أمن وإستراتيجية

المخابرات وصناعة القرار في الدول

بشير الوندي
———–

لا يعرف أغلب غير المتخصصين أن رئيس الدولة أو رئيس الحكومة او قائد الجيش لا يكنه أن يتخذ اي قرار مهما كان بسيطا دون ان يوضع أمامه تقرير مخابرات يتصمن كل ما يتعلق بهذا القرار.
القرار في أبسط تعريفاته الادارية هو مسار يستجيب لقضية ملحة تستوجب مواجهتها سواء يؤدي القرار لحلها او الرضوخ لمتطلباتها وضغوطها , وفي كل الاحوال فان اي قرار سيؤدي الى آثار لاتقف عند حدود متخذيه , فأي قرار هو في جوهره تحديد للخطوات العملية لخدمة هدف ما .
ولأن كثيرا ما تسبب القرارات الحكومية في فشل وسقوط النظام او انهيار او تنقلب الى تهديد او تحديات , لذا فإن الكثير من الجهد الاستخباري يذهب لصناعة القرارات الامنية والعسكرية وتكون صناعة القرار احد أهم مخرجات الاجهزة الاستخبارية , فتسعى الاستخبارات جاهدة للإمساك بالقرار او التدخل في صناعته.
ومن هنا فان للاجهزة الاستخبارية دور هام كما سنرى في مراحل صنع القرار وفي صدوره وفيما يترتب من آثار على صدوره , وبالطبع فان الحديث هنا يتعلق بالقرارات الهامة والمصيرية والتي لها مابعدها.

يعتقد البعض ان تدخل الاستخبارات في صناعة القرار الحكومي الاستراتيجي او التكتيكي الهام تكون اكبر واكثر في الانظمة الدكتاتورية , والواقع ان الانظمة الدكتاتورية اقل حاجة للاستخبارات لصناعة القرار , بينما تعتمد النظم الديمقراطية على الاستخبارات اكثر في صناعة القرار .
فالسلطة الحاكمة في الانظمة الديموقراطية تُكثر من استخدام الاستخبارات لإقناع المؤسسات الرقابية في البلد واخافتها لتؤيد القرارات بينما لاتهتم الانظمة الشمولية بالرقابة ولا بالمعارضة (بل لاتسمح بوجودهما الا بنمط شكلي) , لذا تكون صناعة القرار فيها مرتبطة بالمزاجيات الدكتاتورية للحاكم او الجماعة او الحزب.

ادارة اتخاذ القرارات

بالرغم من اجتهادات علماء الادارة في تحديد مراحل صنع القرار , الا ان هنالك شكل عام لايُختلف عليه , فأي قرار سيكون ضرورياً لحل مشكلة ما , مما يعني ان الأمر يبدأ بتحديد المشكلة وجمع المعلومات الكافية حولها , ومن ثم تحليلها وتقويمها , ثم لابد بعد ذلك يتم وضع المعايير أو المقاييس التي بها سوف يتم تقويم الحل أو وزنه كحل مقبول وكاف للحاجة , وفي النهاية تتم صياغة الحل (القرار) واستقراء آثاره وردود الافعال عنه .
إن عملية صنع القرار هي عملية مركبة تتضمن العديد من المراحل ضمن معطيات واضحة لابد من مراعاتها من قبل صناع القرار ، كما يتضمن العديد من الخيارات التي يستلزم تقييمها عمليات عقلية عميقة , ومن العوامل التي تتأثر بها صناعة القرار هي :
1- اهمية القرار ومدى ضرورته .
2- جدوى القرار في تحقيق المرجو منه , وهل سيتكفل بحل المشكلة .
3- العوامل الخارجية .
4- انسجام القرار مع البيئة الداخلية للمجتمع.
5- توقيت اتخاذ القرار.
6- مدى انسجام القرار مع الأهداف العامة للقيادة.
7- البدائل عن القرار .
8- الضغوط التي يقع تحتها متخذ القرار.
9- ردود الافعال التي ستنتج من اصدار القرار.
10- توافر المعلومات لمتخذي القرار
11- حاجة القرار للتمهيد او لبالونات الاختبار او الصدمة المفاجئة .

بالرغم من إن توافر المعلومات هي من اهم عوامل صناعة القرار الآنفة الذكر , الا ان نظرة دقيقة للنقاط الاحدى عشر آنفة الذكر يجعلنا نتيقن من انها بمجموعها من صلب العمل المنوط بالاجهزة الاستخبارية , والحديث هنا بالطبع يكون عن القرارات المصيرية .
فبالرغم من ان أهمية اي قرار تتخذه السلطة وتقدير مدى ضرورته هو امر منوط بالجهاز الحكومي والمستشارين , الا ان تقدير تلك الاهمية وتلك الضرورة الحتمية يتطلبان تقدير العواقب الامنية المترتبة على القرار .
فحين تتخذ الحكومة قرار بتعويم العملة او زيادة الاسعار , فان الخبراء الاقتصاديون يدرسون النتائج الاقتصادية على المواطنين والتضخم ومعدلات النمو وميزان المدفوعات وفوائد ومضار القرار اقتصادياً , الا ان الجهاز الاستخباري هو المعني بآثار القرار .
فحين اتخذ الرئيس المصري الراحل السادات قرار رفع الدعم عن السلع الاساسية , فانه اعتمد على اداريين واقتصاديين , الا ان ماحصل بسبب القرار من ثورة للجياع سميت بإنتفاضة 17- 18 يناير والتي ادت الى فوضى امنية خطيرة , فإن القرار الاقتصادي اصبح اثراً بعد حين وادى الى تراجع الحكومة عن القرار وصار كل همها الاختباء وراء الاجهزة الاستخبارية والامنية لانقاذها من ورطة وتبعات قرارها , ولو كانت قد استشارتهم في قرارها لنصحوها بالاثار المدمرة على البلاد , وهو نموذج عن الآثار السلبية لإستبعاد الاجهزة الاستخبارية في اتخاذ القرارات الحاسمة , وذات الامر ينطبق على القرارات الاستراتيجية بكافة اشكالها كقرارات الحرب والقرارات السياسية وغيرها.
كما ان جدوى اي قرار استراتيجي والعوامل الداخلية والخارجية المتعلقة بأي قرار ومدى انسجام القرار مع الأهداف العامة للقيادة وتوقيتات اتخاذ القرار وامكانية البحث عن أية بدائل عن القرار هي الاخرى من صلب العمل الاستخباري .
فأي قرار عسكري لإعلان حرب مثلاً يتطلب دراسات استخبارية وافية للعوامل الخارجية والداخلية للبلاد والنتائج المرجوة من هذا القرار واختيار ساعة الصفر , ففي حرب 73 , كانت ساعة الصفر موضوع جدل كبير بين المخابرات الحربية في مصر وسوريا لأن المخابرات السورية اعترضت على ساعة الصفر التي تتم بها الضربة الجوية , حيث كان وجه الاعتراض ان الشمس ستمنع الطيار السوري حيث ستكون في مواجهته ممن يؤثر عليه على عكس الطيار المصري .
وكذلك فان الاجهزة الاستخبارية تستنفر عقولها حين تجد ان السلطة مضطرة لاتخاذ قرارات تحت الضغط , ذلك ان مثل هذه الحالات تتطلب التهيؤ الكامل للمخاطر وان يزداد اعتماد السلطة على الاجهزة الاستخبارية كي تقلل نتائج قراراتها التي تجبر عليها .
اما قياس ردود الافعال المحتملة للشعب وللعالم تجاه القرارات الاستراتيجية الهامة قبيل اصدارها , فانها من صلب عمل الاجهزة الاستخبارية التي تدرسها بشكل دقيق وتتعامل مع كل حالة على حدة , فبعض القرارات تحتاج قبيل اصدارها الى اختبارات وبالونات اختبار لقياس تأثيراتها وللتنفيس عن طاقة الغضب تجاهها .
فيما تحتاج قرارات اخرى الى عكس ذلك , كالحاجة الى اعتماد خطوات تؤدي الى الحفاظ على سرية وصدمة القرار السيادي كقرارات التأميم وقرارات اعلان الحرب والقرارات المالية الخطيرة كتعويم العملة او رفع الدعم عن السلع وغيرها .
وقبل كل تلك العوامل والمعطيات , فإن القرارات الهامة للدولة تحتاج اول ماتحتاج الى الاحاطة الكاملة بالموضوع بشكل محدّث وبمعلومات تتيح لسلطة القرار دراسة الموضوع , ولاحاجة الى القول الى ان العمل المعلوماتي هو عمل استخباري بالاساس .
ان ما اوردناه يؤدي بنا الى استنتاج اساسي مفاده الى ان الدور الاستخباري هو دور اساسي ومفصلي في اتخاذ القرار الحكومي الاستراتيجي او التكتيكي العام , وان اهمال مثل هذا الدور يؤدي الى كوارث امنية واجتماعية وسياسية للبلاد .

ان الجهد الاستخباري يفضي الى الاستعداد للخطر والانذار والتأهب والمعالجات والانتشار وفي استبدال الخطط وبناء القوة والفعل وردة الفعل والتصعيد والتهدئة , وعلى رأس تلك الجهود هي جهود صناعة القرار , كما ان الاستخبارات هي ركن اساسي في عملية صنع القرار فجميع مخرجات الاستخبارات المحترفة تذهب لزيادة المعرفة وصناعة القرارات الصحيحة , فالاستخبارات جهاز يتعامل مع المعلومات وعليه ان ينتج من الاخبار والمعلومات مخرجات تبين نشاط وعمل الجهاز الاستخباري وتطابق بين اهدافه والمتحقق منها , والله الموفق.