دراسات و تحقيقات

الوجه الآخر لحديقة بن ناصر العمومية بقسنطينة ..

حان الوقت لتسليط الضوء على أهمية المجال في الدراسات الحضرية

حديقة بن ناصر العمومية بوسط مدينة قسنطينة تتحول إلى رحبة لبيع الشيفون و الخردوات و “مرقد” للصّائمين

(بدلا من إعمار بيت الله في رمضان.. صائمون يفترشون الحشيش لقضاء فترة القيلولة)

ماذا بقي من عاصمة الشرق قسنطينة؟،  سؤال  وجب أن يطرح ، خاصة و طرحه يقود إلى البحث عن مفهوم الحياة  الحضرية و من يحدد لها اطرها و كيفياتها؟ و مجموع علاقاتها بالإنسان، لأنه كما يقول خبراء البيئة و علماء الإجتماع الحضري هو العنصر الساسي فيها بكل ما يحمله و ما يتمتع به من ذكاء و مهارات حتى يمكنه التغلب على متطلبات الحياة في ظل التغيرات الإجتماعية المختلفة، إن كثافة التركيز و تنوع النشاطات و انتشار النفايات و التلوث كل هذه الأمور تؤثر على حياة المدينة باشكال مختلفة، و قد حان الوقت لتسليط الضوء على أهمية المجال في الدراسات الحضرية

ما يفرق بين المدينة و الريف هو وجود المرافق العمومية و تنوعها، و منها الحدائق العمومية، و لكن مع تطور مفهوم التمدن عكملت السلطات على توفيرها حتى في الأرياف من أجل نقل الحياة الحضرية إلى سكان الريف، و القضاء على الهجرة الريفية، وهذا من شانه فك الخناق على المدن الكبرى التي تعبيش الفوضى بسبب ما تشهده من كثافة سكانية، مما أحدث ما يسمى بالتبادل بين ألإنسان و المحيط الذي يعيش فيه، و لأن الوسط الحضري  كما يقول الخبراء يخلق للإنسان مجالات كثيرة و متنوعة للتطور و التوسع و النمو ، و هذه الفرص غير متوفرة في الريف، تجده يستعمل كل الأساليب لممارة اي نشاط يضمن له قوته اليومي، حتى لو كان مخالفا للطبيعة، و مع مرور الوقت نشات ما يسمى بـ: “الرحبة”  و هذه الفضاءات عكست صورة للمدينة التي تتميز بنمط معيشي محدد الأنساق.

 و كعينة فقد حول بعض المواطنين الحدائق العمومية إلى فضاء لبيع الشيفون و الخردوات،  و منها  حديقة بن ناصر العمومية الواقعة في قلب مدينة قسنطينة التي تعرف بعض المظاهر السلبية من خلال انتشار الباعة الفوضويين للملابس القديمة ( الشيفون) و الخردوات، شوهت منظر الحديقة التي تعتبر فضاءً للراحة و الاستجمام، وأعطت صورة سيئة لها، في غياب أدنى شروط العناية بهذا المرفق من قبل المكلفين بحماية الطبيعة و البيئة رغم وجود مؤسسة مهمتها حماية البيئة، و هي دار البيئة عمار مطاطلة الكائنة بالحظيرة الحضرية باردو، و لكن لا نعلم إن كانت الدار مكلفة بحماية الحظيرة وحدها أم بالحدائق العمومية الأخرى الموزعة عبر تراب الولاية.

  فالواقف على حديقة بن ناصر التي أعيد تهيئتها منذ الوالي السابق عبد المالك بوضياف، و توقفت الأشغال لسنوات، تحولت فيها الحديقة إلى وكر للفساد و تعاطي المخدرات و الكحول، و صعب على العائلات القسنطينية دخولها و الاستمتاع بالهواء النقي خاصة في فصل الصيف،  حيث كانت مغطاة بسور ( جدار) لا يرى منها شيئا من الداخل، إلى أن تم تهيئتها في عهدة الوالي السابق نور الدين بدوي،  الذي قام بهدم السور، و دعمها ببعض المرافق ( كالكراسي، و النافورة، و مرحاض عمومي)، و قام بتهيئة مساحتها بغطاء أخضر، و أعاد لها حيويتها، مما مكن المواطن دخولها و قضاء وقت الراحة فيها ، خاصة بالنسبة للمرضى المزمنين، لكن شيئا فشيئا  عادت الفوضى إلى هذه الحديقة بعد غزوها من قبل الباعة الفوضويين الذي نشروا الألبسة القديمة ( الشيفون)  و الخردوات أرضا و عرضوها للبيع، حتى الأشجار لم تنج من الفوضى التي سببها هؤلاء التجار الذين لم يحترموا هذا الفضاء الذي يعود عليهم و أولادهم بالفائدة.

