إقتصاد

توقعات في اسعار النفط بين المنتجين والمستهلكين ..

محمد رياض حمزة

عاد شبح إنهيار اسعار النفط يخيّم على معظم دول الاعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك). وتراجع اسعار النفط الخام يذكرنا بتسارع الانهيار الذي بدا عام 2014 ليصل عام 2016 إلى دون 30 دولار لبرميل مزيج “برنت ” القياسي الأوربي . ووقتها تصاعدت الضغوط على معظم الدول المصدرة للنفط والتي تعتمد انشطة ونمو اقتصاداتها على الموارد المالية من صادرات النفط. وإذا كانت الاسباب التقليدية التي تذكر في تذبذب اسعار النفط تتلخص بسعر صرف الدولار بعلاقة عكسية ، وبتجاوز العرض على الطلب من النفط الخام في الاسواق العالمية ، وبتراجع او تصاعد نمو الاقتصادات الصناعية الكبرى.” فإن هناك ثلاثة متغيرات رئيسة للمعروض من النفط الخام في الاسواق العامية ، وهي: التغيرات التكنولوجية، والعوامل البيئية، وقدرة شركات النفط على تجميع رأس المال وتجديده. ومن اهم العوامل المؤثرة في الاسعار. كما أن زيادة المعروض بسبب التحسينات التقنية خاصة التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي مما ادى الى انخفاض الاسعار. ويعد الطلب على النفط من أهمّ العوامل المتحكّمة بأسعاره عالمياً، فعندما ترتفع أسعاره يقلّ الطلب عليه، والعكس صحيح، ولكن في المقابل عندما تنخفض أسعاره تقلّ الاستثمارات المرتبطة به. ويميل الطلب على النفط إلى الارتفاع خلال نمو الاقتصاد العامي وإلى الانخفاض خلال ركوده او انكماشه.
وتلعب قرارات منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) بشكل مباشر على اسعار النفط؛ اذ لديها القدرة على التحكم بالأسعار عن طريق تغيير معدلات الإنتاج، وتتحكم المنظمة بـ 40% من امدادات النفط في العالم ، التي تمثل 70% من الاحتياطي العالمي.
وتعد تكلفة الإنتاج من أهم العوامل المؤثرة على الأسعار، فإذا قارناها بين مصدرين مختلفين نلاحظ أن تكلفة استخراج النفط في الشرق الأوسط رخيصة نسبياً مقارنة بغيرها من الأماكن مثل كندا أو الولايات المتحدة الأميركية، وتميل الأسعار إلى الارتفاع إذا تم استنزاف جميع مصادر النفط الرخيصة ولم يبق سوى المصادر الأكثر تكلفة. وجاء إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الامريكية الذي أُغرق الأسواق بالنفط مما أدى إلى تراجع حاد في الأسعار ووضع المزيد من الضغوط على كاهل المنافس الأمريكي، كما أن تباطؤ اقتصاد الصين من العوامل التي أحدثت آثارا سلبية انعكست على الطلب العالمي على النفط (المصدر : شذى خليل ــ موقع مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية(
جدير بالذكر أن الرئيس الامريكي ” دونالد ترامب” وجه نقدا حادا لمنظمة أوبك وأتهم أعضاءها بالتسبب بإرتفاع أسعار النفط وقال في كلمته أمام الدورة الـ 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة ( يوم 25 أيلول 2018) أن “دول أوبك، كالعادة تنهب باقي دول العالم، وهذا لا يعجبني ذلك. وأضاف: “نحن نحمي الكثير من تلك الدول مقابل لا شيء، وهي تستفيد منا وتحدد لنا أسعارا مرتفعة للنفط، وهذا ليس جيدا”.وتابع ترامب قائلا: “نريد منهم أن يكفوا عن زيادة الأسعار ونريد أن يبدأوا بتخفيض الأسعار، وعليهم أن يساهموا بقسط ملموس في الحماية العسكرية من الآن”، مؤكدا: “نحن لن نتسامح مع الأسعار المرتفعة”.( المصدر الفضائية الروسية ــ RT ) .
غير أن ترامب إستغل “مقتل” الصحفي السعودي جمال خاشوقجي متجاهل تبعات الحدث أمريكيا وعالميا مغلبا مصالح الشركات الأمريكية المتمثلة ببيع الأسلحة وتجارة النفط أهم ” القيم والمبادئ. وكان موقفه ذلك سبيلا للضغط على المملكة العربية السعودية لضخ المزيد من النفط ” فأعلن في مؤتمر صحفي بتأريخ 30 حزيران 2018 وكرره في تغريدة عبر حسابه على تويتر، قالا: “تحدثت للتو مع العاهل السعودي الملك سلمان وشرحت له أنه بسبب الاضطراب والخلل في إيران وفنزويلا، أطلب من السعودية زيادة إنتاج النفط، ربما إلى 2 مليون برميل، لتعويض الفرق… فالأسعار ترتفع” ( المصدر : الفضائية الأمريكية ( CNN ). 
وكانت قد ارتفعت الأسعار وقتها بنسبة 13% لتتجاوز 74 دولارا للبرميل، في ظل تراجع الإنتاج من فنزويلا وكندا ومخاوف من تأثر شراء النفط من إيران بسبب العقوبات الأمريكية. وتواصل إرتفاع الاسعار إلى أعلى مستوى له منذ تشرين الثاني 2018، وبلغ نحو 81 دولارا بعد قرار منظمة (أوبك) وشريكاتها عدم زيادة الإنتاج، على الرغم من ضغوط ترامب.
إلا أن أسعار النفط العالمية سرعان ما بدأت تتراجع بعد تلبية طلب ترامب فضُخَّ المزيد من النفط الخام في الاسواق العالمية ليتراجع سعر البرميل في تعاملات 31 كانون الاول 2018 إلى ما دون 40 دولارا للبرميل. 
ولابد من التذكير بأن الدول الاعضاء في منظمة أوبك من النادر ما كانت تلتزم بالحصص المقرة لإنتاجها من النفط الخام وتصديره. فمثلا فنزويلا والعراق ودول أخرى أعضاء في المنظمة تملي عليها مصالحها عدم الالتزام بنظام الحصص، فهي دول تعتمد كليا في موازناتها على عوائد صادراتها من النفط الخام. بل أن المملكة العربية السعودية كانت دائما تنتج وتصدر من النفط الخام ما يتجاوز 10 ملايين برميل يوميا ، كلما طُلب منها ، وتعلن أنها حريصة على توازن الاسواق وسد النقص عند تقلص المعروض وعدم التأثير السلبي لإرتفاع أسعار النفط الخام على نموالاقتصاد العالمي . 
وفي مطلع كانون الثاني 2019 تراجع سعر البنزين في معظم الولايات الامريكية إلى ما دون دولارين للغالون ( ألغالون الامريكي يعدل 3.79 لترا). بعد ان كان قد إقترب من 4 دولارات للغالون عام 2015 .وفي ذلك سند لجبهة الرئيس الامريكي ترامب والحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ بمواجهة جبهة الحزب الديمقراطي في مجلس النواب ومعه معظم وسائل الاعلام الامريكية التي تناصب العداء لترامب على خلفية عدد غير قليل من الخلافات الحادة.
بالعودة إلى مسيرة تذبذب اسعار النفط الخام منذ مطلع الالفية الثالثة (2001) نجد ان قوانين السوق ( العرض والطلب) كانت أقل تأثيرا في تذبذب الاسعار أو المتغيرات الاساسية والثانوية ، سالفة الذكر، مقابل إجراءات قسرية مفتعلة على الاسواق لأهداف مغرضة كانت أكثر تأثيرا وسيطرت ووجهت الأسعار حسب مرامها لأهداف سياسية أو مضاربات هدفها الربح السريع. 
ففي يوليو 2014 إلى تراجع سعر الرميل لأقل من 50 دولارا وكذلك للشهور الأولى من 2015 . حينها قال معظم المحللين أن الأسباب تتفق مع قوانين السوق التي تتمثل بتخمة المعروض من النفط الخام في الأسواق مع تصاعد إنتاج النفط الصخري الأمريكي وتراجع الطلب العالمي . على اعتبار أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من بعض المشاكل رغم تعافيه.فيما كتب اقتصاديون آخرون إن وراء انهيار اسعار النفط تدابير مفتعلة أملتها قرارات سياسية للضغط على روسيا في أزمة أوكرانيا وكذلك تشديد الضغوط على إيران على خلفية برنامجها النووي. 
ولأهمية تحقيق الدول المصدرة للنفط أسعارا تتناسب فعلا مع قوانين السوق ( العرض والطلب) فإن النفط يمثل المصدر الرئيس لأكثر من 85% من الطاقة في العالم ، كما أن الطلب على النفط الخام وعلى المشتقات طلب فعّال لا يتوقف بل يتنامى مع سنويا مع نمو اقتصادات العالم وعدد سكانه.
