أحوال عربيةرأي

حقيقة المشروع الأمريكي … ماذ تريد امريكا من العراق ؟

صلاح المختار

مازال كثير من العرب يأملون خيرا من امريكا اعتمادا على اداراتها وما تعلنه ، ولكن الحقيقة كامنة في السلوك العملي الامريكي وليس في التصريحات والمواقف الرسمية . وهنا سنطرح ملاحظات جوهرية ربما تسهم في توضيح الصورة الحقيقية لمواقف امريكا :

1-لو ان امريكا ارادت فقط اسقاط النظام الوطني لابد ان نسأل بالحاح : لم دمرت الدولة والمجتمع عمدا وتخطيطا ويستمر الدمار بعد 15 سنة على الغزو وهو موقف لم يصنعه بوش الصغير ولا بريمر لانهما مجرد ادوات تنفيذية لقرارات مركزية صارمة هي الجزء المركزي من ستراتيجية انهاء العراق؟ كان يمكن اسقاط النظام مع اجراء تبديلات في الجيش والدولة وتغيير الحكومة جذريا دون تدمير الدولة والمجتمع .

2- ولو كانت امريكا تريد اقامة عراق ديمقراطي يصبح انموذجا يقتدى به في الشرق الاوسط كما روجت الحكومة الامريكية فهل كانت ستدمر بناه التحتية والفوقية وهي الدولة والمجتمع والقيم العليا رغم ان الديمقراطية لاتقام الا في بيئة دولة مستقرة وامنة ؟

3-لو كانت امريكا تريد بناء عراق قوي وامن لم سلمته لاسرائيل الشرقية وهي تعلم وبالتفاصيل ان القوميين الفرس المرتدين عمامة الان يكنون للعراق احقادا لاتحتمل وحشيتها جبال الماس؟ لقد سلم العراق للفرس لان المطلوب هو تقسيمه تدريجيا.لقد احدث الغزو وتسليم العراق الى اسرائيل الشرقية تدميرا هائلا بالدولة وهي ليست ملكا لحزب او جماعة وانما هي الاطار الهوياتي والقانوني لكل العراقيين وتعرض النسيج الاجتماعي والاخلاقي الى ضربات موجعة جدا فسخت الكثير من الناس وعزلتهم عن تاريخهم وخلفياتهم الثقافية والاخلاقية وتكونت كتل منحرفة اخلاقيا وفكريا وهو هدف جوهري في المخطط.

امريكا ومعها الاسرائيليتين الشرقية والغربية تصر على تواصل ما بدأ تنفيذه قبل الغزو منذ الحصار وحتى الان وما نتائج الانتخابات الاخيرة المزورة واعادة نفس الوجوه الى الحكومة الا دليل حاسم على ان الهدف الامريكي-الايراني – الصهيوني ليس اعادة البناء بل اكمال خطة انهاء العراق التاريخي .

3-لو ان امريكا كانت تريد فعلا طرد اسرائيل الشرقية من العراق وتخليص المنطقة كلها من شرورها المميتة لم تختار التعاون مع كتل هزيلة القدرات وبلا خبرة وتتميز بالفساد والتلون بدل الاعتماد على من يستطيع الحسم وانهاء الوضع في العراق خلال بضعة ايام ؟ امريكا تتعمد حتى بعد الاعتراف بان البعث قوة جبارة في العراق ولايمكن اجتثاثه عدم التعاون معه لانهاء كارثته ،وتحاورالبعث للتضليل وكشف اوراقه القوية وبنفس الوقت تواصل عملية دعم كتل عاجزة عن تحقيق الحل الجذري ! لم تفعل ذلك اذا ؟

4-لم هددت امريكا بالويل والثبور كل نظام عربي اقتنع فعلا بان بالامكان انهاء كوارث العراق والوطن العربي بخطوة واحدة وهي التعاون مع البعث وحلفاءه من اجل انهاء حالة العراق الشاذة واقامة نظام وطني ديمقراطي حقيقي يستطيع اعادة البناء والاستقرار الى العراق والاقطار العربية ؟ في مجرى زرع ونمو كوارث العراق والاقطار العربية ادرك الكثير من الحكام العرب وفي مقدمتهم قادة خليجيون بان انهاء الكوارث رهن بعودة العراق القوي ولعل ما صرخ به ،وليس ما صرح به، الامير السعودي تركي الفيصل مدير المخابرات السعودية السابق في عام 2010 في مؤتمر علني في الامارات العربية المتحدة بان دول الخليج العربي ارتكبت خطأ ستراتيجيا عندما دعمت اسقاط النظام الوطني في العراق والان يمكن تصحيح الخطأ بدعم القوى الوطنية الحقيقية والتي تستطيع انقاذ العراق من شرور اسرائيل الشرقية وهي خطوة لازمة وحتمية لانقاذ الاقطار العربية كلها خصوصا الخليجية منها ، وكرر نفس الفكرة الكثير من المفكرين الخليجيين والعرب .

لهذا نلاحظ ان الحكام العرب المعنيين وهم يدركون ان الانقاذ الشامل يأتي من العراق بقوة ابناءه تراجعوا وابتعدوا عن فكرة التعاون مع البعث وبدلا من ذلك قبلوا الوعود الامريكية ب(حمايتهم) من الخطر الايراني مع ان كل المؤشرات العملية تؤكد ان اميركا مازالت تدعم الدور التخريبي لاسرائيل الشرقية بدليل ماجرى بعد الانتخابات المزورة في العراق وما يجري من انفراد حزب الله بالحكم في لبنان.والاهم والاخطر تجريد العقوبات على اسرائيل الشرقية من قوتها الحقيقية باستثناء دول منها العراق فجعلت العقوبات مجرد اداة للتضليل وتطمين العرب لاجل افتراسهم والبدء بافتراس اموالهم وعندما تتنتهي الاموال تذبح النظم الخليجية كلها. من لا يقتنع بتلك الحقيقة فعليه انتظار قطع رأسه ورفعها فوق رمح في عاصمته قريبا .

5-ولان اسرائيل الشرقية هي الاداة الاخطر المستخدمة في تدمير اسس الدول العربية ونسيجها الاجتماعي باستبدال الانتماء الوطني في كل قطر بالانتماء الطائفي فان الهدف الصهيوامريكي القديم والثابت وهو منع العرب من تحقيق اي نهضة وتقدم ووحدة – خطة بنرمان – هو الذي يجعل دعم (الخيار الايراني ) في تنفيذ تلك الخطط ضرورة ستراتيجة وليس تكتيكية ،وهو التفسير الوحيد ستراتيجيا الذي يسمح بفهم لم لم تحاول – نكرر :لم تحاول ابدا من الناحية العملية – انهاء الخطر الايراني واكتفت بالعاب مكشوفة ظاهرها معاداة اسرائيل الشرقية وباطنها وحقيقتها هي دعم دورها الاقليم .

اما خلافاتها معها فهي خلافات تنحصر تحديدا بقمع تطلعات القوميين الفرس باقامة امبراطورية فارسية على حساب العرب وانفرادهم بالسيطرة على العراق واقطار عربية اخرى منها دول الخليج العربي ، وهو ما لاتقبله امريكا ابدا ،فالاداة الايرانية بهذا المعنى لاتستطيع تجاوز حدود تخويلها التدخل في العراق وغيره والا تعرضت للضغوط. هل يحتاج ذلك لطرح سؤال لم تفعل امريكا ذلك ؟ تأملوا في الواقعة التالية: لم اصرت امريكا على فرض حصار قاتل ذهب ضحيته اكثر من ثلاثة ملايين عراقي وترفض فرض حصار قاتل ايضا على اسرائيل الشرقية رغم اعترافاتها بممارستها الارهاب والتدخل وامتلاك صواريخ ستراتيجية وغيرها ؟ ان مجرد سماح امريكا لدول مهمة جدا بمواصلة التجارة مع نظام الملالي هو انهاء لاي ضغط فعال يشابه ولو جزء من الضغوطات القاتلة التي فرضت على العراق .

6- لو ان امريكا ارادت حقا حل مشكلة العراق لكان ذلك ممكنا منذ سنوات وقبل ان يصل خراب الدولة والمجتمع الى حد الكارثة ،ويكفي ان تتصوروا ما يلي: امريكا تتفاوض مع البعثيين وحلفاءهم حول حل جذري وشامل لمشاكل العراق ويتم التوصل الى حل يرضي الطرفين فكم يوم تتصورون ان العراق يحتاج لاعادة الامن والاستقرار؟يقينا ان اغلبكم سيقول اسبوع ،وانا اؤكد لكم ان ذلك صحيح فما ان ينزل الاف المقاتلين المحترفين ومنهم فصائل المقاومة العراقية والاخوة والرفاق من كافة الاحزاب حتى تهب الملايين وليس الالاف لتقف معهم وبيدها السلاح وتقف تحت قيادتهم منضبطة ومستعدة للموت من اجل انقاذ العراق ولن تستطيع لا امريكا ولا كل نغول الارض وشياطينها دحر شعب تعرض للاذلال والاهانات ومس الشرف والمقدسات ان تجبره على القاء السلاح بعد ان وجد قيادة تقوده للتحرر ورأى الخلاص امامه فالاستشهاد ولو بالملايين افضل من العيش تحت رحمة نغول وحثالات ساقطة اخلاقيا وانسانيا .

سنرى الاف يسلمون انفسهم وسلاحهم بلا قتال وتعلن حكومة وطنية برنامجها الفوري وسنامه اعادة الخدمات والامن وهيبة الدولة . وخلال اسبوع سوف نرى العراق وقد هدأ وزالت اكوام النفايات البشرية كلها وبدات عملية ازالة النفايات المادية بحملات شعبية تطوعية شاملة، وبعد اسبوع اخر سنرى العراق يعود وجها باسما مشرقا وتزدحم مطاراته وطرقه البرية بالاف السيارات للعراقيين العائدين لبعث الحياة الحرة الكريمة في عراقهم العظيم .هذا الحل ليس خيالا ولكنه الامكانية الفعلية المتوفرة فورا لان من سيقوم بالعمل تنظيمات شعبية تشكيلاتها مجربة ولديها نقاوة ضمير واخلاص للعراق مقابل هؤلاء الاسود هناك حثالات بشرية استاسدت بفضل دعم امريكا واسرائيل الشرقية لها وهؤلاء سيحولون بنادقهم من كتف اسرائيل الشرقية الى كتف العراق فورا.

مشكلتنا الجوهرية هي امريكا اما مشكلة اسرائيليتين فهي تستمد خطورتها ،ومهما بلغت ،من توحش رأسمالية امريكا المحتضرة واصرارها المرضي على نهب العالم كله وهو ما يجعلها توكّل كيانات اخرى لتنفيذ المهمات. اذكركم بالمزيد من الادلة:

أ-امريكا وبالتعاون مع بريطانيا وفرنسا اسقطت الشاه – باعترافه شخصيا – واوصلت خميني للحكم.

ب- امريكا وبريطانيا واطراف اخرى حرضت خميني على شن الحرب على العراق وقدمت السلاح له ( ايرانجيت)،وبعكس السائد فان امريكا هي من رفضت ايقاف الحرب وهو ما شجع خميني على رفض ايقافها.

ج- غزت امريكا العراق وادخلت اسرائيل الشرقية ونغولها اليه ثم سلمتهم الحكم في عام 2011،وتركت الابواب مفتوحة كلها لتنامي تغلغلها في سوريا واليمن ولبنان ودول عربية اخرى، انقذت نظام بشار بالتراجع عن هدف اسقاطه، ومن ابرز مظاهر الدعم لاسرائيل الشرقية هو عدم مقاومة دخول قوات ايرانية ونغول الفرس الى سوريا وهو ما اخل بموازين القوى في سوريا لصالح النظام والفرس .

د-ورطت امريكا دولا الخليج العربي بمشاكل خطيرة ليس اقلها تفجير الصراع بين قطر والسعودية واخرين، وهو ما منع اختناق اسرائيل الشرقية ،وبنفس الوقت واصلت عملية تهديم العراق بدعم الانتخابات المزورة وتكرار تشكيل حكومة بنفس المواصفت التي وضعها دستور بريمر ،نتيجة اتفاق امريكي ايراني على عادل عبدالمهدي…الخ.

7-لو ان امريكا ارادت انهاء الخطر الايراني حقا فهل هناك ساذج واحد ينكر بانها تستطيع تدمير اسرائيل الشرقية بالكامل بقصف جوي وصاروخي شامل وباستخدام الاسلحة القديمة فقط التي تريد التخلص منها ،وهو ما فعلته بالعراق قبل غزوه بفرض مناطق الحضر الجوي واقتران ذلك بشن حرب منخفضة الحدة Low intensity war لتدمير اقتصادة وقواته المسلحة ومعنويات شعبه تدريجيا وببطء تمهيدا لغزو قطر فقد الحد الادنى من قدرات جيشه واقتصاده.ولكن امريكا التي فعلت ذلك مع العراق لم تفعله مع اسرائيل الشرقية ! بل ان حربها الاعلامية على نظام الملالي ادت الى تقديم اعظم الخدمات له وهي خدمة تعزيز دعايته الكاذبة بانه يحارب امريكا والكيان الصهيوني !

الخلاصة التي على كل عربي ان يدركها بوضوح وقبل اي تعامل مع امريكا هي ان كل ما تفعله وكل ما فعلته امريكا خصوصا منذ عام 1988 وحتى الان يؤكد بالادلة والوثائق والمواقف العملية وبعيدا عن التصريحات المضللة انها تنفذ خطة شاملة لانهاء العراق العربي القوي والمقتدر برجاله وتفتيته وتحويله الى جمهوريات موز متنافرة نهايتها التقسيم وانتهاء عراق بابل واشور وسومر والعباسيين والعراق الملكي والعراق الجمهوري. والسبب ليس سرا وهو واضح فعراق قوي وفعال كيان يمنع تنفيذ خطط القوى المعادية،

مصيبتنا هي ان امريكا مصرة على اكمال تنفيذ مخطط وضعت ملامحه الاخيرة بعد تأميم العراق لنفطه فلا رئيس ولا كونغرس يستطيع تغيير المخطط لسبب بسيط هو ان سيد امريكا المطلق هو مؤسسة غير رسمية تملك وتحكم وهي سنام طبقة من يملك الاخضر اي السيد دولار.الداء هو امريكا والدواء هو تجنب التعويل عليها،وعندها فقط وبقوتنا ووضوح رؤيتنا يمكننا ان نفاوضها ونفرض عليها الحل الوطني التحرري كما فعلت كوريا الشمالية، وما ان تنحل عقدتنا مع امريكا حتى نرى اسرائيل الشرقية تذوب كقطعة ملح في ماء ساخن .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق