إقتصاددراسات و تحقيقاتفي الواجهة

انخفاض قيمة سعر الدولار الأمريكي الأسباب والتداعيات …دراسة تحليلية

 بورزامة  جيلالي 

جاءت اتفاقية بريتون وودز لتعبر عن مصالح القوى الاقتصادية الدولية الصاعدة وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت من الحرب العالمية الثانية باعتبارها قائد العالم الرأسمالي المتقدم ، واحتل الدولار الأمريكي مكانة بارزة في السوق الدولية وبالتدريج حل محل الذهب والجنيه الإسترليني كعملة يرتكز عليها النظام النقدي الدولي وكوسيلة دفع رئيسية في المعاملات الدولية وكعملة احتياط ارتكازية تحتفظ بها السلطات النقدية في معظم دول العالم.
وبالنظر للمكانة التي اكتسبها الدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي فإن أي تذبذب واضطراب في سعر الدولار المنخفض أو الضعيف تكون له انعكاسات كبيرة ، حيث التأثير على اقتصاديات أوروبا واليابان والدول النامية عامة والعربية خاصة وتأثير الدولار على سعر النفط، إضافة إلى الآثار السلبية لربط العملة الوطنية بالدولار، ومما لاشك فيه أن تراجع الدولار مقابل العملات الرئيسية سيؤثر على عائدات بيع الدول النامية ، إلى جانب تأثير الدولار على الذهب.

ضمن هذا الإطار يمكن طرح وصياغة الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة على النحو التالي:

ما هي أهمية ودور الدولار الأمريكي في النظام النقدي الدولي ؟ وما هي أسباب وتداعيات تراجعه على الاقتصاد العالمي؟
وعليه سيتم معالجة الإشكالية من خلال المحاور التالية:
– الدولار الأمريكي وتطور النظام النقدي الدولي
– مكانة الدولار الأمريكي أمام الأورو في الاقتصاد العالمي
– أسباب تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي
– انعكاسات تراجع سعر الدولار على الاقتصاد العالمي
– الآلية التي تتبعها الدول الأسيوية في أسواق الصرف العالمية للحيلولة دون ارتفاع قيمة عملاتها أمام الدولار

الدولار الأمريكي وتطور النظام النقدي الدولي:

1- مفهوم النظام النقدي الدولي : في الواقع إن وصفا النظام النقدي الدولي ينطوي على تعريفين أحدهما إجرائي وعملي بوصفه مجموعة من التنظيمات والأعراف التي اعتمد اتباعها من قبل الأطراف التي تتعامل على الصعيد الدولي لغرض تسوية المعاملات فيما بينها ، وما يتضمنه ذلك من قيام المؤسسات النقدية الوطنية والدولية الخاصة والحكومية بتسوية هذه المعاملات بين الأطراف التي ترتبط فيما بينها بشتى العلاقات الاقتصادية على الصعيد الدولي ، أما التعريف الوظيفي للنظام النقدي الدولي فقد جاء نتيجة تراكم أدبيات واسعة في النظرية والفكر الاقتصادي الدولي ، والتي كونت الأركان الوظيفية للنظام النقدي الدولي، استنتاجا من المسار التاريخي للعلاقات النقدية الدولية والأنظمة النقدية الدولية المختلفة التي عرفها العالم وما ميز نظاما عن آخر ([1]) .

إن النظام النقدي الدولي هو مجموعة القواعد والآليات والتنظيمات التي تتكفل بتسوية المدفوعات الدولية وتصريفا أمور العلاقات النقدية بين الدول على نحو يدعم فعالية التجارة الخارجية متعددة الأطراف ([2]).

ويتكون النظام النقدي الدولي من العناصر التالية ([3]):

أولا: النقود الدولية مثل : الذهب النقدي والعملات الأجنبية ، والأصول أو الحقوق التي تصدرها المؤسسات النقدية الدولية ، ويطلق على النقود الدولية مصطلح السيولة الدولية.
ثانيا : مجموعة القواعد والآليات أو السياسات التي تتكفل بتحقيق هدف هذا النظام التجاري متعدد الأطراف .
ثالثا : التنظيمات والمؤسسات النقدية والمالية الدولية والتي تؤثر في حجم السيولة الدولية، مثل البنوك المركزية للدول الصناعية المتقدمة وصندوق النقد الدولي ، ومجموعة البنك الدولي للإنشاء والتعمير

2- تطور النظام النقدي الدولي:

عرف النظام النقدي الدولي مراحل عدة ارتبطت بالظروف الاقتصادية والسياسية التي ميزت هذه المراحل والتي يمكن ذكرها فيما يلي:

2- 1 الدولار وأسعار الصرف الثابتة:
2- 1- 1 نظام قاعدة الذهب الدولية وآلياتها (1870- 1914): ويسمى هذا النظام بنظام المسكوكات الذهبية ، ولقد ساد هذا النظام معظم دول العالم خلال القسم الأكبر من الفرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى ، ومع قيام الحرب أوقفت الدول العمل بهذا النظام في عام 1914.
تتبع الدولة قاعدة الذهب عندما تربط قيمة عملتها بوزن معين من الذهب ، ويقتضي قيام قاعدة الذهب توافر الشروط التالية ([4]):
– تحديد قيمة العملة بوزن معين من الذهب وعيار محدد.

– توافر قابلية تحويل العملة الوطنية إلى ذهب أو العكس دونما أي قيد أو شرط
– كفالة حرية الأفراد في استيراد وتصدير الذهب
– الاعتراف للأفراد بحرية سك النقود
– قابلية أنواع النقود الأخرى (النقود القانونية) للصرف عند حد التعادل بمسكوكات ذهبية.

ولنظام قاعدة الذهب وظيفتان أساسيتان الأولى داخلية والأخرى خارجية ، أما الوظيفة الداخلية فهي تحديد كمية البنكنوت المصدر ، أي أن حرية البنك المركزي في إصدار أوراق البنكنوت تكون مفيدة تفييدا تاما بكمية الذهب الموجود في حيازته ، أما الوظيفة الخارجية فهي تثبيت سعر الصرف ، فعندما تتخذ جميع الدول هذا النظام قاعدة لنقدها فإن أسعار الصرف بين عملاتها ستكون ثابتة تقريبا لا تتغير إلا بحدود ضيفة هما حدا دخول وخروج الذهب ([5]).
وكانت العملة الإسترلينية في الريادة في ظل قاعدة الذهب بسبب الدور الذي أدته بريطانيا في المبادلات التجارية الدولية ، نظرا إلى قوة نموها الاقتصادي الذي مكنها من السيطرة على الاقتصاد العالمي ، غير أن هذا النمو تراجع نتيجة الحرب العالمية الأولى ، فخسر الإسترليني مكانته لصالح الدولار الذي حافظ على ارتباطه بالذهب نتيجة المعدلات المرتفعة لنمو الاقتصاد الأمريكي الذي استفاد من عدم دخوله الحرب ، وكذا من ضخامة إنتاجه ، فحقق فائضا كبيرا في ميزان المدفوعات ([6]).
2- 1- 2 نظام السبائك الذهبية ومرحلة قاعدة الصرف بالذهب ( 1914- 1945): مع بداية الحرب العالمية الأولى اضطرت معظم الدول التي اتبعت النظام النقدي الذهبي إلى إيقاف العمل بهذا النظام ، وبذلك انتهت مرحلة مهمة من الاستقرار في أسعار صرف العملات لتتعرض بعدها لتقلبات حادة جدا خلال الحرب العالمية الأولى ، وجاء انهيار نظام قاعدة الذهب في أعقاب الحرب بسبب زيادة الإنفاق العسكري وتمويله عن طريق التمويل التضخمي أي زيادة النقود الورقية ، وبالتالي خرجت كل بنوك الإصدار في الدول المتحاربة عدا الولايات المتحدة الأمريكية عن القيود التي كانت تربط بين إصدار النقود وبين نسب التغطية الذهبية.
وخلال الفترة الممتدة بين انهيار قاعدة الذهب والحرب العالمية الثانية والتي تتطلب سيولة نقدية كافية لم تستطع البنوك المركزية تحفيفه من تغطية بالذهب ، أدركت القوى النقدية العالمية ابتداء من سنة 1922 حتمية إعادة بناء النظام النقدي الدولي وذلك بإعادة الاعتبار للذهب حتى يصبح أساس المعاملات ، ولهذا واجهت هذه القوى مشكلة ندرة الذهب وعدم كفايته من جهة وضغط الطلب عليه من جهة أخرى ، فخرجت بفكرة جديدة تحقق مزايا قاعدة الذهب ، فكانت قاعدة الصرف بالذهب.
حيث في ظل نظام قاعدة الصرف بالذهب تصبح العلاقة بين النقد الورقي والذهب غير مباشرة ومن خلال نقد أجنبي آخر قابل للإبدال بالذهب.

ومن بين أهم مميزات قاعدة الصرف بالذهب يمكن ذكر ما يلي ([7]):

– انعكست آلية الصرف بالذهب على العملتين الرئيستين الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني ، حيث زاد الارتباط بين الدولار وبين غيره من العملات ، كما أثرت على وضع الجنيه الإسترليني من خلال ضعفا مركزه كعملة ارتكازية.
– تميز نظام الصرف بالذهب عن نظام قاعدة الذهب من خلال أهميته ، حيث تضمن نظام الصرف بالذهب الوسائل التي توسع نطاق المعاملات الدولية وتنظيم نظام المدفوعات العالمي ففي البداية استخدمت عملتان الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني كأساس للمعاملات والمدفوعات الدولية بغرض تحقيق الاستقرار النقدي الدولي ، ومع مرور الوقت برز دور الدولار كوسيلة للمدفوعات الدولية.
– في ظل قاعدة الصرف بالذهب انتشرت موجة من تخفيضات النقد التنافسية بالنسبة لأهم العملات الدولية في نهاية العشرينات والنصف الأول من الثلاثينات ، وهذا بهدف تشجيع الصادرات والإقلال من الواردات ، كل هذا أدى إلى عدم الاستقرار في التعامل النقدي الدولي وضعفا المحاولات لتحقيق نوع من التعاون النقدي الدولي ([8]).
2- 1- 3- النظام النقدي الورقي الإلزامي : مع مرور الوقت انفصل النقد الورقي عن النقد المعدني وأصبح نقدا بحد ذاته يؤدي الوظائف النقدية بشكل كامل.

وبذلك أصبحت إعادة الصلة بين النقد الورقي والذهب أمرا متعذرا ، بحيث أصبح النظام السائد في كل دول العالم هو النظام الورقي.

وخلال النصف الأول من الثلاثينات ألغيت قابلية إبدال معظم النقود الورقية ماعدا الدولار الأمريكي ، وبعد ذلك حاولت بعض الدول إعادة قابلية الإبدال لعملتها كما هو الحال بالنسبة لفرنسا وإنجلترا لكنها فشلت في ذلك واضطرت إلى إلغاء قابلية الإبدال ثانية بعد فترة قصيرة .

إن إيقاف قابلية الإبدال أتاح للدول إمكانية واسعة جدا في تنظيم التداول النقدي ، مما زاد من أهمية السياسة النقدية كوسيلة فعالة في التأثير على النشاط الاقتصادي ([9]).

2- 1- 4- الدولار الأمريكي ودوره في نظام “بريتون- وودز : في هذه الفترة من تاريخ العلاقات النقدية الدولية احتل الدولار الأمريكي دورا مميزا في النظام النقدي الدولي ، حيث أصبح الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية الأولى ، ومكونا رئيسيا من مكونات السيولة إلى جانب الذهب ، وقد وقفت وراء هذا الدور المتعاظم للدولار عوامل موضوعية وظرفية ، منها بقاء الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة نسبيا عن الآثار المدمرة للحرب العالمية الأمر الذي جعل اقتصادها وبنيتها التحتية قوية بالمقارنة مع بقية العالم خاصة أوروبا الحليفة التي دمرتها الحرب التي كانت تلجأ إلى الولايات المتحدة لإمدادها بالمساعدة الاقتصادية والعسكرية محولة إليها معظم رصيدها الذهبي ، فتجمع لدى الولايات المتحدة الأمريكية حينها أكبر رصيد ذهبي في العالم ([10]).

وفي عام 1945 بلغ الاحتياطي الذهبي الرسمي في الولايات المتحدة حوالي 60 بالمائة من الاحتياطي الذهبي الدولي بكامله في ذلك العام ، وميزان المدفوعات الأمريكي كان يحقق فائضا كبيرا ، والاقتصاد يتطور بسرعة هائلة ، كما أن التضخم قد تمت السيطرة عليه بتثبيته في حدود معقولة.

إن إعادة بناء اقتصاديات الدول الأوروبية بعد الحرب كانت تتطلب مبالغ كبيرة جدا من العملات الأجنبية وبشكل خاص الدولار ، ولقد حصلت أوروبا الغربية من مشروع مارشال الأمريكي على قسم مهم من هذه المبالغ ، وبموجب هذا المشروع حصلت 16 دولة أوروبية غربية على حوالي 17 مليار دولار، حيث 60 بالمائة من هذه المبالغ قد استعملت من قبل هذه الدول في شراء السلع والتجهيزات الأمريكية مما ساهم في تطوير الاقتصاد الأمريكي وزيادة معدلات نموه بشكل ملحوظ ، خاصة خلال سنوات تنفيذ مشروع مارشال بين عامي 1948-1951 ([11]) إن تفاقم الأزمات النقدية الدولية واشتداد الصراع على اكتساب الأسواق الخارجية لزم التفكير جديا حول إيجاد برامج وخطط لإصلاح النظام النقدي الدولي بهدف تحقيق نوع من التعاون النقدي الدولي وبالتالي خلق درجة مناسبة من الاستقرار في التعامل الدولي.

وعليه في عام 1945 اجتمع مندوب 44 دولة في (بريتون- وودز) رفي الولايات المتحدة الأمريكية بهدف وضع الأسس العامة لإقامة نظام نقدي دولي جديد.
لقد كان الدولار العملة الوحيدة القابل للإبدال بالذهب خارجيا وهو يعتبر بمثابة الأساس الذي ارتكز عليه النظام النقدي الدولي منذ عام 1944 بموجب اتفاقية بريتون وودز.
وبداية من 1945 وحتى 1971 كان الدولار قابلا للإبدال خارجيا بالذهب للسلطات الرسمية وذلك يعني أن السلطات النقدية الأجنبية الممثلة في البنوك المركزية التي يوجد لديها أرصدة بالدولارات تستطيع إبدالها بالسعر الرسمي 35 دولارا للأونسة.

