إقتصاددراسات و تحقيقات

حوكمة الشركات… لتنمية اقتصادية واجتماعية فاعلة

 

  غازي أبو نحل*

 

 

تعد حوكمة الشركاتcorporate governance  من أبرز واهم الموضوعات في المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية، وقد تعاظم الاهتمام بهذا الموضوع في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة خلال السنوات الماضية، وخاصة بعد سلسلة الأزمات المالية المختلفة التي حدثت في العديد من الشركات في دول شرق آسيا واميركا اللاتينية  وروسيا في عقد التسعينات من القرن الماضي، والتي فجرها الفساد المالي وسوء الادارة وافتقارها للرقابة والخبرة والمهارة، بالاضافة إلى نقص الشفافية، حيث أدت هذه الأزمات والإنهيارات إلى تكبد كثير من المساهمين خسائر مادية فادحة مما دفع العديد من المستثمرين للبحث عن الشركات التي تطبق مفهوم حوكمة الشركات. وقد تزايدت أهمية الحوكمة نتيجة لإتجاه كثير من دول العالم للتحول إلى النظم الاقتصادية الرأسمالية التي يعتمد فيها بدرجة كبيرة على الشركات الخاصة.

نتيجة لكل ذلك زاد الاهتمام بمفهوم حوكمة الشركات واصبحت من الركائز الأساسية التي يجب أن تقوم عليها الوحدات الاقتصادية.

ونظراً للاهتمام المتزايد بمفهوم الحوكمة، حرصت الكثير من المؤسسات على دراسة هذا المفهوم  وتحليله، ومن أهم هذه المؤسسات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادية والتنمية.

لذا جئنا نعرض ونحلّل مفهوم واهمية ومحددات ومزايا الحوكمة وتأثيرها على التنمية الاقتصادية.

 

مفهوم واهمية  حوكمة الشركات

إن التعريف الشامل لمفهوم حوكمة الشركات هو تطبيق نظام يشمل مجموعة من الأنظمة والضوابط والإجراءات، تتضمن مبادئ الانضباط والشفافية والعدالة وتهدف إلى تحقيق الجودة والتميّز في الأداء عن طريق تفعيل تصرفات إدارة الوحدة الاقتصادية، بما يحافظ على حقوق حملة الأسهم والسندات والعاملين في الشركة واصحاب المصالح وغيرهم، ويحقق الانضباط والشفافية والعدالة وصولاً إلى الحكم الرشيد في المنشأة. وأن الأطراف الرئيسية في عملية الحوكمة هم المساهمون ومجلس الادارة والإدارة التنفيذية.

في الوقت الذي يقوم فيه الخبراء الاقتصاديون والسياسيون بإعطاء تفسيرات مفصّلة عن أسباب الأزمة المالية خلال العقود الماضية، تكتسب الحوكمة أهمية أكبر من أي وقت آخر، فمثلما سلطّت الأزمة الآسيوية في اواخر التسعينيات الضوء على الحاجة الماسة إلى حوكمة الشركات، يجب أن تحفّز الإخفاقات الأخيرة في الأسواق العالمية ضرورة تطبيق حوكمة الشركات وتحقيق النهوض الاقتصادي. فالحوكمة الرشيدة في القطاع الخاص والعام تقود إلى المطالبة بالشفافية والمساءلة والتحلي بالمسؤولية، ويمكن إظهار أهمية حوكمة الشركات من خلال الجوانب الآتية:

 

  1. الجانب الاقتصادي، حيث انها تساعد على:

 

  • إعادة الثقة في أعمال الشركة وفي الاقتصاد الذي يولدها، وتهيئ الجو لنمو وتعدّد الشركات المساهمة والحد من هروب رؤوس الأموال، من خلال جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والمحلية وتحقيق التنمية المستدامة، بما يؤدي إلى تعزيز القدرة التنافسية للقطاع الخاص.
  • زيادة الاصلاحات الاقتصادية العالمية من خلال العمل والجهد المنظم لتحقيق النمو عن طريق تطبيق الحوكمة في القطاعين العام والخاص.
  • وضع أسس مبادئ السوق الحرة في الاقتصادات المغلقة، مما يولد جيلاً جديداً من أصحاب المشاريع والمستثمرين في جميع أنحاء العالم.
  • زيادة فرص التمويل وإنخفاض تكلفة الاستثمار واستقرار سوق المال وانخفاض درجة المخاطر، كذلك تحسّن الحوكمة من جودة الإنتاج السلعي أو الخدمي ومن ثم زيادة قدرة التنافسية وتحقيق التكامل في الأسواق العالمية.
  • تقوي ثقة الجمهور في صحة عمليات الخصخصة عند توجه الدولة إلى إعداد مؤسسات القطاع العام للخصخصة.

 

  1. الجانب المحاسبي والرقابي، إذ انها تساهم في:

 

  • المتابعة والمراقبة لإكتشاف الإنحرافات والتجاوزات، بما يدفع في إتجاه تعديل وتطوير عمل الشركات من خلال الضبط والتحكم لفرض تصحيح الإنحرافات.
  • تحقق الحيادية والنزاهة والإستقامة لجميع العاملين في الشركة ابتداءً من مجلس الإدارة وإلى أدنى مستوى إداري فيه.
  • تحقق الاستفادة القصوى والفعلية من نظم المحاسبة والرقابة الداخلية وخاصة في عمليات الضبط الداخلي وتحقق أعلى مستوى ممكن من الشفافية والإفصاح في التقارير المالية.
  • محاربة الفساد المالي والإداري للشركات.
  • توفر البيئة المناسبة للرقابة من خلال ضمان الإلتزام بمعايير التدقيق، إذ أنها توفر درجة عالية من الإستقلالية وعدم الخضوع لأية ضغوط ومن أي جهة كانت.

 

  1. الجانب الاجتماعي

 

  • تهتم الحوكمة بتحقيق التوازن بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية وبين الأهداف الفردية والجماعية وتهدف إلى ربط مصالح الأفراد والشركات والمجتمع.
  • إن إهتمام الشركة بالأمور الاجتماعية يؤدي إلى تحسين صورتها وتزايد قبولها في المجتمع، وكل دولة بحاجة إلى إزدهار ونمو الشركات العاملة فيها لإشباع الحاجات كتوفير فرص العمل والخدمات الصحية وغيرها، ليس لتحسين مستوى المعيشة، فقط بل لتعزيز التماسك الاجتماعي.
  • تسهم الحوكمة في تخفيف حدة الفقر وتعزيز حقوق الإنسان وإرساء قواعد العدل وإستمرار عمل الشركات، وإنهيارها لا يعد خسارة تصيب المساهمين فقط وانما تصيب العاملين واصحاب المصالح الأخرى.

 

  1. الجانب القانوني

 

تعد التشريعات واللوائح العمود الفقري لأطراف وآليات حوكمة الشركات، إذ أن القوانين والقرارات تنظم بشكل دقيق ومشدد العلاقة بين الأطراف المعنية في الشركة والاقتصاد ككل، وتتدخل قواعد حوكمة الشركات مع العديد من القوانين مثل قانون الإستثمار، قانون الشركات، المعايير المحاسبية والتدقيقية، قانون الضرائب وغيرها. من خلال هذه القوانين والممارسات يتم حصول الأطراف التي تتعلق مصالحهم بالشركات على حقوقهم كاملة، وتضم هذه الأطراف حملة الأسهم، مجلس الادارة والتنفيذيين والعاملين والمقرضين والبنوك وأصحاب المصالح الاخرى مثل الدوائر الحكومية والمستثمرين وغيرهم.

 

 

 

معايير الحوكمة 

حرصت العديد من المؤسسات على وضع معايير محددة لتطبيق الحوكمة، ومنها:

 

  • معايير منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية
  • وجود اطر فعالة لحوكمة الشركات تضمن كفاءات وشفافية وفعالية الأسواق، وان يحدد بوضوح توزيع المسؤوليات بين مختلف السلطات التنظيمية والتنفيذية.
  • حفظ حقوق جميع المساهمين مثل:
  • نقل ملكية الأسهم.
  • الحق في اختيار مجلس الادارة.
  • الحصول على عوائد الأرباح ومراجعة القوائم المالية.
  • حق المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للشركة.
  • حق التصويت.
  • المساواة بين جميع المساهمين، أي المساواة بين حملة الأسهم سواء كانوا وطنيين أو أجانب، من حيث التصويت في الجمعية العامة بالإضافة الى حقهم في الاطلاع ومعرفة كل ما يتعلق بالمعاملات.
  • ايجاد آلية قانونية تسمح للمساهمين بالمشاركة في الرقابة الفعالة على الشركة وحصولهم على المعلومات المطلوبة ويقصد بذلك أصحاب البنوك والعاملين وحملة السندات و العملاء.
  • تطبيق الإفصاح والشفافية في الوقت المناسب عن كافة أعمال الشركة بما في ذلك الوضع المادي والاداء والملكية، حيث يتم الإفصاح بطريقة عادلة بين جميع المساهمين.
  • تحديد مهام وواجبات مجلس الإدارة واسلوب اختیارهم ومهامهم ودورهم في الإشراف على ادارة الشرکة.

 

  • معايير لجنة بازل للرقابة المصرفية العالمية

وضعت لجنة بازل في العام 1999 تعليمات وإرشادات تتعلق بالحوكمة في المؤسسات المالية والمصرفية، أهمها:

  • وضع مواثيق شرف بين المؤسسات لتحقيق وتطبيق التصرفات الجيدة بين هذه المؤسسات.
  • وضع استراتيجية للشركة بمشاركة ومساهمة الأفراد فيها.
  • تحديد وتوزيع المسؤوليات ومراكز اتخاذ القرار بين أفراد المجلس.
  • ایجاد نظام يتضمن مهام التدقيق الداخلي والخارجي وإدارة مستقلة.
  • ایجاد صيغ وآليات تبين نوع وشكل التعاون بين مجلس الإدارة ومدققي الحسابات.
  • ایجاد نوع من المراقبة لمراكز المخاطر مثل ( كبار المساهمين والإدارة العليا(.
  • تطبيق العدالة والمساواة عند توزيع الحوافز المادية والإدارية سواء بين المديرين او الموظفين سواء كانت الحوافز مادية أو ترقيات أو إدارية.
  • ضمان توفير وتدفق المعلومات المناسبة.

 

  • معايير مؤسسة التمويل الدولية

في العام 2003 وضعت مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي قواعد وأسس ومعايير مالية وإدارية بهدف دعم الحوكمة داخل المؤسسات، أهمها:

  • يجب أن تكون الممارسات جيدة ومقبولة.
  • ایجاد خطوات جديدة تضمن الحكم الجيد الجديد.
  • اسهامات أساسية لتطوير وتحسين الحكم الجيد محلياً.
  • القيادة الجيدة.

 

تجاوب الدول والشركات

احتل موضوع حوكمة الشركات في السنوات الأخيرة مكان الصدارة لدى المجتمع الاقتصادي في الدول المختلفة- على الرغم من أن جذوره ترجع لأوائل القرن التاسع عشر مع ظهور الشركات ذات المسؤولية المحددة حيث تناولتها نظرية المشروع وبعض نظريات التنظيم والإدارة – نتيجة للأزمات المالية التي عصفت بشركات مساهمة عملاقة وموثرة في محفظة السوق بدول في شرق آسيا وروسيا وأميركا، وأدت إلى اهتزاز الثقة في مدى سلامة الإدارة لدى هذه الشركات، ومدى صحة نتائجها المالية المعلنة، وبالتالي حقيقة اسعار أسهم هذه الشركات في اسواق الأوراق المالية وما لذلك من تداعيات سلبية مختلفة. ومن أبرز تلك الأزمات، الإفلاس المفاجئ وغير المتوقع لمؤسسة Enron للطاقة التي وصلت عائداتها إلى نحو 7.6 مليار دولار، انهيار شركة WorldCom للاتصالات التي تحولت خلال عقد التسعينات لتصبح ثاني أكبر مؤسسة للاتصالات في الولايات المتحدة، وحدث تلاعب في حسابات شركة ” Xerox ” للتجهيزات المكتبية لمدة خمسة أعوام متتالية لإضافة نحو 6 مليارات من الإيرادات المزيفة، كذلك افلاس مؤسسة Global Crossing للاتصالات والتي كانت تمثل إحدى علامات التقدم التكنولوجي الأميرکي، بالإضافة للإعلان في نيسان/ابريل 2005 عن قيام مدير شركة Rover لصناعة السيارات باختلاس أموال من الشركة عند إفلاسها. وترجع تلك الأزمات الى عدم قيام مجالس الإدارات بأداء مسؤوليتهم لصالح المساهمين وأصحاب الحصص الأخرين، كذلك نقص اشراف مجالس الادارات واتباع أساليب محاسبية مضللة واحتيالية لتشويه الحقائق المالية اضافة لعدم تحديد دور واضح للمراجعة الداخلية ولجان المراجعة بشان الحوكمة.

ولّدت تلك الأزمات، وما أدت اليه من فضائح، إلى أزمة ثقة في الشركات الأميركية، واحساس طويل الأمد من الشك بين المستثمرين والإدارات في إدارة أموال المساهمين.

اضافة للأزمات المالية التي تعرضت لها الشركات الكبرى، فقد وجدت بعض العوامل الأخرى التي ساهمت في دعم ممارسة أسلوب حوكمة الشركات وجعلها محور الاهتمام وذلك کما يلي:

  • اشتراطات الشركات متعددة الجنسيات والشركات الاستثمارية العالمية يتعلق بتوجيه استثماراتها والتي تستدعي مستوى عالي من حوكمة الشركات حتى تضمن وتؤمّن حقوق مساهميها ومستثمريها.
  • الحاجة الى الاهتمام بجوانب آداب وسلوكيات المهنة بما يحقق حماية مصالح افراد المجتمع خصوصًا في القطاعات التي تمس شرائح عديدة من المجتمع.
  • حماية حقوق صغار المساهمين والأطراف الأخرى ذات الصلة بالشركة من احتمال تواطؤ كبار المساهمين مع الإدارة لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب الآخرين.
  • عدم اهتمام مجالس الإدارات بالموضوعات المرتبطة بآداب المهنة، ففي استقصاء بخصوص الموارد البشرية قامت به Conference Board، تبين أن 81 % من الشركات وضعت آداباً مهنية وتدريباً عن الالتزام الوظيفي، في حين أن 27 % من الشركات عقدت برامج تدريبية لمجالس الإدارة، وأن 55 % من المدراء التنفيذيين الذين تم عليهم المسح أفادوا بأن مدراءهم لم يشاركوا بشكل كاف في موضوعات مهنية رئيسية تخص الشركة، الأمر الذي شكل ضغوطاً على ادارات الشركات لإعادة الثقة العامة في نزاهة الشركات الأميركية وذلك من خلال الالتزام القوي بتنفيذ المعايير الصارمة لإدارة الشركات.

وفي ذات إطار الاهتمام تم التركيز على رؤية أساليب ممارسة حوكمة الشركات باعتبارها محورًا أساسيًا لا غنى عنه لنظام السوق، الأمر الذي يزيد من الحاجة لطلب نظم قوية للإدارة الرشيدة للشركات من قبل المستثمرين وباقي عناصر السوق المالي.

في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان اوروبا الغربية، قبول واسع لقانون حوكمة الشركات، يمثل ذلك علاقة مهمة على المسؤولية المتميزة من المديرين. وقد بينت دراسات واحصاءات أن ثلاث من أصل أربع شركات مدرجة في البورصات الأميركية والاوروبية قد طبقت قانون حوكمة الشركات.

في المنطقة العربية، اصدرت هيئة قطر للأسواق المالية العام 2009 نظام الحوكمة، كما أن مركز دبي المالي العالمي (DIFC) يلزم الشركات المنتسبة إليه بإتباع معايير الحوكمة، واصدرت الأسواق المالية والبورصات العربية لوائح تطبيقية تتماشى مع نظام الحوكمة… لكن التطبيق لا يرقى، في كثير من الأحيان، إلى مستوى الأهداف المرسومة.

منطقتنا العربية كما سائر الدول النامية، في حاجة لشركات كبرى تتمتع بأعلى درجات الحوكمة لتتمكن من جذب المستثمرين، كباراً وصغاراً، فتساهم في تنمية اقتصادية شاملة وتنشر مزيداً من العدالة الاجتماعية والدقة المالية.

على الباحثين والأكاديميين والمنظمات المهنية الاهتمام بصورة اكبر بموضوع الحوكمة للوصول الى ارساء مبادئ الحوكمة بشكل سليم في الوطن العربي، وذلك من خلال عقد الندوات والمؤتمرات واللقاءات، كما العمل على زيادة الإفصاح والشفافية في الشركات وتنمية وعي وإدراك القائمين عليها على أهمية الحوكمة لشركاتهم وإصدار رؤية موحدة لمفهوم و عمل حوكمة الشركات في الوطن العربي، إضافة الى سن وتطوير العديد من التشريعات والأنظمة والقوانين للارتقاء بأداء مجالس الإدارة والمديرين وحقوق المساهمين داخل الشركة.

 

*بقلم: غازي أبو نحل

رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات: Nest Investments (Holdings) L.T.D

والرئيس الفخري لرابطة مراكز التجارة العالمية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق