رأي

بعد التوهان البعض أصيب بالجنون السياسي في الجزائر

قد نعذر البعض من المشتغلين في حقل السياسة، أو حتى المُتطفّلين عليه، إن هم أُصيبوا بحالة توهان وضياع سياسي، في وقت ما، لأن “السياسة التي يعلمها العام والخاص ليست بسياسة” على حدّ تعبير المرحوم عبد الحميد مهري، فالتحليل السياسي يتطلّب من المُحلّل، على الأقل، امتلاك آليات التحليل، وجملة من الوقائع والمعلومات، أمّا اتخاذ مواقف سياسية من المُشتغلين في السياسة، فيستلزم، توفر المعطيات، والإحداثيات، والغريب، أننا نُعايش اليوم، شبه حالة “جُنون سياسي”، فعديد المُحلّلين والسياسيين، تصدر عنهم أفكار ومواقف، لا يمكن أن تصدر إلا من عند من بِه مسّ من الجنّ أو الشيطان.
فخلال الفترة القصيرة الماضية، عجّت مواقع التواصل الإجتماعي بكتابات، تكاد تُذكّرنا بأفلام “الأكشن”، لا لشيء سوى لتسعير نار الفتنة والإشاعات وبخاصة في صفوف المؤسسة العسكرية، لإيهام المتتبعين، بأن هنالك حالة شدّ وجذب بين الرئيس بوتفليقة، والفريق قايد صالح، في وقت تؤكد كلّ المؤشرات أن علاقة الرجلين متينة للغاية، وأن ما يجمعهما بالأساس هو تشبعهما بمبادئ ثورة نوفمبر المجيدة، وتفانيهما في خدمة الجزائر والذود عليها، وبرأي المراقبين، أن لجوء الحاقدين على الجزائر إلى هذا الأسلوب المُنحط، مردّه فشلهم في كسب ثقة الشعب الجزائري، أو بالأحرى فشلهم في إقناع الجزائريين، بالإنجرار إلى الفوضى “الخلاقة”، وفشلهم في جرّ مؤسسة الجيش إلى اللعب في المستنقع السياسي، فمنذ بضعة أشهر، دعا رئيس حركة حمس عبد الرزاق مقري، الفريق أحمد قايد صالح إلى “المساهمة في الإنتقال الآمن والسلس إلى نظام ديموقراطي”، وأضاف بأنه “على المؤسسة العسكرية ان تكون طرفا في حل الازمة الجزائرية”، فدعوة كهذه، صادرة من زعيم حزب سياسي يؤمن بالديمقراطية والتداول على السلطة، تمثل برأيي قمة الجنون السياسي، وفي السياق نفسه، أقامت بعض الشخصيات السياسية الدنيا ولم تُقعدها بعد خطاب رئيس الجمهورية خلال لقاء الحكومة بالولاة، واعتبره البعض قد حمل الكثير من “التخويف والوعيد والتهديدات” لكون الرئيس بوتفليقة، قالها بشكل صريح لا غبار عليه: “من الطبيعي اليوم أن تستهدف الدوائر المتربصة والخلايا الكامنة استقرار البلاد وتتكالب عليها قصد تثبيط همتها والنيل من عزيمة أبنائها. فما نلاحظه من مناورات سياسوية مع اقتراب كل محطة حاسمة (يقصد الرئاسيات) من مسيرة الشعب الجزائري، إلا دليلا واضحا يفضح هذه النوايا المبيتة التي سرعان ما تختفي بعد أن يخيب الشعب الأبي سعيها”، كلام الرئيس بهذا الشكل الواضح، أوّلته بعض الدوائر الحاقدة، كما قُلنا على أنه تهديد وتخويف، في حين الكُل يرى بشكل جلي كيف أن الجهات المُتكالبة، وعلى رأسها تلك التي تُؤتمر بأوامر أمّها فرنسا، قد ضاعفت جرعات “السم الإعلامي” التي تنفثها عبر بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، لتسميم عقول الجزائريين، وإرباك المشهد السياسي والأمني عندنا، بل إن بعضها راح يدافع عن عناصر إرهابية لما يسمى “الجيش السوري الحرّ” تم توقيفهم قرب حدودنا مع مالي، بالإدعاء أنهم “لاجؤون سوريون”، فبالله عليكم، كيف انتهى بهم المطاف إلى هذه المنطقة القاحلة، وهل من عاقل سوري، يغامر لدخول الجزائر عبر بوابة الصحراء؟
أثرت هذه القضية لتبيان، أن من يُهاجمون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومؤسسة الجيش الوطني الشعبي، وعلى رأسها الفريق قايد صالح، همّهم الوحيد، هو تحضير الأرضية المناسبة، للزجّ بالجزائر في أتون الحرب والفوضى، وهؤلاء هم من يعنيهم الرئيس بوتفليقة في خطابه، وهم وللأسف متواجدون في الداخل والخارج، وحتى في بعض مؤسسات الدولة، يُجهدون أنفسهم بكل مكر وخداع، لتقزيم إنجازات الرئيس بوتفليقة، التي يشهد القاصي والداني أنها انجازات عظيمة وما كانت لتتحقق لولا حكامة بوتفليقة وحُبه للجزائر، ولن أسترسل في تعدادها لأن غالبية الجزائريين عايشوها عن قرب وعلى المباشر، ولعلّ أهمّها استرجاع السلم والطمأنينة، وإنجاز أكثر من أربعة ملايين سكن، وإنجاز مشاريع عملاقة كالطريق السيار… وهي إنجازات تتحدّث عن نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى من يُدافع عنها ويروّج لها. برأيي، أن التحذير الأخير للرئيس بوتفليقة، وصدوره بهذه الحدّة، يعكس حجم الهجمات المسعورة على البلاد، والتي طالت حتى بعض أفراد أسرة الرئيس، كشقيقه الناصر، الذي كتب عنه “المُدّعي” المدعو “أمير dz” بأن لقاء الحكومة بالولاة كان تحت رعايته !!؟ وهذا بحدّ ذاته يؤكد بأن الساحة عندنا باتت تعجّ بالمجانين السياسيين والإعلاميين، ولله في خلقه شؤون.

زكرياء حبيبي