة- بالجيش أمرًا سريًا. فالمعلومات التي ينشرها الجيش الأمريكي بشكل روتيني (حول الترقيات، والتحويلات، وأسماء قادة الوحدات، وتسميات الوحدات) تكون سرية في البلدان الناطقة بالعربية.
للتأكد من ذلك، يزيد هذا الأمر من صعوبة أن يبني العدو تصور دقيق عن المعركة، لكن ذلك يغذى أيضا الطبيعة الخلافية والمجزأة للقوات العسكرية.
يمكن أن يصل هاجس الأمن إلى حد مثير للسخرية. قبل حرب 1973، فوجئ السادات أن في بعد أسبوعين من تاريخ أمره القوات المسلحة أن تستعد للحرب، لم يبلغ وزير الدفاع الفريق محمد صادق القيادات التي تقع تحت رئاسته مباشرة بهذا الأمر. وتساءل السادات، هل ينبغي للحرب أن تبقى سرًا على الناس المتوقع أن يخوضوها؟(31) كما يمكن للمرء أن يتوقع أن يتم تغيير نظيره العربي أو الشخص الذي يتواصل معه دون سابق إنذار ودون أي تفسير لغيابه المفاجئ. وقد يكون ذلك مجرد نقل لمنصب يفع على بعد أبواب قليلة من مكتبه، ولكن الغموض الذي يغلف الأمر يجعل الأجانب يفكرون في سيناريوهات مخيفة، وهي السيناريوهات التي يمكن أن تكون صحيحة.
ومن الأفضل عدم الإكثار من الاستفهام فالمستشارين أو المدربين الذين يبدون فضوليين بشكل مفرط تقل المعلومات العسكرية المتاحة لهم حول الجيش المضيف و مرافقه.
ويفاقم من تعقيد هذا الميل للسرية افتراض وجود العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي يُعتقد أنها سائدة على كل المستويات.
يعتقد العرب أن معظم التفاصيل الصغيرة عنهم تنتقل بطريقة ما إلى الموساد عبر خط ساخن.
وهذا يفسر سبب أن غالبًا ما يُطلب في وقت مبكر من المستشار الأمريكي الذي يعمل مع قوات عربية أن يعرب عن رأيه في “مشكلة فلسطين”، ثم يواجهونه بأحاديث طويلة حول الهيمنة اليهودية المفترضة على الولايات المتحدة.

عدم الاهتمام بالسلامة
أما عن تدابير السلامة، فهناك حالة عامة من التراخي، والإهمال الواضح واللامبالاة حيال الحوادث الواقعة خلال التدريب، والتي كان يمكن الوقاية من أكثرها عن طريق جهود بسيطة.
وبالنسبة للأمريكيين الواعيين بالسلامة (ربما أكثر من اللازم)، تبدو المجتمعات العربية غير مبال بوقوع إصابات وتظهر عدم اهتمام واضح بسلامة التدريبات.
هناك عدد من التفسيرات لهذا الأمر. يشير بعضها إلى فكرة القدرية المتأصلة في الإسلام،(32) وبالتأكيد سيتمكن من أمضى وقتا طويلا في سيارات الأجرة العربية من أن يعطي مصداقية لهذه النظرية، ولكن ربما يكون السبب دينيا بشكل أقل من كون ذلك نتيجة لثقافة سياسية.
كما يعرف أي عسكري مخضرم، تأتي معتقدات الوحدة العسكرية من أعلى، أو كما يقول المثل القديم، تحسن الوحدات أداء الأشياء التي يهتم بها قائدهم.
عندما تظهر القيادة السياسية العليا انعدام تام للقلق من أجل رفاهية جنودها، تنتقل تلك المواقف عبر الرتب إلى أسفل.
مثال على ذلك هو خيانة القوات السورية التي تقاتل اسرائيل في الجولان في عام 1967: بعد أن سحب وحداتها المميزة، نشرت الحكومة السورية كذبًا أن القوات الإسرائيلية استولت على بلدة القنيطرة، التي كانت ستجعل من الإسرائيلين في موقع يقع خلف الجيش السوري المملوء بالمجندين والذي لا يزال يقبع في مواقعه.
قامت القيادة بهذه الخطوة للضغط على الدول الكبرى لفرض هدنة، على الرغم من أن الامر أدى إلى حالة من الذعر بين القوات السورية، وأدى إلى فقدانها هضبة الجولان.(33)
ويختم الكاتب كلامه بالقول
سيكون من الصعب أن نبالغ في الهوة الثقافية التي تفصل بين الثقافات العسكرية الأمريكية والعربية.
في كل منطقة مهمة، يجد المستشارون العسكريون الأميركيون الطلاب الذين يدرسون بحماس، ثم يفشلون في تطبيق تلك التدريبات.
فالثقافة التي يعودون إليها، ثقافة جيوشهم الخاصة في بلدانهم، تهزم النوايا التي أخذوها عن أساتذتهم الأمريكية.
عندما كان للروس تأثيرًا على بعض المؤسسات العسكرية العربية، عززوا صفات موكليهم الثقافية أكثر بكثير مما كان الأميركيون قادرين عليه في السنوات الأخيرة. مثل العرب، كانت الثقافة العسكرية للسوفيات مدفوعة بالمخاوف السياسية التي تصل إلى جنون العظمة.
والخطوات المتخذة للسيطرة على مصادر تلك المخاوف (سواء الحقيقية أو المتخيلة) من هذه المخاوف – مثل هيكل القيادة المركزية الصارمة – قد تم فهمها بسهولة من قبل النخب السياسية والعسكرية العربية.
شعر العرب أيضا، بميل لازدراء طبقة الضباط السوفييتين للجنود العاديين وعدم ثقة التسلسل الهرمي العسكري للسوفيتي لصف الضباط المتطور، الذي يتلقى التقدير والمكافئات.
تعتمد الثقافة السياسية العربية بشكل كبير علي الطبقات الاجتماعية، مما يماثل كثيرًا الاتحاد السوفياتي السابق، وعلى العكس فهذا يختلف كثيرًا عن الثقافة الأمريكية التي تتجاهل الفروق الإجتماعية وتتسم بالجدارة، والديمقراطية.
لا يرى الضباط العرب أي قيمة لتبادل المعلومات فيما بينهم، فضلا عن تداولها مع رجالهم.
وهم يحذون في هذا حذو قادتهم السياسيين، الذين لا يحجبون المعلومات عن حلفائهم فحسب، ولكن يخدعونهم بشكل روتيني.
يعكس التدريب في الجيوش العربية كل هذا: بدلا من إعداد أكبر قدر ممكن المسؤوليات المرتجلة التي تفيد في فوضى المعركة، يلتزك الجنود العرب، وضباطهم، بالوظائف الضيقة المخصصة لهم من قبل مرئوسيهم في النظام الهرمي.
هذا يجعلهم أقل فعالية في ساحة المعركة، ناهيك عن أنه يضع حياتهم في خطر أكبر، وهو أمر بالكاد يقلقهم، في حين أن هاتين المسألتين تهيمنان بالطبع على الثقافة العسكرية الأمريكية، وتنعكس في التدريب العسكري الأميركي.
من غير المرجح أن يحدث أي تغيير، حتى تتغير الثقافة السياسية العربية بشكل عام، على الرغم من أن تجربة المجتمعات الأخرى (بما في ذلك مجتمعنا) تشير إلى أن الجيش يمكن أن يكون له تأثير ديمقراطي على الثقافة السياسية الأوسع، حيث يجلب الضباط الدروس التي يتلقومها خلال تدريبهم إلى بيئتهم المهنية، ثم إلى المجتمع الأكبر.
من الواضح أن ذلك يحدث فارقا كبيرا، ولكن عندما تكون الثقافة السياسية المحيطة ليست فقط تسمى ديمقراطية (كما هو الحال في العديد من دول الشرق الأوسط)، ولكنها وظيفيا أيضًا كذلك.
فحتى تبدأ السياسة العربية في التغيير على مستوى أساسي، من غير المرجح أن تكتسب الجيوش العربية -مهما كانت شجاعة أو كفاءة ضباطتها أو رجالها على حدة – مجموعة من الصفات التي تحتاجها القوات المقاتلة الحديثة لتحقيق النجاح على أرض المعركة.
وذلك لأن تلك الصفات تعتمد على غرس الاحترام والثقة والانفتاح بين أفراد القوات المسلحة على جميع المستويات، وتلك هي الموسيقى التي تصاحب الحروب الحديثة التي لا تريد الجيوش العربية أن تسمعها، بغض النظر عن مقدار محاكاتها للخطوات المصاحبة لتلك الموسيقى.

*
المقال للعقيد والمستشار العسكري الأمريكي نورفيل
نشر في ميدل اسيت فورين
ترجم إلى العربية بواسطة الدكتور زين العابدين مسيري
بتصرف مخلوف نافع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق