دراسات و تحقيقاتفي الواجهة

المواطن البسيط ينظر لمظومة الفساد وكأنها منظومة اقتصادية اجتماعية دقيقة ومنظمة ــ حقيقة الفساد في الادارات وبنية الدولة

التطوير الإستراتيجي لمنظومة الفساد .. درجات ومستويات الفساد

مصطفى فؤاد عبيد

يمكن تشبيه عمليات بناء النظم والهياكل الإدارية والإدارة العامة في العقود السابقة وكأنها كانت أقرب ما تكون لعمليات بناء البيوت الأرضية البسيطة، الطينية والخشبية أو حتى الإسمنتية، التي يمكنها أن تتحمل وجود الأخطاء الهندسية والفنية ومخالفة شروط السلامة والأمان بشكل عام، وذلك من حيث سوء التخطيط واتخاذ القرارات وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وسوء الإدارة بوجه عام، باعتبار أن مثل تلك الأخطاء وسوء البناء لا تُشكل خطر حقيقي يهدد سكان مثل تلك البيوت، ويمكن تصحيحها وقت اللزوم عند ظهور الخلل، أو في أسوأ الأحوال يكون بإمكان سكانها مغادرتها بسهولة ويُسر عندما تصبح المعيشة فيها أمراً يهدد سلامتهم.

أما في هذا العصر، العجيب، فإنه يمكن تشبيه بناء النظم والهياكل الإدارية وأسلوب الإدارة الحكومية نفسه، بل وربما بناء وإدارة الأوطان برمتها، وكأنه أشبه ما يكون بعملية بناء الأبراج الشاهقة متعددة السكّان وترتفع عن الأرض بشكل رأسي، مركب ومتشعب، والتي تتطلب إتقان العمل من جميع النواحي، كحُسن التخطيط الهندسي للبناء وتوزيع الأعمدة الخرسانية بالشكل الصحيح واختيار مواد البناء الأساسية المناسبة، وذلك من منطلق الحرص على حياة جميع القاطنين فيها بلا استثناء، بمن فيهم من قاموا بالبناء أصلاً.

ويمكن والحالة هذه تشبيه ما يحدث من فساد إداري في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، سواء من حيث سوء التخطيط وارتكاب الأخطاء الإدارية أو من حيث سوء الإدارة وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب والفساد الإداري بشكل عام، وكأنه مثل سوء التخطيط الهندسي الذي يعتمد عليه بناء تلك الأبراج أو الغش في الخرسانة المسلحة وعدم مطابقتها للمواصفات القياسية التي تستطيع تحمل ثقل البناء الشاهق وتشعباته، أو في أسوأ الأحوال استخدام الطين الهش في البناء بدلاً من الخرسانة!. ولنا أن نتخيل كيف يمكن لمثل تلك الأبراج أن تتحول في لحظة واحدة إلى كومة من الركام عندما تتعرض لهزة أرضية خفيفة.

والحل الأمثل للفاسدين، الذين يتطلعون للحماية الإستراتيجية لهم ولمصالحهم، ويرغبون بالاستمرار في تغذية وتدعيم منظومة الفساد التي يعتاشون منها وينفس الوقت يضمنون قدرتهم على الفرار بالوقت المناسب، هو أن يقوموا بتأسيس شبكة مخارج الطوارئ في تلك الأبراج بطريقة تناسب وجودهم فيها بحيث تضمن لهم سرعة الهروب منها لحظة الانهيار، كأن تكون ملاصقة لمداخل ومخارج الشقق التي يختارونها أو حتى تتواجد بداخلها وترتبط بها من خلال أبواب سرية، الأمر الذي سوف يجعلهم يطمئنون لنجاتهم رغم سوء البناء الذي يتسببون به، وربما يبدأون بالتفكير في سبل جديدة لتطوير منظومة الفساد وتعزيزها بالشكل الذي يعجِّل من انهيار البرج طالما توفرت قدرتهم على الفرار السريع بالغنائم التي بحوذتهم.

ويقتضي الإنصاف هنا أن نُذكِر المواطن الصالح والبسيط، الذي لا حول له ولا قوة ويسكن مثل تلك الأبراج، الهشة، لكي ينجو بنفسه هو الآخر، أن يختار موقع السكن المناسب بحيث يكون قريباً بقدر الإمكان لمخارج الطوارئ، بل وبشكل أكثر دقة يمكن القول بأنه ينبغي أن تتناسب المسافة الفاصلة بين باب شقته وأقرب مخرج للطوارئ عكسياً مع مقدار الفساد المستشري في البرج الذي يسكنه!، كما يمكنه اختيار الطريقة الأقوم، والأضمن، ويمنع وجود خطر انهيار البرج أصلاً من خلال إلغاء استخدام مخارج الطوارئ فيه وحذفها من المخططات الهندسية منذ البداية، الأمر الذي قد يجعل من كل ساكنيه، بمن فيهم الفاسدين أنفسهم، يعملون كل ما في وسعهم لضمان حُسن البناء والإدارة المُثلى التي تضمن صلابة البرج وتجعله قادر على احتمال أقوى الزلازل.

 

 

بالرغم من أن انتشار الفساد الإداري في المؤسسات العامة أو حتى الخاصة في المجتمعات النامية حتى أصبحت مسألة روتينية اعتيادية يشارك فيها ويغذيها جزء كبير من الأفراد في تلك المجتمعات وتسبب الأرق والإحباط للغالبية العظمى من المواطنين الشرفاء فيه، ذلك الإحباط الذي قد يساهم في إضعاف منظومة الاقتصاد والإنتاج بكافة الأشكال وبطريقة تسبب خسائر تقدر بأضعاف ما يتم خسارته نتيجة الفساد نفسه، إلاّ أن التحرك الجماهيري الذي قد يصل إلى حد الثورة ضد الفساد لا يظهر إلاّ إذا توفرت سمة خفية تتواجد في الفساد القائم فعلاً، سمة تجعلهم أكثر رغبة في إنهاء الفساد واجتثاثه من المجتمع، فهي مؤثرة في نفس المواطنين للدرجة التي تصبح وكأنها هي القشة التي قسمت ظهر البعير، ألا وهي الخروج عن حجم الفساد المألوف والمقبول اقتصادياً واجتماعياً بالمقادير والدرجات التي تتناسب مع موقع وحجم كل فاسد في المجتمع!

فالمواطن البسيط ينظر لمظومة الفساد وكأنها منظومة اقتصادية اجتماعية دقيقة ومنظمة ويجب أن تكون منصفة لكل فئات وشرائح الفاسدين، وهو يؤمن بأن الناس درجات وأنه لا يجب أن يتعدى طموح الفاسد حجمه الطبيعي أو درجته على السلم الوظيفي في المجتمع الإداري، فشرطي المرور، مثلاً، له تسعيرة، محددة بسقف أعلى، لتمرير مخالفة الوقوف في الممنوع والمواطن قد يقبل بدفعها طوعاً لأنه يشعر به وبحاجته، بشرط أن لا تتعدى تلك التسعيرة السقف المحدد لها، وهكذا لكل فئة أو درجة من الفاسدين، هناك دوما حداً أعلى مسموح به يتناسب مع درجات كل منهم ومواقعهم الوظيفية، فكلما ارتفعت درجة الفاسد يحق له المزيد، ولا يجوز، بنظر المواطن البسيط، أن يتعدى الفساد الحدود العليا لكل درجة أو مستوى إداري.

والحل الأمثل لتطوير منظومة الفساد والحفاظ عليها من المخاطر التي تهدد وجودها ولضمان استدامتها في المجتمع دون إثارة الرأي العام، الذي يسمح بوجود الفساد بحسب درجات معينة وحدود عليا تتناسب مع حجم كل فاسد، هي أن يتم إعادة هندسة وتخطيط منظومة الفساد لتكون منصفة وعادلة من منظور اجتماعي اقتصادي، وتتناغم وتتوافق مع ما يؤمن به المواطن البسيط حسابياً، بحيث يتم التعميم على الفاسدين، سراً، بعدم تخطي حدود الفساد المسموحة والمعقولة، ليس حرصاً على المال العام وإنما حرصاً على استمرارية منظومة الفساد برمتها وعدم إثارة الرأي العام ضدها ومن ثم الإقدام على اجتثاثها، وهناك أمثلة كثيرة على تخطي الحدود العليا لدرجات الفساد لكل الدرجات، كأن يتم توريث منصب الإدارة لابن المدير، بخاصة إذا كان سنه صغير نسبياً مقارنة مع غيره من المستحقين، أو حتى الطامحين، لتلك المناصب، فهذا أمر مُثير وقد لا تُحمد عقباه في مثل تلك المجتمعات التي تتغاضى عن الفساد عندما يكون وفق درجات محددة ومعقولة ومقبولة اجتماعياً، أو على أقل تقدير غير ظاهر للعيان!

ولكي تكتمل أركان هذه المقالة، المعنونة بطريقة صحفية استفزازية جاذبة، والقابلة للانتشار ربما بشكل أكبر مما لو كانت بعنوان مختلف وطريقة سرد أكثر تعبيراً عن مضمونها، فإنه يقتضي الإنصاف أن نهمس للمواطن البسيط وللحكومات والسلطات والقادة الشرفاء الذين ارهقتهم منظومة الفساد في مجتمعاتهم ولم يجدوا حلاً جذرياً لها أو طريقة مضمونة لاجتثاثها، أنه يمكن التغلب عليها من خلال الوصفة السحرية التي تؤدي لخلخلة وإفساد عدالتها الاقتصادية الاجتماعية المحافظة على وجودها، وهي أن يتم سن وإقرار وتطبيق القوانين واللوائح بطريقة معاكسة لتلك العدالة، بحيث تمكّن تلك القوانين موظف أي درجة إدارية من الحصول على مكافأة مالية وإدارية عندما يساهم في كشف جريمة فساد معينة في موقع عمله، إضافة لتوفير الحماية القانونية له، كما ينبغي أن تكون تلك المكافأة أكبر من التي يمكن أن يحصل عليها موظف في درجة أعلى منه عند كشفه لنفس الجريمة، الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى تجييش كل الموظفين ليكونوا ضد الفساد بشكل أو بآخر من بداية السلم الوظيفي في أية مؤسسة حفاظاً على المال العام الذي سيكون لهم نصيباً فيه وفق هذه الوصفة.

يبقى أن نتوقع لهذه الوصفة أن تعيد تصحيح ثقافة المجتمع بأكمله، والذي ظل يتغاضى عن الفساد طالما أنه مُنصف من منظور اقتصادي اجتماعي، كما أنها ستجعله يعيد النظر في احترامه وتقديره لصغار الموظفين والمرؤوسين من ذوي التسعيرة المحددة بالسقف الأعلى، والذين سيمتلكون عندئذٍ زمام الأمور ويصبحون سبّاقين لكشف أية جرائم فساد قبل غيرهم من زملائهم أو رؤسائهم من المستويات الإدارية الأعلى، ومن ثم يكسبون احترام المجتمع إضافة لكسبهم المال الحلال الذي سيفوق الحد الأعلى المقرر لهم في حالة تغاضيهم عن تلك الجرائم، ويتم اجتثاث منظومة الفساد من جذورها تدريجياً وتأخذ العدالة مجراها ولكن هذه المرة من منظور اقتصادي اجتماعي وقانوني وأخلاقي بحق الدولة والموظف والمجتمع برمته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق