في الواجهة

بريطانيا أوروبا … نهاية لعبة القمار !!

الربعي أحمد
ــــــــــــــــ
ما يجري بين اوروبا وبريطانيا يشبه إلى حد كبير استفاقة مقامر خسر كل أوراقه ونقوده في لعبة قمار لم يحسن ادراك ما ستنتهي اليه ، بريطانيا التي أذهلت العالم بعبقرية سياسييها ، وقعنفي فخ سوء التقدير وسوء قراءة العواقب ، وهذا ما عبرت عنه استقالة أربعة وزراء من الحكومة البريطانية، قبل اسبوعين تقريبا اعتراضاً على مشروع اتفاق الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وكان من بين المستقيلين، دومينيك راب، الوزير المكلف بشؤون البريكزت. فالمسودة التي طرحتها تريزا ماي أمام حكومتها، لا تحقق في الحقيقة انسحاباً فعلياً من الإتحاد الأوروبي، بل ربما العكس، هو تورط فيه التخلي عن أي حقوق.

فالخطة تنص على بقاء في الاتحاد الجمركي الأوروبي، وهو ما يعني أن تبقى بريطانيا خاضعة للقواعد الأوروبية كما في السابق، لكن بلا أي حق في مناقشتها أو التصويت عليها. وتسري تلك القواعد على السلع، لا الخدمات. وبالأخذ في الاعتبار إن الأخيرة تمثل 80% من الاقتصاد البريطاني، ونسبة كبيرة من صادراتها إلى أوروبا، فمعني هذا أن تحظى السلع الأوروبية بأفضلية في الأسواق البريطانية، فيما تحرم الخدمات البريطانية، وبالأخص البنكية، من أي ميزة هناك. وفي ما يخص الملف الإيرلندي الشائك، فإن الاتفاق يمنح إيرلندا الشمالية وضعاً خاصاً، لتفادي وضع حدود مادية بينها وبين الجمهورية الإيرلندية. وطبقاً للاتفاق، تفقد حكومة ويستمنستر، بعضاً من صلاحياتها في بلفاست، وهو ما يراه كثيرون تفريطاً في وحدة المملكة المتحدة وسيادتها.

وباستثناء استعادة لندن لسيطرتها على حدودها، أي ملف الهجرة وحركة الأفراد، يبدو الاتفاق خسارة فادحة على كل مستوى آخر. فحرمان من معظم مزايا العضوية في الاتحاد لا تتم مقايضته سوى بفرض القواعد الأوروبية على بريطانيا، وفي أفضل الأحوال، تعليق كل القضايا الجذرية، من دون حسم. لذا، فإن المسودة، إن نجحت في شيء واحد، فهو توحيد المعارضين للبريكزت والمؤيدين له، في مجلس العموم، ضد تريزا ماي وخطتها. ولا يقتصر الرفض على متمردي حزب المحافظين، ومعارضة حزب العمال، بل يضم أيضاً الحزب الوحدوي الإيرلندي، الذي من دونه لا تستطيع الحكومة الحصول على غالبية داخل مجلس العموم. هكذا، تبدو المسودة وقد ولدت ميتة، وبلا أدني أمل في المرور. أما الأوروبيون، فقد أعلنوا أنه لا نية لديهم للتفاوض على بنودها مرة أخرى.

لكن واقع الأمور على غير ما يبدو للوهلة الأولى. فقضية العلاقة مع أوروبا، التي لطالما قسمت حزب المحافظين، منذ دخول بريطانيا الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، العام 1954، وصلت اليوم أخيراً إلى محك الحقيقة. وكل الأوهام الإمبراطورية التي كانت عالقة في أذهان مؤيدي الخروج الخشن، تبددت على طاولة المفاوضات. فالـ”كومنولث” الذي يريدون استعادته، لم يعد سوى منظمة شرَفية. أما “العلاقات الخاصة” مع الولايات المتحدة، فتبدو، في عهد دونالد ترامب، أضحوكة أكثر من أي وقت مضى، وهو يلغي الاتفاقات التجارية القائمة بينه وبين كندا والمكسيك، ويبتز أقرب حلفاء بلاده التاريخيين: الحماية مقابل الدفع.

فشلت حتى الآن محاولات جمع أصوات 48 نائباً لطلب الاقتراع على سحب الثقة من تريزا ماي داخل حزب المحافظين. وحتى لو تم جمع العدد الكافي، فإن أي تصويت على الثقة، ستفوز فيه ماي في الأغلب. فببساطة، تنحيتها تعني سقوط الحزب في فوضى كاملة، وربما اللجوء إلى انتخابات عامة مبكرة. داخل حزب المحافظين لا بديل لماي. فمعارضوها لا يطرحون خيارات، غير الخروج من دون اتفاق، أي “الدفع بالبلاد من على حافة الجبل”، كما وصفته الصحافة الأميركية هذا الأسبوع. أما خارج الحزب، فحزب العمال المعارض لا يبدو في حال أفضل. فجيريمي كوربين، صاحب الموقف المعادي للاتحاد الأوروبي، لم يقدم سوى معايير عامة للموافقة على أي اتفاق للخروج. وتبدو تلك المعايير متعارضة، وغير واقعية أيضاً.

لدى ماي مسودة اتفاق في غاية السوء، ودعم غير كافٍ لتمريرها حتى داخل حزبها. أما المفاوضون الأوروبيون فقد ملّوا لعبة التفاوض، أو أنهم لا يملكون سوى الشعور بالشفقة تجاه لندن. لكن يبدو أن ماي باقية. وغالباً، فإن مسودتها للاتفاق ستمر، رغم هذا كله، بأقل التعديلات. فبريطانيا التي استفاقت من أحلام اليقظة الإمبراطورية، تدرك اليوم أنها الطرف الأضعف في أي تفاوض، وأنها لا تملك بدائل، سوى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتحاشي كارثة الخروج بلا اتفاق، وإتمام عملية الانسحاب بأقل خسارة ممكنة، وبلا مكاسب على الإطلا