دراسات و تحقيقاترأي

بحث في تاريخ الأديان القديمة

حاجي علو

في محاضرة رائعة للدكتور خزعل الماجدي تحت عنوان تاريخ الأديان قدم فيها إستعراضاً شاملاً للأديان في التاريخ منذ نشوئها وحتى اليوم , أكثر ما أعجبني فيها هو قوله بأن الدين لم يتوقف ولم ولن يُختتم طالما الإنسان حي يتطور, لكن كان لنا رأيٌ مختلف في مواضع أخرى خاصة ما يتعلق بتاريخنا وديننا نحن الئيزديين, سنوجز أهمها فيما يلي .
1 ـ في مسألة المنشأ الديني ربطه الأستاذ بالسحر بل قدّم السحر على الدين وهذا رأيه لكننا لم نتفق معه فيه , الواضح أن الدين هو حاجة العقل المفكر إلى المعرفة ربما نشأ السحر بعد تطور التفكير الديني بأشواط , فالدين لم يُنشئه الإنسان المتطور, بل قد نشأ منذ نشوء العقل عند المادة الحية أي منذ ظهور الحيوانات البدائية أيّاً كان مقدار عقلها فبمجرّد تشمُّس الحيوان في المناطق الباردة مثل جبال كوردستان وتعريض نفسه للشمس الدافئة صباحاً, يُعتبر تفكيراً دينياً وفهماً عقلياً لأهمية الشمس وهذا هو المنشأ الديني الأول, وقد بدأ بالشمس وليس بغيرها وفي زمن لا نتكهنه, فالبيانات العلمية التي توصَّل إليها العلماء في تحديد عمر الكوكب ونشوء الحياة, غير دقيقة ولا يُمكن تصديقها بشكلٍ من الأشكال .
الجدية تبدأ بظهور الإنسان المنتصب فلابد أن يكون تفكيره قد تقدّم بخطى كبيرة يُمكن أن نسميها الطفرة الثانية في التفكير والتطور الديني ولم يكن قد خرج عن دائرة الشمس الوحيدة فكان الدين توحيدياً بالفطرة وبالضرورة فلم يكن هناك غيرها . كما يُمكن أن يكون إكتشاف النار وإضرامه في كهف شانيدر كوردستان قبل حوالي 40000 سنة طفرة ثالثة في التطور الديني وتوسع أفق التفكير البشري وهنا يُمكن أن تكون عبادة النار قد دخلت على خط الدين لأن النار كالشمس لا تزال مقدسة لدى شعوب هذه المنطقة , وربما يكون بعد هذه المرحلة قد بدأ تصور السحر أيضاً فتداخل مع الدين . وفي بداية الثورة الزراعية في كوردستان أيضاً قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد كانت الطفرة الدينية الرابعة الحقيقية , هنا بدأت مرحلة التفكير الديني الحقيقي وتعدد الآلهة لتزاحم الشمس الوحيدة ونهاية الدين التوحيدي الفطري . بعدها زحفت الزراعة إلى جنوب العراق وتقدمت الحضارة بأشواط في الجنوب فكانت الطفرة الدينية الخامسة بظهور المعابد ورجال الدين ومنهم الملوك والزعماء وتنوعت الآلهة وأصبحت تمثل الشعوب ولا يزال الدين عندنا يُشكل الجانب الأهم من الهوية الشخصية, وكل نواحي الحياة للدين فيها الدور الأكبر, وازدهر السحر أيضاً في هذه الحقبة وكان البحث عن الخلود وتفاسير عن الحياة ما بعد الموت . أما الطفرة السادسة فقد بدأت بظهور الأنبياء وإستغلال الآلهة والدين في السياسة لبسط سلطتهم وقد إنتهت هذة المرحلة بالشمع الأحمر في القرن السابع الميلادي, لكن حاجة العقل المفكر للمعرفة لا تتوقف فلن يتوقف الدين ولن تتوقف التغيرات الدينية .
ولهذا أقول أن السحر هو إبن الدين وليس العكس فالسحر تصوّر بينما الدين تفكير وبحث منشأُه حاجة العقل المفكر إلى المعرفة . بالتفكير في الطبيعة والخلق نشأَ الدين , والتفكير في الدين نشأَ اللاهوت والتفكير في اللاهوت نشأت الفلسفة والتفكير في الفلسفة نشأَت الرياضيات ومن الرياضيات نشأت بقية العلوم المادية وبعدها الأدبية فمصدر علوم وحضارة الإنسان كلها هي الدين ولا يُمكن أن يركد أو يتوقف أو يُلغى, إنما تتغيير طرق الإيمان به وممارساته كما عرضناها أعلاه .
2 ـ في معرض عبادة الشمس قال الدكتور أن إخناتون المصري هو أول مُوحد, وأعظم عبادة للشمس ظهرت اولاً في مصر ولم يتفوّه بحرف عن علاقة زرادشت والدين الزرادشتي بالشمس ونحن لا نتفق معه في هذا أبداً, بالنسبة للشمس, ليس هناك مخلوق قد تجاهلها بمقدارٍ أو بآخر فهي أم الطبيعة ومصدر النور والإبصار والدفء والحياة لجميع المخلوقات فالجميع قد عرفوا أهميّتها وفي كل مكان , لكن عبادتها كإلهٍ أوحد شيءٌ آخر, الهكسوس وهم أقوام شرقية على الارجح آريون كورد أو فرس هم الذين أدخلوا عبادة الشمس كإله أعظم إلى مصر قبل إخناتون بأربعة قرون والمؤرخون يُؤكدون على تطور عبادة الشمس في مصر بعد دخول الهكسوس وطردهم في القرن السادس عشر ق م, ومباشرةً بعد موت إخناتون نبذ خلفه عبادة الشمس فالطبيعة هي الغالبة وتفرض على المخلوق نمطاً من الحياة والتفكير في البيئة المعينة فبلاد مصر حارة ولا يناسبها تعظيم الشمس, تماماً مثل جنوب العراق والجزيرة العربية فكلها ألهت الشمس بدرجاتٍ دنيا إلاّ حمورابي الذي كان شعبه كيشياً عابد شمس في أغلبه فهو الوحيد من القوم السامي الذي عظم مردوخ إله الشمس أكثر من غيره ومردوخ أيضاً كلمة كوردية تعني الكريم الواهب ( مرد – مردوك)
3 ـ في كلامه عن زرادشت, حقيقةً كان كلامه مأساويّاً حتى دفعنا إلى التعليق مضطرين, زرادشت كان إنساناً طبيعياً جداً لم يختلف عن الإنسان في العصر الحجري القديم أي قبل تعدد الآلهة, إلاّ بذكائه الخارق ويحمل كماً هائلاً من الحكمة التي توارثها الإنسان العاقل لعشرات السنين , خاصةً في زمن تعدد الآلهة وكثرتها وتصادماتها, فقرر إلغاءها كلها إلاّ الشمس, لكن رسوخ الآلهة المتعددة في ذهن المجتمع لم يكن من السهل ضربها دفعةً واحدة , فسماها بالأرواح المقدسة الخالدة أي حافظ على مكانتها في إيمان المجتمع وأبقى على الشمس (*) وحدها كإلهٍ أوحد تعاونها جموع الأرواح المقدسة الخالدة التي سماها أمين زكي ( إزيد يزت يزيد) تجمع في كلمة (يزدان) المعروفة اليوم بأنه الله لكن الحقيقة هو جمع للآلهة المتعددة كلها عدا هورامزدا/ الشمس, إلاّ أنَّ الدكتور الماجدي أشار إليها بأن زرادشت هو أول من إبتدع إسم الملائكة المعروفة الآن كآلهة أدنى من أهورامزدا, وهذا خطأٌ كبير ولا علاقة بملائكة الساميين بآلهة زرادشت المُعاونة لأهورامزدا/ الشمس هذه أسماء آلهة لاهوتية (خيالية) إيرانية قديمة كانت مسؤولة عن تدبير الكون , ملائكة الساميين أسماء بشر آراميون رواد تأسيس الدولة اليهودية عاشوا وماتوا , وفي فترة نضوج الافكار الدينية بعد موسى وحتى تدوين التوراة الأول في حوالي 650 ق م, وبعدها ما تسمّى بالقصص التوراتية أو الإسرائيليات تحولت هذه الاسماء إلى ملائكة في حضرة الله مثل عزرائيل هو إسرائيل إبن الله (يعقوب) يتصرف ويقتل دون حساب وجبرائيل جبار الله داؤود بن يسي قاتل جبار الفلسطينيين جوليات وميخائيل شبيه الله ربما آدم أو موسى أو عيسى وشلوموئيل سلام الله ( أمين) محورة من سليمان الملك وشمنائيل يعني إسم الله وهو محور من صموئيل مرشد بني إسرائيل ومبرَّك شاؤول الملك الاول في 1000 ق م , …… كلها إسماء آرامية لا علاقة لزرادشت بها أقرّها الإسلام الذي كان ضد دين زرادشت بكل عنف وقسوة , وقد دخلت الدين الئيزدي مع سيف الإسلام بعد ستمئة عام تحت الحكم الإسلامي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يبدو أن زرادشت لم يعترف بوجود إله لاهوتي غيبي إنما إعتبر الشمس نفسها هي الإله الأعظم ف(أهورامزدا) هو إسم الشمس باللغة الكوردية وليس إسم إله, الإله بالفارسية إزيد وبالكوردية خودان (( هور +مز+دا))تعني الشمس واهبة الحق )) بالكوردية الهورامية والشبكية , ولا تدل أي معنى لإله, وعكسه أهريمن هو أيضاً ليس إلأهاً إنما غياب الشمس وهو الظلام الذي أكد عليه زرادشت , هكذا توصّلنا إلى ان زرادشت لم يُؤمن بشيء خيالي لاهوتي لا يراه أو يتحسسه, الشمس هي الله وهي التي تهب الحق والعدل وكل شيء حسن ومن الظلام كل شيء رديء, وليست هناك حلبة ملاكمة إنما تعاقب الليل والنهار على مدى الدهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4 ـ الدين المزداسني تحاشاه الدكتور الماجدي حتى النهاية ولم يأتِ على ذكره لا في الأول ولا في الآخر بينما أفرط في ذكر الدين الزرادشتي واليزداني وهذان الإسمان لم يُعرفا على طول التاريخ الإيراني من 728 قبل الميلاد وإلى 635 بعد الميلاد , زرادشت لم يخلق ديناً ولا سمّى ديناً, ولم يتمرّد على دين الشمس السابق بل عظمها وفرزها كعنصرٍ أوحد في الدين الميدي الإيراني (المزدةيسني) مشتق من إسم الشمس (أهورمزدةيسني ـ عابد الشمس واهبة الحق) هذا الدين الذي ذكره كل مختصٍ بالدين الميدي الإيراني مثل عبدالقادر المارسوني عرف الزرادشتية بأنها تطوير وإمتداد للمزديسنا , توفيق وهبي قال أن الدين المزديسني كان دين الدولة, الإنترنيت الفارسي يُقدم لنا أديان العهد الساساني كلها فيقول المزديسنا دين الدولة الرسمي ويذكر معه الزروانية وهي التي كانت في بابل قبل 15 قرن من الميلاد وقد تغيّر إلى المثرائية التي تتسمى بها عشيرة سنجارية ئيزدية حتى هذا اليوم ( الميهركان, وبها تلقب الشاه الإيراني آريا ميهر) ثم إلى المزدةيسنا في العهد الميدي قبل زرادشت وحتى الغزو الإسلامي , أما المانوية التي أفاض الدكتور فيها فهي لم تعش أكثر من 30 عاماً من 240 ـ 270 ميلادية وقد كان حزباً سياسياً في قالب ديني, ماني بن فاتك الأشكاني أراد رصّ الصفوف للقضاء على ثورة أردشير الساساني وإستعادة سلطان الأشكان فتبنى المسيحية وإدعى النبوة وإلتف حوله الأشكان وأنصارهم لكن ما ان ظهرت حركته حتى قبض عليه ووضع في السجن حتى الموت ومن بقي على ولائه السابق من بعده مسحهم سابور الثاني, والمزدكية لم تكن فرعاً من أيّ دين بل حزب إشتراكي شيوعي مشاعي قضى عليه نوشي روان في زمن أبيه المُؤيّد لمزدك والمؤمن بالإشتراكية وإنتهى قبل أقل من عشرين عاماً , كل هذه الأسماء إختلطت بعد أن قضى الإسلام على الدين الساساني وأصبحوا في العهد العباسي بعد إعادة كتابة التاريخ, يتكلمون عن كل هذه الأديان على أنها زرادشتية عابدة الشمس والنار كافرة مجوسية مزدية ديصانية وهلم جرا وجميعهم أُبيدو أو أسلموا بالسيف ومن ظهر منه ميلاً إلى الدين السابق إعتبر زنديقاً يُقتل على الفور ولم يكن من بينهم مانويٌّ واحد .
أما تنسيب الدين الميدي الإيراني إلى زرادشت وشهرته بإسم هذا المُصلِح , ذلك لأن دين الشمس لم يبتدعه إنسان ولا بشَّر به نبي, بل من صنع الطبيعة, وزرادةشت هو الإنسان الأول الذي إعتكف وبحث فيه وثبت مبادئه ووضع عليه بصماته ودونه في كتاب , فهو النبي الوحيد الذي دون دينه بيده وفي كتابه, آفستا {آب است ( إنّه الماء)} المسمى بإسم أحد أهم مقدسات الئيزديين اليوم وهو الماء (سُر الخليقة) بينما ألغى إله الماء (ئيناهيتا) الذي نسمي به أهم أيام الأسبوع وهو الجمعة (ئيني) يوم الغسيل , كان بإمكانه أن يدعي أنه أتى بكتابه من مكتبة الله , لكنه لم يفعل ولم يدّعِ النبوة فقد كان صريحاً صادقاً .
5 ـ ثم ذكر اليزدانية على أنها الدين الذي تحول إلى اليزيدية الآن وهذا خطأٌ ظهر حديثاً للبحث عن أساس للتسمية بعيداً عن يزيد بن معاوية , وهذا أيضاً خطأ, التسمية هي ليزيد بن معاوية وليس لغيره , ظهرت بعد الشيخ عدي فقد أدمجوا بالتناسخ يزيد بن معاوية بإيزيد الإله المنتظر , وكانت تسميةً مقبولة بدلاً من الإسم المزداسني الساساني المكفر الباقي حتى اليوم (داسني) .

اليزدانية كما يبدو من اللفظ مشتق من يزدان وهو جمع للآلهة التي وحدها زرادشت كما أسلفنا وسماها الأرواح المجردة الخالدة تعاون أهورامزدا, جمعها الكورد السوران بإضافة أداة الجمع (ان) إلى يزد, هذا الجمع لا يوجد في البهدينانية فهو مفرد ولو كانوا الفاً هو ئيزيد واحد منتظر نسميه ئيزيدي سور, كما أن الفرس أيضاً يُسمّونه بالمفرد

6 ـ في ذكره لشعوب أسيا الصغرى تركيا الحالية ذكرهم بأنهم جركس وأرمن وجورجيون وأغلبهم آشوريون الذين حكمو القسم الشرقي ولم يأتِ على ذكر الكورد نهائياً وكأنه لم يطلع على التاريخ وهذا طعنٌ في مصداقية عالم بهذا المستوى, وعن الترك قال إنهم غرباء قدموا من آسيا الوسطى قبل 1000 عام فقط , وبنفس الوقت يعلم علم اليقين أن الآشوريين أيضاً قدمو إليها بأقل من ألف عام قبل الميلاد ومن سوريا وجنوب العراق ولم يعبر آشوريٌّ دجلة عند قلعة شرقاط قبل 930 قبل الميلاد وحالما عبروا دجلة شمالاً إشتبكوا في حروب طاحنة مع السكان الميديين الذين ظهر إسمهم في مدونات آشور ,لكنه لم يذكر من أين قدم الكورد الذين ملأوا الأناضول حتى اليوم وكان سيذكرهم لو كانوا قد قدموا من خارج المنطقة ولو قبل مليون عام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يبدو أن زرادشت لم يعترف بوجود إله لاهوتي غيبي إنما إعتبر الشمس نفسها هي الإله الأعظم ف(أهورامزدا) هو إسم الشمس باللغة الكوردية وليس إسم إله, الإله بالفارسية إزيد وبالكوردية خودان (هور +مز+دا) تعني الشمس واهبة الحق) بالكوردية الهورامية والشبكية , ولا تدل على أي معنى لإله, وعكسه أهريمن هو أيضاً ليس إلأهاً إنما غياب الشمس وهو الظلام الذي أكد عليه زرادشت , هكذا توصّلنا إلى ان زرادشت لم يُؤمن بشيء خيالي لاهوتي لا يراه أو يتحسسه, الشمس هي الله وهي التي تهب الحق والعدل وكل شيء حسن ومن الظلام كل شيء رديء, وليست هناك حلبة ملاكمة إنما تعاقب الليل والنهار على مدى الدهر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق