الحدث الجزائري

حقيقة موقف رئيس الجمهورية من أزمة البرلمان …و ما يعتبر ” خرقا ” للدستور اقدم عليه نواب الموالاة

عبد الحي بوشريط
ــــــــــــــــــــ
يعرف كبار السياسيين ورجال الدبلوماسية المخضرمين ما يسمى في علم السياسة ” تسيير الأزمات بالتصريحات والإشارات المتناقضة “، التي تصب في خدمة هدف صاحب هذا التكتيك السياسي .
في أزمة البرلمان الحالية مارست الرئاسة هذا التكتيك بل وتفننت فيه ، فالرئاسة من جهة تخفي إلى غاية الساعة حقيقة و يقين موقف الرئيس الصريح من الأزمة، لكنها في الوقت ذاته ترسل رسائل متناقضة لطرفي النزاع الأعضاء الانقلابيون من جهة ، ورئيس المجلس من جهة ثانية، ومن المستحيل عمليا الإقرار بأن الرئيس بوتفليقة غير معني بالأزمة على اساس مبدا الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية، لأن غالبية اعضاء البرمان يتبعون رئيس الجمهورية حزبيا عبر الآفالان، كما أن رئيس المجلس الشعبي الوطني أكد اكثر من مرة أنه تحت تصرف رئيس الجمهورية في حال قرر ابعاده من رئاسة المجلس.
تلقى رئيس المجلس الشعبي الوطني المعزول بطريقة غير دستورية سعيد بوحجة، اشارات غير مباشرة من الرئيس بوتفليقة شخصيا، بأنه اي سعيد بوحجة على صواب، إشارات الرئيس بوتفليقة الموجهة لشخص رئيس غرفة البرلمان السفلى، كانت في شكل ” تجاهل ” ما يجري من نزاع بين أغلبية اعضاء المجلس ورئيسيهم، فالرئاسة بشهادة السيد بوحجة ، لم تراسل البرلمان ، لا بصفة بوتفليقة رئيسا للجمهورية ولا بصفته رئيس لحزب الاغلبية البرلمانية، هذه الاشارات فهم منها سعيد بوحجة أن الرئيس بوتفليقة يقول له ” ان عليك التعامل مع الأزمة وفقا للقانون والدستور ” وهو ما فعله بوحجة بدقة متناهية، لكن رئيس البرلمان لم يفهم أو ربما تجاهل فهم أمر مهم هو أنه من المستحيل نظريا وعمليا أن يتحرك كل هذا العدد من اعضاء البرلمان و أغلبهم من حزب الرئيس و كلهم موالون للرئاسة ، دون وجود ايعاز من جهة ما في أعلى هرم السلطة، وبمعنى آخر فإن الرئاسة كانت ترسل اشارات متناقضة لطرفي الأزمة في ذات الوقت ، فهي من جهة تركت حرية وسلطة قرار ابعاد رئيس المجلس في يد الثنائي أويحي و وجمال ولد عباس، الذين طلبا من منتخبي حزبيهما التمرد على رئيس المجلس، كما أمرا بما وقع من خرق للدستور يوم 17 اكتوبر، وإلى غاية الساعة لا يبدوا أن الرئاسة ستعلق قريبا على الأحداث الجارية، على اساس أن مشاكل البرلمان هي مشاكل مؤسسة دستورية مستقلة عن الرئاسة، ولا يجوز للرئاسة التدخل فيها بشكل علني ، إلا بطريقة واحدة هي حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مسبقة .
السلوك الذي انتهجه اعضاء البرلمان يومي 17 و18 اكتوبر من اعلان لشغور منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني، رغم أن الرجل موجود يمشي على قديمه ويجلس في المقاهي ، ورغم أن الرجل لم يتنحى ولم يستقل من منصبه، ورغم أن حالة العجز غير موجودة، يعني ان اعضاء المجلس تلقوا ايعازا من جهة ما لا يعرفها غيرهم مفادها أن عليهم حل الأزمة مع رئيسهم في غضون ايام قليلة والا فإن الرئاسة ستتدخل باستعمال الصلاحية الوحيدة للرئيس وهي حل البرلمان ، اي أن اعضاء المجلس عندما اقفلوا باب المجلس بـ ” الكادنة ” ، وخرقوا الدستور جهارا نهارا، كانوا مدفوعين ليس بكرههم للسيد سعيد بوحجة بل بالخوف من قرار وشيك للرئاسة بحل المجلس الشعبي الوطني.
و لم تصدر أي تعليق من رئاسة الجمهورية منذ بداية ما يسمى ” أزمة البرلمان ” التي انزلقت بشكل سريع إلى العنف وإلى ممارسة البلطجة من قبل أعضاء برلمان محسوبين على حزب رئيس الجمهورية، أو آخرين من أحزاب موالية بشكل مطلق للرئيس، الرئاسة فضلت في البداية ترك الأمور تحل على مستوى المجلس الشعبي الوطني بعيدا عن أي تأثير مباشر، لكن عبر تاثير بـ الإيعاز غير المباشر، بهذا يمكننا ان نعتبر أزمة البرلمان الجزائري نموذجا يجب أن يدرس في مدارس الدبلوماسية والسياسة الدولية ، في نموذج التسيير بالرسائل المتناقضة في الشكل والتي تخدم هدفا نهائيا في المضمون.