إن النظام النقدي الذي نتج عن اتفاقية بريتون – وودز كان نظام الصرف بالذهب ، وحيث إن الدولار الأمريكي كان في تلك الفترة هو العملة الوحيدة القابلة للإبدال بالذهب مع توافر احتياطي ذهبي كبير جدا لدى الولايات المتحدة الأمريكية ، لذلك كان الدولار يشكل العملة الاحتياطية الاستنادية بالنسبة لبقية الدول .
إلا أنه منذ النصف الثاني من الخمسينات انتعش الاقتصاد الأوروبي وظهرت أوروبا كقوة اقتصادية مهمة منافسة للولايات المتحدة في الأسواق الدولية ، كما أن اعتماد الدول الأوروبية على السلع الأمريكية أخذ يضعفا (انخفاض وارداتها من الولايات المتحدة ) كل ذلك تسبب في انخفاض الصادرات الأمريكية بشكل عام ، والصادرات إلى هذه الدول بشكل خاص وأدى إلى ظهور العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي خلال الفترة (1958- 1960) كان هذا العجز بحدود 3 مليارات من الدولارات سنويا ، مما استدعى الفلق داخل وخارج الولايات المتحدة ، ورغم الإجراءات التي اتخذت لتخفيف هذا العجز إلا أنه بقي بحدود 2.5 مليار دولار خلال الفترة (1961- 1964)([12]).
إن أسباب ظهور بوادر الأزمة النقدية الدولية في الستينات لا تعود لمقدار العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي فقط ، بل إلى أسلوب تغطية هذا العجز، حيث إن معظم دول العالم كانت تلجأ لتغطية عجز موازين مدفوعاتها بالذهب ، أي خروج الذهب ، وهذا هو السبب الرئيسي لتجمع الاحتياطات الذهبية الدولية لدى الولايات المتحدة ، إن نظام الصرف بالذهب قد أتاح للولايات المتحدة أن تحصل على وضع خاص ومتميز للدولار في النظام النقدي الدولي الذي قام على أساس اتفاقيات بريتون – وودز، حيث إن الولايات المتحدة لم تكن تشعر بوطأة العجز في ميزان مدفوعاتها كبقية الدول ، لأن إجمالي العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي خلال الفترة (1958- 1970) كان يتم تغطية 25 بالمائة منه تقريبا بالذهب ، أما الباقي 75 بالمائة فقد كانت تجري تغطيته من خلال زيادة المديونية الأمريكية القصيرة الأجل تجاه الخارج (إصدار دولارات ورقية ) ، وهذا ما كان يتسبب في تراكم أرصدة هائلة بالدولارات لدى البنوك المركزية الأجنبية – الأوروبية خاصة.
وبذلك فإن استمرار العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي كان يقابله زيادة الاحتياطات النقدية لدى الدول الأخرى بالدولار، وبالتالي تزايد المديونية الأمريكية تجاه الدول الأخرى .
وعليه فإن تصاعد العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي أدى إلى تدهور بوادر تراجع الثقة بالدولار وبقيمته المعلنة (عند 35 دولارا لكل أونسة ذهب).
إن تزايد مديونية الولايات المتحدة القصيرة الأجل تجاه الخارج ، والتي وصلت إلى حدود كبيرة جدا خلفت الشكوك العميقة حول إمكانية السلطات النقدية الأمريكية على الوفاء بتعهداتها من حيث ضمان إبدال الدولارات التي بحوزة البنوك المركزية الأجنبية إلى الذهب.
في منتصف الستينات وجه الرئيس الفرنسي ديغول انتقادا شديدا إلى النظام النقدي الدولي الذي يقوم على الدولار ولسياسة الولايات المتحدة التي تتبعها في تغطية عجز ميزان مدفوعاتها ، وطلب من الحكومة الأمريكية إبدال الدولارات الموجودة لدى بنك فرنسا إلى ذهب وبالفعل قامت فرنسا بإبدال كمية كبيرة من الدولارات بذهب من الولايات المتحدة .
الأمر الذي دعا بعض الدول الأوروبية في نهاية الستينات إلى مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بمبادلة الأرصدة الدولية التي كانت في حوزتها إلى ذهب وكانت الولايات المتحدة في تلك الفترة قد فقدت الجزء الأكبر من رصيدها الذهبي ([13]).
وبذلك انخفضت الأرصدة الذهبية الأمريكية من 22.8 مليار دولار إلى 18.8 مليار دولار عام 1958 ([14]).

لقد أدى ذلك إلى إنزال ضربة شديدة بالدولار الأمريكي ، حيث اتخذت الولايات المتحدة في عام 1971 واحدا من أهم القرارات في التاريخ النقدي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، يفضي بإلغاء قابلية إبدال الدولار بالذهب ، وتخفيض قيمة الدولار، وقد نص هذا الفرار على ما يلي ([15]):

أ- إلغاء قابلية إبدال الدولار بالذهب ، التي كان معمولا بها قبل عام 1971 بالنسبة للهيئات الرسمية الأجنبية ، وبذلك لم يعد الدولار قابلا للإبدال بالذهب لأية جهة كانت.

ب- تخفيض قيمة الدولار بنسبة 8 بالمائة تقريبا ، ليصبح سعر الأونسة 38 دولارا ، وبذلك لم يعد هناك أية أهمية عملية للسعر الرسمي للذهب حيث إن الدولار قد أوقفت قابلية إبداله بالذهب تماما.
وهكذا أدت نتائج هذا الفرار إلى انهيار النظام النقدي الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية ، بموجب اتفاقية بريتون وودز ، والتي اعتبرت الدولار الأمريكي القابل للإبدال بالذهب أساسا للنظام النقدي الدولي.
2- 1- 5- الدولار وأسعار الصرف المرنة : إن الأرقام التي أعلنتها وزارة التجارة الأمريكية في بداية 1973 عن حالة ميزان المدفوعات كانت مخيبة لكل التوقعات خاصة فيما يتعلق بالحساب التجاري ، إذ كشف عن عجز قدره 6.8 مليار دولار مقارنة بعجز قدره 2.7 مليار دولار عام 1971 ، واتجه الهروب نحو العملات الأوروبية القوية والين الياباني، وكنتيجة لظاهرة الهروب من الدولار وتوقف الدول الأوروبية واليابان عن دعمه ، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في 13 فبراير 1973 عن تخفيض لقيمة الدولار بنسبة 10 بالمئة وزيادة القيمة الاسمية للذهب ، حيث انتقلت من 38 دولارا إلى 42.22 دولارا.
ويعتبر التخفيض الثاني لقيمة الدولار بمثابة إعلان فقدان الدولار لمكانته كنقطة ارتكاز في النظام النقدي الدولي ، كما يعتبر تخلي البلدان الأوروبية واليابان عن التزاماتهما بالتدخل في أسواق النقد لتدعيم الدولار وكذا السماح بتقويم عملاتها ، بمثابة انتهاء العمل بنظام بريتون وودز.
وعليه يمكن اعتبار نظام بريتون وودز صالحا في الظروف التي أعقبت الحرب حيث أدى نظام استقرار أسعار الصرف دورا في تحقيق الاستقرار النقدي اللازم لنمو التجارة الدولية، على عكس ما شهدته فترة الثلاثينات من تقلبات عنيفة في أسعار الصرف ، أما السبب الذي أدى إلى انهيار هذا النظام ، فيرجع إلى العجز السريع والمتنامي لميزان المدفوعات الأمريكي وإلى تضخم الأسعار الذي تصاعد بمعدلات كبيرة أثرت على حركة التبادل التجاري الدولي.
في 19 مارس 1973 اتبعت الدول نظام سعر الصرف المرن ، ففي أوائل السبعينات هبطت قيمة الدولار هبوطا كبيرا ، وقد حاولت البنوك المركزية إنفاذ نظام بريتون وودز وذلك عن طريق تخفيض قيمة الدولار، أي تخفيض قيمته الثابتة من مستوى إلى آخر، ولكن باءت هذه المحاولات بالفشل وبدا سعر الصرف المرن اعتبارا من سنة 1973 ، وقد تذبذب الدولار في مدى 10 بالمائة بين 1973 إلى 1980 ، ثم بدا تصاعده السريع إلى القمة في 1985 بمقدار حوالي 60 بالمائة أغلى من متوسط مستوى 1،80 وحتى بين 1،88- ،1،8 ، فإن الدولار قد هبط تقريبا إلى ما كانت عليه قيمته في سنة 1980([16]).

مكانة الدولار الأمريكي أمام الأورو ففي الاقتصاد العالمي:

يمكن المقارنة بين استخدام الأورو كعملة دولية وبين استخدام الدولار في الاقتصاد العالمي من خلال النقاط التالية ([17]):

أ- الدولار الأمريكي هو عملة الاحتياطي العالمي حيث تحتفظ البنوك المركزية في معظم دول العالم باحتياطات كبيرة من الدولارات الأمريكية لتلبية احتياجاتها من السلع والخدمات المستوردة ، إن احتياطات النقد الأجنبي المسعرة بالدولار تضم نحو ثلثي إجمالي العالم من الاحتياطات الرسمية بالنقد الأجنبي والجدول التالي يبين ذلك : حيث تظهر البيانات الواردة في الجدول رقم 1 ، إن احتياطات النقد الأجنبي المسعرة بالدولار تضم نحو ثلثي إجمالي العالم من الاحتياطات الرسمية بالنقد الأجنبي المعرف تكوين عملاتها.

المصادر :
[1] موقع اموال الغد : للاطلاع : اسعار العملات : https://amwalalghad.com/category/banking-services/

[2] لقمان معزوز ، شريف بودري ، المنافسة بين الدولار والاورو في ظل لا استقرار النظام النقدي الدولي ، مجلة الباحث ، ورقلة ، عدد 09/ 2011 ، ص 74.

[3] متولي عبد القادر، الاقتصاد الدولي النظرية والسياسات ، دار الفكر، الأردن ، عمان ، 2011 ، ص 242.

[4] موسى إبراهيم ، العلاقات الاقتصادية الدولية ، دار المنهل اللبناني ، لبنان ، بيروت ، 1998 ، ص 128.

[5] مروان عطوان ، النظريات النقدية ، دار البعث ، قسنطينة ، الجزائر، 1998 ، ص 128.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق