ثقافة

جزائريات لمعت اسمائهن خلال الثورة التحريرية و صرن مثال لكل شخص

سجل تاريخ الجزائر بأحرف من نور اسم الشهيدات البطلات أمثال : وريدة مداد ، وهيبة قبايلي ، مريم وفضيلة سعدان ، حسيبة بن بوعلي ، مريم بوعتورة ، عويشة حاج سليمان ، ومئات ممن سقطن في ساحة المعارك وحققن النصر المبين . وبرز اسم جميلة بوعزة ، وجميلة بو باشا ، وجميلة بوحيرد . فإذا بالجميلات الثلاث تبرز كمثال لصمود المرأة الجزائرية ، وتحديها لوسائل التعذيب الفظيع والاضطهاد والقمع . أما جميلة بوعزة ، فقد ولدت عام 1939 في العفرون ؛ إحدى المدن الصغيرة القريبة من العاصمة ، وانتقلت مع والدها إلى الجزائر / العاصمة وعمرها لم يتجاوز الثانية عشر . عاشت هذه الفتاة في بيت وطني عريق ؛ لم يكن يخلو الحديث فيه من السياسة . تعلمت اللغة العربية وهي في العفرون على مشايخ حزب الشعب الجزائري ، إلى أن أغلق المستعمر تلك المدارس ورمى بأصحابها في السجون .
جميلة بوعزة
لقد ربيت الفتاة جميلة على حب الوطن وكره المستعمر وأعوانه . وكانت دائمة الذكر لمناضلات بارزات في الحركة الوطنية ؛ سبقنها وسبقن جميلات جيلها إلى العمل السياسي والفدائي ، وهن القدوة الحسنة لكل بنات وحرائر الجزائر ، مثا : نفيسة حمود ، ومريم بلميهوب . وأول من ضم جميلة بوعزة إلى الثورة والعمل الفدائي صديقتها جميلة بوحيرد ، في صيف 1956 حيث كانت سبقتها إلى ذلك ، ولم تكن تعرف أحدا غير تلك الصديقة ، وحتى ياسف سعدي / قائد معركة الجزائر لم تتعرف عليه إلا بعد الاستقلال . ولم يكن يتجاوز عمر الفتاة سبعة عشر سنة حينما انضمت إلى العمل الفدائي ، وكانت حينها تلميذة تحضر لشهادة التعليم المتوسط . ثم انضمت إليها زهرة ظريف التي قدمت نفسها على أنها ستعمل في سبيل الوطن وتضحي من أجله ، وثلاثتهن كن يعملن تحت القيادة المباشرة لياسف سعدي
وأول عملية كلفت بتنفيذها جميلة بوعزة ونفذتها ، كانت في البناية رقم 11 مكرر من شارع ميشلي / ديدوش مراد حاليا ، وذلك في شهر نوفمبر من عام 1956 ، حيث تلقت قنبلة كبيرة من زميلتها جميلة بوحيرد في شارع لالير ، وقطعت بها العديد من الحواجز ، لتضعها كما هو مخطط في ذلك المبنى بجانب المصعد . تسبب انفجارها فيما بعد في أضرار مادية كبيرة جدا ؛ بالإضافة إلى الهلع الذي دام أثره أسابيع . بهذه العملية بدأت الفدائية امتحانها ، ومن يومها تأكد ضمها لفرق العمل الفدائي في مدينة الجزائرلكن التحريات والمتابعات أوقعتاها في كمين صائب ، مما أدى إلى مداهمتها في العمل ، حيث قيل لها ان أباها في الخارج ينتظرها ، ولما خرجت وجدت النقيب ( غرازياني ) الشهير مرفوقا بستة عساكر . حيث أقتيدت مباشرة إلى منطقة الأبيار وأدخلت عمارة كبيرة كان في طور الإنجاز ، وهناك وجدت زميلتها جميلة بوحيرد وشقيقها الذي لم يكن يتجاوز عمره الاثنى عشر عاما ، هالها منظر صديقتها التي كانت تقطر دما من كامل وجهها ورأسها . وفي نفس المكان تلقت هي الأخرى من الضرب والتعذيب ما أفقدها وعيها ، وحينها اعترفت بانتسابها إلى جبهة التحرير . واعترفت لمعذبيها بأنها كانت واحدة من اللائي زرعن الرعب في مقهى أو شارع أو بناية . وأن بنات الجزائر كلهن جميلة ، وهن جاهزات في كل حين لزرع المزيد من الذعر .
وبالرغم من أن هذه الجرأة والشجاعة جلبتا لها الكثير من التعذيب ، لم يحصل المحققون من جميلة على شيء يفيدهم . ومن ذلك البناء / السجن حيث بقيت هناك خمسة عشر يوما ، كانت فيها عرضة للتحقيقات والإهانات والتعذيب من كل لون . ثم نقلت بعدها إلى سجن بربروس الشهير ، وكانت بوحيرد والعديد من الفدائيات والفدائيين قد سبقوها إلى هناك . في بربروس قضت جميلة بوعزة أربعة أشهر كاملة ، إلى أن جاءت المحاكمة الشهيرة لها ولزميلتها بوحيرد ، ومعهما عبد الرحمن طالب ، وعبد العزيز مرسلي ، والتي كانت نتيجتها الحكم بالإعدام على الجميع . وكان قد أنشيء في السجن العتيق / بربروس زنازن جديدة خاصة بالمحكوم عليهم بالإعدام ، هي عبارة عن أقبية غائرة .
تسعة أشهر كاملة قضتها جميلة وأخواتها بعد المحاكمة في بربروس ، إلى أن جاء الجنرال ديغول إلى الحكم . ونتيجة للضغط العالمي آنذاك على كل استفزازات المستعمر ، واحتجاج المنظمات الإنسانية في الكثير من البلدان ، وعلى محاكمته غير العادلة اضطر الجنرال ديغول إلى إلغاء الإعدام بالنسبة للنساء وتعويضه بالسجن المؤبد . كانت فترة الاعتقال حوالي أربعة أشهر ، نقلت بعدها جميلة في طائرة عسكرية إلى سجن بومات الشهير في مدينة مارسيليا جنوبي فرنسا ، ثم نقلت بعدها إلى سجن آخر الذي قضت فيه أطول فترة . وكانت أيامها فيه أشد مرارة وأقسى ، حيث تعرضت إلى ألوان شتى من التعذيب النفسي والجسدي المريرين . كانت وحيدة هناك مرتهبة في زنزانتها الكئيبة ، تعد الليالي والأيام وطولها . وفي هذه الوضعية القاسية وغير المحتملة كتبت جميلة رسالة مطولة إلى( ميشلي ) وزير العدل الفرنسي آنذاك ؛ محتجة وشارحة حالة القهر التي تعيشها . وبعدها صدر قرار جديدة ينقلها إلى سجن بو ، في منطقة البيرينيه السفلى على الحدود الفرنسية الإسبانية . وبعد فترة نقلت جميلة بوعزة إلى سجن يقع في منطقة بروتان ، وهناك ظلت إلى أن أطلق سراحها في أفريل عام 1962 .حسيبة بن بوعلي
من مواليد جانفي 1938، بمدينة الشلف، نشأت في عائلة ميسورة الحال، زاولت تعليمها الإبتدائي بمسقط رأسها. وبعد إنتقال عائلتها إلى العاصمة سنة 1948 واصلت تعليمها هناك، وإنضمت إلى ثانوية عمر راسم (حاليا)، وإمتازت بذكائها الحاد، ومن خلال رحلاتها داخل الوطن ضمن صفوف الكشافة الجزائرية اطلعت على أوضاع الشعب السيئة.
مع مطلع سنة 1955 إنضمت إلى صفوف الثورة التحريرية وهي في سنّ السابعة عشر كمساعدة إجتماعية، ولكن نشاطها الفعال برز سنة 1956 حين أصبحت عنصرا نشيطا في فوج الفدائيين المكلفين بصنع ونقل القنابل. وأستغلت وظيفتها بمستشفى مصطفى باشا للحصول على مواد كيمياوية تساعد في صنع المتفجرات، وكان لها – رفقة زملائها- دور كبير في إشعال فتيل معركة الجزائر خاصة بعد إلتحاقها نهائيا بالمجاهدين بحي القصبة ومغادرتها البيت العائلي نهائيا في أكتوبر 1956 بعد إكتشاف أمرها.واصلت نضالها بتفان إلى أن تم التعرف على مكان إختفائها من طرف قوات العدو التي حاصرت المكان، وأمام رفض حسيبة وزملائها تسليم أنفسهم، قام الجيش بنسف المبنى بمن فيه وذلك يوم 08 أكتوبر 1957بعد الاستقلال، تولت جميلة رئاسة اتحاد المرأة الجزائري، لكنها اضطرت للنضال في سبيل كل قرار وإجراء تتخذه بسبب خلافها مع الرئيس آنذاك، أحمد بن بلة. وقبل مرور عامين، قررت أنها لم تعد قادرة على احتمال المزيد، فاستقالت وأخلت الساحة السياسية.وريدة مداد
وريــدة مــــداد: ولدت سنة 1938 بالتغرين – الجزائر- اتمت دراستها الابتدائية ونالت شهادتها الابتدائية باللغة الوطنية في مدرسة الصباح الإسلامية بالجزائر. – في عام 1957 دخل إلى منزل أسرتها الشهيد: ذبيح الشريف برفقة مجاهدين آخرين، فطلبت منهم السماح لها بالعمل معهم في صفوف جبهة التحرير الوطني. – بعد اربعة ايام من هذا اللقاء التحقت بالجبهة، حيث عملت فدائية في العاصمة فأرعبت الجنود الفرنسيين. – استشهدت يوم 2 اوت 1957 بعد أن عذبت ورميت من شرفة عمارة.فاطمة نسومر
التحقت بالثورة على مستوى الولاية الثانية سنة1956 ساهمت في عدة عمليات فدائية وقد أثبتت من خلالها شجاعة نادرة وكانت أخر هذه العمليات الفدائية تلك التي نفذتها إلى جانب زميلها الشهيد الحملاوي وكانتهذه العمليات ضد المؤسسات والمنشآت العسكرية ومراكز الشرطة وقتل الخونة والحركة وبعد الوشاية بهما تم اكتشافهما لذا لجأ الاثنان إلى أحد المنازل التي تم محاصرته من طرف الجيش الفرنسي الذي قام بنسفه   بالديناميت لتسقط المجاهدة مريم بوعتورة شهيدة الوطن في 08 جوان 1960.
تظل « لالا  فاطمة نسومر » نموذجاً فذاً لكفاح المرأة الجزائرية بتمردها على الظلم والطغيان ، وأسطورة تروى جيلا بعد جيل ،.فهذه المرأة استطاعت بكل ما تملك الأنثى من سلاح أن تقهر أعلى الرتب العسكرية في الجيش الفرنسي الاستعماري الذي أراد أن يقتحم عرين اللبؤة ،ناهيك عما امتازت به من الأدب والتصوف والذكاء الخارق ، وما انفردت به من بطولة وشجاعة ودراية وحنكة في إدارة المعارك ، وهي التي واجهت عشرة جنرالات من قادة الجيش الفرنسي فلقنتهم دروس البطولة والفروسية . فهي قد نشأت في أسرة تنتمي في سلوكها الاجتماعي والديني إلى الطريقة الرحمانية ، فأبوها سيدي « محمد بن عيسى »  مقدم الشيخ الطريقة الرحمانية ، وكانت له مكانة مرموقة بين أهله وكان يقصده العامة والخاصة لطلب المشورة وأمها هي لالا خديجة التي تسمى بها جبال جرجرة بالجزائر .كسرت  لالا فاطمة نسومر القاعدة بمقاومتها للاستعمار بعد أن كانت مقتصرة على الرجال فقط ، وقاومت زحْف الجيش الفرنسي في بلاد القبائل حيث كانت متابعة للأوضاع وللأحداث في المنطقة خاصة بعد معركة « ثادميت » التي قادها المجاهد « الحاج عمر بن زعموم » ضد قوات الجيش الفرنسي عام 1844، ورغم تصوفها وتبحرها في أمور الدين لم تكن غافلة على تمركز الفرنسيين في تيزي وزو بين 1845 و1846 وفي « دلس » ثم محاولة الجنرال « روندون » دخول « الأربعاء  ناث ايراثن » عام 1850، والتي هزم فيها هزيمة منكرة ، وشاركت بجانب بوبغلة في المقاومة والدفاع عن منطقة جرجرة وفي صد هجمات الاستعمار على الأربعاء ناثايراثن وقطعت عليه المواصلات ، ولهذا انضم إليها عدد من قادة الأعراش وشيوخ الزوايا والقرى .
أشهر معركة قادتها فاطمة نسومر هي تلك المعركة التي خاضتها الى جانب الشريف بوبغلة في مواجهة الجيوش الفرنسية الزاحفة بقيادة الجنرال روندون وماهون ، فكانت المواجهة الأولى بربوة « تمزقيدة » حيث أبديا مقاومة بالغة ، لكن عدم تكافؤ القوات عدداً وعدة اضطر الشريف بوبغلة للأخذ بنصيحة فاطمة نسومر للانسحاب نحو « بني يني » ودعيا للجهاد المقدس ، فاستجاب لهما شيوخ الزوايا ووكلاء مقامات أولياء الله ، فجندوا الطلبة والمؤيدين وأتباعهم واتجهوا نحو «واضية» لمواجهة زحف قوات الاستعمار بقيادة « راندون ويوسف التركي» ومعهما الباش آغا الخائن الجودي ، فاحتدمت المعركة ، وتلقت قوت العدو هزيمة نكراء ، وتمكنت فاطمة نسومر من قتل الخائن الجودي بيدها ، واستطاعت أن تنقذ من موت محقق رفيقها في السلاح الشريف بوبغلة ، حينما سقط جريحاً في المعركة .اتجه «ماكماهون» صوب قرية «آيت تورغ» حيث تتمركز قوات فاطمة نسومر المتكونة أساساً من جيش من المتطوعين قوامه  700 فرداً ، ولما احتدمت الحرب خرجت لالا فاطمة نسومر في مقدمة الجميع وهي تلبس لباساً حريرياً أحمر كان له الأثر البالغ في رعب عناصر جيش الاحتلال .
على الرغم من المقاومة الباسلة فإن الانهزام كان طبيعياً مما دفع لالا فاطمة لطرح مسألة المفاوضات وايقاف الحرب ، لكن السلطات الفرنسية نقضت العهد وغدرت بالوفد المفاوض وتم اعتقالهم بمجرد خروجهم من المعسكر ثم أمر الجنرال بمحاصرة فاطمة نسومر وتم أسرها .
وخشية من الثورة مجدداً ببلاد القبائل أبعِدَتْ لالا فاطمة نسومر مع 30 شخصاً من رجال ونساء لبني سليمان بتابلاط وبقيت لمدة سبع سنوات إلى أن توفيت رحمة الله عليها وهي لم تتجاوز 33 سنة بعد مرض عضال تسبب في شللها ، وتظل سيرة حياتها سيرة بطل وليست مجرد امرأة .
زقنون صباح