وعند استعراض تذبذبات الاسعا نجدها تمر بمديات حادة فقد وصل سعر البرميل إلى 147 دولارا في صيف 2008. فيما سجل سعر البرميل في سنوات سابقة ولاحقة 9 دولارات و30 دولارا . وإنْ قارنا بين أسعار النفط وأسعار منتجات أخرى استهلاكية وصناعية لوجدناها في تصاعد دائم تقادم الزمن. فالمنتجات الأوروبية والأمريكية والآسيوية الصناعية التي تملأ أسواق العالم في تصاعد مستمر . فالمصنع الذي ينتج السيارات ويعتمد في طاقته على المشتقات النفطية في سنة تدني أسعار النفط لا يُسوِّق السيارة في تلك السنة إلاّ بذات السعر الذي يحدده مسبقا ليحقق الربح المستهدف وذلك بالرغم من وجود فيض من السيارات بأنواعها في أسواق العالم. وينطبق هذا المثل على المنتجات كافة فأسعارها في تصاعد دائم .بمعنى أن اسعار المنتجات الصناعية المعمرة والإستهلاكية في تصاعد مستمر ، بينما تتعرض اسعار النفط للتذبذب ، والنفط ومشتقاته من المنتجات ذات الطلب الفعّال الذي لا يتوقف.
وطالما تحدث المسؤولون والمحللون الغربيون عن ” خطورة ” ارتفاع اسعار النفط على مسيرة الاقتصاد العالمي ونموه . بل كانت تعقد المؤتمرات للحد من ارتفاع اسعار النفط . بل تم تأسيس” منظمة الطاقة الدولية ” عام 1974 ، إثر المقاطعة العربية لتصدير النفط وإرتفاع أسعاره وما عرف بأزمة 1973 النفطية . وتظم المنظمة في عضويتها حاليا 28 دولة صناعية أو مستوردة للنفط وتعمل هذه المنظمة على حماية أعضائها من إرتفاع اسعار النفط وتقدم لهم المشورة في رسم سياسات الطاقة . وكانت المنظمة على مدى العقود الأربعة منذ تأسيسها المدافع والمستشار الكفء لحماية الدول الأعضاء من تقلبات أسعار النفط في حالة إرتفاعها. وكُتب آنذاك “أن الهدف من تأسيس منظمة الطاقة الدولية هو مواجهة التكتل النفطي ” منظمة الدول المصدرة للنفط” ( أوبك). فهل أن ( أوبك) مؤثرة بالقدر الذي تحفظ للمصدر من نفط أعضائها أسعارا مستقرة ترضي المستوردين كما ترضي الأعضاء؟ . الجواب : أن منظمة (أوبك) كانت ولا تزال وإنْ بقيت محكومة بالمصالح الذاتية لكل دولة عضو فيها. وطالما تناقض أعضاؤها على خلفية التناقضات السياسية التي تحكم كل دولة . وكثيرا ما تبادل أعضاء المنظمة ” اللوم” على عدم الإلتزام بنظام الحصص الذي يحدد المصدر من نفط الأعضاء، مما كان يتسبب بفيض المعروض من النفط الخام وتدني الأسعار . وإذن يمكن القول أن منظمة ( أوبك) أعجز من أن تحفظ سعرا عادلا لبرميل النفط الخام في أسواق العالم يرضي المصدرين والمستوردين. فأوبك أعجز من أن تحمي أعضائها من تقلبات أسعار النفط .
وهنا يمكن استحضار أسعار أحد المنتجات المعمرة الضرورية ( السيارات) التي لم يتوقف تصاعد أسعارها بتقادم الزمن . فالسيارة التي كان سعرها (20 ألف دولار )عام 2000 فإن سعرها تضاعف إلى (20 ألف دولار ) عام 2015. وهكذا تتصاعد أسعار معظم المنتجات المعمرة والاستهلاكية . فمصدروها قد ضمنوا عوائد مالية بجدوى عالية ولا خوف من انهيار أسعارها. أما تذبذب اسعار النفط فتسبب بعجز في موازين معظم الدول المصدرة . فبين حزيران 2014 و حزيران 2015 تكبدت الدول المصدرة للنفط خسائر كبيرة ، فحتى نهاية عام 2014 قدرت مجلة “بزنس إنسايدر” الأمريكية خسائر الدول النفطية جراء تراجع أسعار النفط عالميا بنحو 1.5 تريليون دوﻻر ، مشيرة إلى أن هذه الخسائر فادحة للغاية وقد تقلص اﻹنفاق الرأسمالي العالمي لصناعة النفط. و إن التراجع الحاد في سعر نفط “برنت” والبالغ نسبته 40% منذ حزيران 2014 أسهم في تقليص تلك الإيرادات بنسبة تُقدر بـ 1.5 تريليون دولار على أساس سنوي، مشيرة إلى أن ذلك سيؤدي إلى خفض مستوى توافر السيولة النقدية اللازمة لتمويل عمليات استخراج النفط في الولايات المتحدة . و ان إيرادات النفط العالمية سجلت أعلى مستوياتها في عام 2014 بمعدل سنوي بلغت قيمته 3.8 تريليون دولار في يونيو2013.
وبنت مجلة “بزنس إنسايدر” تقديراتها للخسائر من خلال مضاعفة الطلب النفطي العالمي الشهري بملايين البراميل يوميا) بمعدل 365 يوم وأيضا بواسطة سعر البرميل من مزيج خام برنت القياسي. فإيرادات دول ( أوبك) بلغت ذروتها هذا عام في يونيو 2014، بقيمة إجمالية سنوية بلغت 1.5 تريليون دولار على أساس الناتج الشهري الفعلي للمنظمة من النفط.
ووصلت إيرادات المملكة العربية السعودية – أحد اللاعبين الأساسيين في أوبك- هذا العام أعلى مستوياتها في يونيو، بقيمة إجمالية تُقدر بـ 391 مليار دولار. إلاّ أن الهبوط البالغ نسبته 40% في سعر خام برنت أدى إلى تقليص إيرادات دول (أوبك) ومعها المملكة العربية السعودية بمعدل 590 مليون
أما المستوردون ( غير منتجي النفط ــــ) فتعد أسعار النفط المنخفضة كسبا وربحا، وهي تعادل التراجع في إيرادات النفط العالمية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، قدر الهبوط السنوي – منذ يونيو ا2014 وعلى أساس الانخفاض البالغ نسبته 40% في أسعار النفط- بـ 221 مليار دولار، أو ما يعادل 163 مليار يورو.وفي آسيا وأمريكا اللاتينية، قُدرت التراجعات في الإيرادات النفطية بـ 484 مليار دولار و 107 مليار دولار على الترتيب.
كل ما تقدم من الحقائق عن صناعة النفط والأسواق يؤكد أن أسعار النفط ستأخذ طريقها للارتفاع خلال الاعوام المقبلة إن غلبت الدول الاغضاء في منظمة ( أوبك ) مصالحها على الذعون لضغوط مغرضة (ساسية) . إلا أن السعر الذي يمكن أن يتمحور بين 60 و70 دولارا للبرميل لعام 2019 و2020 ليس بالسعر المنشود من قبل الدول المصدرة للنفط سواء من أعضاء منظمة ( أوبك) أو الدول الأخرى. بل أن المصدرين كافة يتطلعون لأسعار تعوض خسائرهم التي منوا بها منذ النصف الثاني من 2014. وبما أن الذي تسبب بإنهيار الأسعار هو المعروض من النفط الخام في الأسواق والذي قُدِّرَ بثلاثة ملايين برميل أوائل عام 2015 وتناقص مع ارتفاع الطلب . فإن الدول المصدرة الكبرى ، كالمملة العربية السعودية ، وروسيا والعراق ستسعى لتعويض خسائرها بزيادة الصادرات ومعها كل الدول المصدرة الأخرى الأمر الذي سيعزز تخمة الأسواق بفيض المعروض لتبقى الأسعار تناور دون السعر المنشود لموازنات دول الاقتصادات الريعيةوستبقى مواردها المالية مكبلة غير مستفيدة من قوة الطلب. 
وفي تناقضات المصالح بين دول أعضاء أوبك ، فالمتوقع أن تتفاقم التناقضات ، في حال بقاء أسعار النفط متدنية ، فالسعودية تريد الحفاظ على حصصها التصديرية في الأسواق وتوسيعها ، وهي قادرة على ذلك . والعراق آتٍ على زيادة إنتاجه وصادراته من النفط الخام التي تجاوزت 4 ملايين برميل في منتصف 2018 . وأن له أسواقا مؤكدة في غرب العالم ومشرقه ويبيع البرميل بأسعار تنافسية . وإيران التواقة للعودة إلى أسواقها التي خسرتها جرّاء العقوبات الأمريكية المتواصلة. ولا ننسى أن دولا أخرى كليبيا ونيجيريا وفنزويلا لم تكن خاضعة لنظام حصص التصدير في أوبك ، وإنا مرشحة لمزيد من الإنتاج . وهناك الدول المنتجة المصدرة خارج أوبك فإنها هي الأخرى لن تترك الأسواق لدول أوبك.وإذن فتخمة الأسواق بفيض من المعروض من النفط الخام متوقعة ، فالأسعار ستبقى كما توقع المحللون تناور بين 50 و 60 دولارا للبرميل في أحسن تقدير عام 2019. ذلك إنْ تتدخل مسببات مفتعلة أو أحداث جسام تلغي قوانين السوق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق