أحوال عربية رأي

الميتادور نتنياهو يلوح للثور ترامب

US President Donald Trump and Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu shake hands in Jerusalem, Monday, May 22, 2017. (AP Photo/Ariel Schalit)

تميم منصور
ـــــــــــــ
عندما وجه أحد رموز العنصرية العالمية في عصرنا هذا بنيامين نتنياهو أشد انتقاداته الى وكالة غوث اللاجئين – الاونروا – كان يعرف أين يوجه سهامه السامة ، ولكن لماذا الى هذه المنظمة بالذات ؟!
لقد ادعى أن استمرار هذه المنظمة بالوجود والعمل في خدمة اللاجئين الفلسطينيين ، يعني يُعتبر بالنسبة للصهيونية عامة وإسرائيل بشكل خاص لعنة دائمة ، ادعى نتنياهو ان استمرار نشاط ووجود هذه المنظمة سيبقى يُذكر الفلسطينيين ، خاصة الأجيال التي تلت جيل النكبة بالجريمة التي ارتكبتها الحركة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني ، وان هذه الأجيال لا تزال تجلس فوق حقائب حق العودة ، من هنا فإن نتنياهو طالب وبإلحاح تجفيف موارد هذه المنظمة المالية ، كي تختفي من الوجود ، وبما أن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب يتصرف بالنسبة لإسرائيل كالثور الهائج في حلبة المصارعة ، وأنه يعتبرها قطعة القماش الحمراء التي يحملها نصارع الثيران – الميتادور – ، فأي كلمة أو حركة أو خدمة لمصلحتها تجعله يثور الى درجة الجنون ، فقد اعتبر ترامب مطالب نتنياهو بالنسبة لوكالة الغوث اللاجئين قطعة القماش الحمراء الذي جعله يفقد صوابه ، وسارع الى المطالبة بوقف نشاط وعمل هذه المنظمة ، دون أي اعتبار للخدمات الإنسانية التي قدمتها ولا تزال تقدمها لكل شعب مغلوب على أمره ، وفي مقدمة هذه الشعوب الشعب الفلسطيني المنكوب .
وعندما رفض العالم بأكمله مطالب نتنياهو ، ومطالب ترامب بوضع حد لنشاط وعمل وكالة الغوث ، قرر ميتادور إسرائيل السياسي ترامب ، وقف الدعم الأمريكي لهذه المنظمة ، على أمل أن تعلن افلاسها ، وتتوقف عن العمل وترضى إسرائيل ، ، لأن ترامب شبه الاونروا كالحشرة الطنانة التي لا يتوقف طنينها داخل أذن كل إسرائيلي ، مع ذلك فان حقد نتنياهو وترامب على الاونروا لا ينبع من تشويش طنينها ، ولا من كونها احدى ثوابت النكبة وشاهد عليها ، واحدى أوجه هذه النكبة .
سبب هذا الحقد أيضاً يعود الى دور هذه المنظمة في المحافظة على ذاكرة الشعب الفلسطيني ، ومساعدتها له على التصميم على حق العودة ، لأن هذه المنظمة أقيمت بعد أن قبل اقتراح الوسيط الدولي ” الكونت برنادوت ” الذي اغتالته منظمة ” ليحي ” الإرهابية عام 1949 بوجوب عودة اللاجئين ، وعندما رفضت إسرائيل هذا القرار ، قررت الأمم المتحدة إقامة وكالة غوث اللاجئين كي تقدم الحد الأدنى من الدعم الإنساني لمئات الألوف من اللاجئين ، كما ساهمت باعتراف عدد الدارسين الفلسطينيين بالمحافظة على الارتباط والتواصل بين اللجوء والهوية الفلسطينية .
اعترفت الباحثة الإسرائيلية ” مايه روز نفيلد ” من خلال البحث الذي أجرته عام 1990 حول دور الاونروا في تبني والأخذ بظاهرة رغبة الفلسطينيين في التعويض عن الوطن الذي حرموا منه ، باللجوء الى مقاعد الدراسة ، في كل مكان وصلوا اليه ، خاصة في مخيمات اللاجئين والقرى والمدن الفلسطينية .
تقول الباحثة ” مايه روز نفيلد ” بأنها أجرت دراسة داخل مخيم الدهيشة الفلسطيني القريب من مدينة بيت لحم ، لاحظت خلال دراستها أن البيوت التي يقيم فيها اللاجئين داخل المخيم غير متشابهة ، واتضح أنه يوجد بيوت صغيرة متواضعة ، أقامتها وكالة الغوث الاونروا في بداية الخمسينات من القرن الماضي ، كي تأوي اللاجئين الذين شردوا من مدنهم وقراهم ، وأصبح الاسم الدارج لهذه البيوت بيوت الوكالة .
اما النوع الثاني من بيوت السكن في المخيم المذكور ، فهي أكثر حداثة واتساعاً ، تتكون غالبيتها من طابقين أو ثلاثة طوابق ، وكشفت في بحثها أن البيوت الصغيرة المتواضعة وما تم عليها من بعض الإضافات تابعة لمواطنين يعملون داخل إسرائيل ، في النظافة وأعمال البناء ، أما البيوت الأكثر حداثة ، فتتبع للعائلات التي يعمل عدداً من أفرادها في التدريس في السعودية وبعض الدول الخليجية ، خاصة الكويت .
واتضح من خلال البحث ان ما يقارب من80% من المعلمات اللاتي يعملن في مدارس السعودية فلسطينيات ، والفضل في وصولهن الى هذه المهنة يعود الى منظمة الاونروا ومما هو جدير بالذكر اعتماداً على الكثير من المعطيات أن منظمة الاونروا عملت ثورة تعليمية بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين ، لأن الفلسطيني يرى بالتعليم ضرورة من ضروريات الحياة ، تحتل الأولويات في حياته ، لأن التعليم مهنة لها مكانتها بين الشعوب العربية ، تدعى الباحثة ” مايه روزنفيلد ” بأن هذه الثورة في حقل التعليم خففت بعض الشيء من آلام وجرح النكبة التي لا زالت تنزف حتى يومنا هذا .
كان الشعب الفلسطيني سباقاً في هذا المجال ، حتى أن البعض جاز له أن يطلق لقب ” اللاجئون المثقفون ” اعترفوا ان الفضل يعود في النهضة التعليمية في الأردن في سنوات الخمسين والستين وما بعدها ، يعود الى الفلسطينيين لقد فتحوا المدارس في مضارب البدو في الأردن ، كما فتحوها في السعودية والكويت ودول الخليج الأخرى ، وفي الجزائر بعد الاستقلال .
لقد تخطى الشعب الفلسطيني حواجز الأمية بفضل الاونروا ، لم تحلم بهذه القفزة النوعية اية دولة عربية ، أو ايه دولة في آسيا وافريقيا .
تشير الباحثة المذكورة ان مطالبة نتنياهو وترامب بوقف نشاط هذه المنظمة هي نوع الانتقام من هذه المنظمة ، التي ساعدت في منع الشعب الفلسطيني من الاندثار ، بفضل التحصيل العلمي الذي حصل عليه .
ان تاريخ إقامة وكالة غوث اللاجئين الاونروا ، وما قدمته من خدمات حتى اليوم ، فيه تباين وتناقض بين موقف أمريكا السابق من هذه المنظمة وموقف الرئيس الأمريكي الحالي ، فامريكا نفسها ساعدت في إقامة هذه المنظمة ، حتى تخفف من الضغط العالمي على إسرائيل بعد ان رفضت إعادة اللاجئين الى مدنهم وقراهم ، كانت أمريكا الممول الرئيسي لهذه المنظمة ، ليس شفقة أو محبة بالفلسطينيين ، الأسباب التي دفعتها أيضاً لتمويل منظمة الاونروا ، خشيتها من استغلال الأحزاب الشيوعية في المنطقة وخارجها للكارثة لتي حلت بالشعب الفلسطيني كما تدعى ، فالفقر والجوع يساعد على نش الفكر الشيوعي بين شرائح اللاجئين الفلسطينيين أينما تواجدوا .
ان أمريكا اعتبرت أو رأت بالاونروا واقامتها ودعمها حاجزا يمنع انتشار الفكر الشيوعي بين الفلسطينيين ، خاصة اللاجئين في سوريا ولبنان والأردن وأماكن أخرى ، هذا ما كان يقلق أمريكا ، وهذا يذكرنا بالاحلاف التي اقامتها أمريكا وحليفاتها في الشرق الأوسط لمحاربة الشيوعية مثل حلف بغداد الذي أقيم عام 1955 وحلف جنوب شرق آسيا .
في سنوات عمل الاونروا الأولى ، قدمت الخدمات الإنسانية لللاجئين ، اقامت أيضاً عشرات المخيمات لللاجئين لايوائهم ، في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة ، وقي سوريا ولبنا ن، اقامت داخل هذه المخيمات العيادات الطبية والمدارس في كل مخيم ، كما قامت بتزويد اللاجئين بالمواد الغذائية الأساسية ، بما فيها الحليب للأطفال ، لكن هذه المواد الغذائية لم تكن كافية ، وقد اعترف رئيس الاونروا الدكتور ” جوهان ديفيس ” بأن هذه المنظمة بطيئة في خدماتها وليس باستطاعتها ان تكون السقف الذي يحمي اللاجئين من الهلاك ، لذلك قرر بين عامي 1959-1960 تحويل هذه المنظمة من منظمة للإغاثة الى منظمة هدفها الأول التقدم العلمي للأجئين ، لأن ديفيس آمن بأن أفضل ضمان لمستقبل أبناء اللاجئين هو تسليحهم بالعلم وتعليمهم المهن المواتية للعصر