  أما بالنسبة للمنبع المائي الذي أنجز ليكون تحت تصرف زوار الحديقة،  فهو يحتاج إلى توسعة، و أمام ضيق الحوض فالمياه تتسرب خارجا، ومع تراكم المياه خارج الحوض بدأت الروائح تنبعث شيئا فشيئا، ما لفت انتباهنا كذلك في هذا الشهر الكريم أن بعض الصائمين اتخذوا من أرضية الحديقة مفرشا للنوم، بدلا من إعمار بيوت الله،  ما عرّض البساط الأخضر إلى التلف و الفساد، و رافقت هذه الظاهرة الرمي العشوائي للفضلات كما أسلفنا  آنفا ، بعدما احتل بائعو “البيتزا” بطاولاتهم بعض المساحات، فمسؤولية تدهور حدائقنا العمومية، هي  مسؤولية الجميع، و إن قلنا أن الإدارة  ( مديرية البيئة) وحدها مكلفة بحماية هذه المرافق من خلال دعم هذه الفضاءات بأعوان النظافة، و فرض الرقابة عليها، من خلال منع عمليات البيع و الشراء الفوضوية، فإن للمواطن مسؤولية كذلك في الحفاظ على هذا المرفق العمومي بعدم رمي النفايات و بقايا السجائر وقارورات المياه المعدنية و غير ذلك، و هذا يتوقف أيضا على دور الجمعيات الناشطة في مجال المحيط البيئي  لزرع الثقافة البيئية لدى المواطن، علما أن الحديقة لا تتوفر على محلات صغيرة لبيع المأكولات الخفيفة ( البيتزا)  حيث نجد البعض يأكلون و يلقون بالفضلات أرضا.

في ظل المشاكل البيئية التي تعيشها مدينة قسنطينة و غياب المرافق العمومية مثل المراحيظ العمومية سواء في وسط المدينة و عبر الطرق السريعة، و بالنظر إلى بعض المدن الكبرى في الجزائرية التي اضحت تشبهع إلى حد ما الكدن الأوروبية، يظل السؤال مطروحا: ماذا بقي من عاصمة الشرق؟،  و هذا السؤال يقود إلى البحث عن مفهوم الحياة  الحضرية و من يحدد لها اطرها و كيفياتها؟ و مجموع علاقاتها بالإنسان، لأنه كما يقول خبراء البيئة و علماء الإجتماع الحضري هو العنصر الساسي فيها بكل ما يحمله و ما يتمتع به من ذكاء و مهارات حتى يمكنه التغلب على متطلبات الحياة في ظل التغيرات الإجتماعية المختلفة، ليس مستحيل أن تكون لنا حدائق عمومية مثل التي نراها في البلدان المتقدمة و المتحضرة، خاصة في مدينة قسنطينة مهد الحضارة، و هي معروفة بنمطها الإقتصادي، بإو المقيم فيها غشباع حاجاته اليومية، فكثر الدخلاء عليها، و ارتفع عدد طلبات السكن، و أدى هذا الوضع إلى حرمان ابنائها من حقوقهم المشروعة، بعدما غزت الفوضى المدينة،

ما يمكن الإشارة إليه هو أن أن ديننا الحنيف أوصى بالنظافة و جعلها من الإيمان، فهل الذين على غير ديننا أنظف منّا نحن المسلمون؟ ، ثم أن إنشاء الحدائق فنّ وجب الإلمام به بالنسبة لقطاع البيئة ، و على عاتق مسؤوليه دور لا يستهان به ، من خلال فتح مدارس أو مراكز خاصة تكوين مختصين في إنشاء الحدائق، و أن تكون لهم رؤية استشرافية للبيئة في المدى البعيد، اي أن إنشاء الحدائق العمومية وحب لأن يكون بمقاييس عالمية حتى تحافظ هذه المرافق العمومية على جمالها  و رونقها، و هذا مطلب لا يتحقق إلا بالنظر إلى الحالة السوسيوثقاقية للمجتمع الجزائري خاصة في ظل الترحيلات للسكان التي تشهدها مدينة قسنطينة من مختلف الأحياء،  الشعبية منها و القصديرية، لاسيما و الحياة في هذه الأحياء تختلف من حيٍّ لآخر، أين يلتقي فيه المنحرف مع الملتزم، و الجاهل مع المثقف، مثلما نشهده حاليا في المدينة الجديدة علي منجلي و ماسينيسا ( كنموذج) و تعدد الجرائم التي تقع باستمرار، كل هذه المسائل وجب التركيز عليها في مسالة الحياة الحضرية، لأن المدينة من وجهة نظر علماء الإجتماع لا تعني فقط مقرات و إدارات، و إنما الإنسان ة ما يتمتع به من استعدادات للتكيف مع الحركة المستمرة التي تعرفها الحياة الحضرية، ما يجعل السكان يخضعون لهذه الحركة و ما يكسبهم من سمات مثل الثقافة و نوع السكن و كل المشكلات التي لها علاقة بمسألة التحضر.علجية عيش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق