أمن وإستراتيجية

المخابرات وصناعة الحدث

بشير الوندي

مهمة الجهاز الاستخباري جمع المعلومات بكل الطرق وتحليلها وغربلتها من الاكاذيب والتضخيم , ومن ثم وضعها في اطارها واعادة انتاجها بعد التمحيص والاستنتاج, الا ان هنالك مهمة اصبحت جوهرية في العمل الاستخباري الا وهو انتاج المعلومات الكاذبة واستخدامها في مجالات لاحصر لها في صنع الاحداث والمساهمة فيها من خلال عمليات سرية ومعقدة لتبدو وكأنها احداث حدثت بشكل طبيعي , وبالمقابل تقوم الاجهزة المكافحة للعدو بعملية المراقبة وتحليل الفعل الحادث لتعرف لماذا تم ذلك ومن وراءه .

صناعة داخلية وخارجية

ان اسلوب صناعة الازمة او الحدث هو اسلوب استخباري تستخدمه الاجهزة الاستخبارية سواء ضد شعوبها او ضد البلد المستهدف , ويتم الامر من خلال التلاعب بالحقائق والاصطلاحات والشعارات , ولايقتصرمفهوم الازمات وصناعة الافكار والاحداث على المنظومات الاستخبارية وانما تعداه الى القوى السياسية والآيديولوجيات من قبيل الرأسمالية “المؤمنة” والاشتراكية “الكافرة”, وغير ذلك .
ومن اجل الاستعداد لإحداث الازمات , تهتم العديد من وكالات الامن القومي واجهزة الاستخبارات لإنشاء بيانات وقواعد لدراسة افتعال الازمات لمعرفة الاحداث لكل البلدان التي تستهدفها لاستخدامها عند الحاجة .
ولاتقف صناعة الاحداث على يد الدوائر الاستخبارية عند حد البلد العدو , فقد تطال بلد العدو او قد يتم صنعها للاستهلاك المحلي لترويض الشعوب ودفعها لخيارات محددة مرسومة ضمن مايعرف بسايكولوجية الجماهير وحقل ديناميكية الجماعة لتشكيل الرأي العام والتحكم به .
وتكمن الفائدة من صناعة الاحداث خارجياً في عدة امور منها اشغال الراي العام العالمي , توجية اتهام للحكومات , انتاح ردود افعال , اشغال الخصوم , رسائل سياسية , اختبار النسيج الاجتماعي , التنفيس عن المجتمع , الاخلال بالتحالفات , وضرب النسيج الاجتماعي والثوابت الدينية , الاستعداد للحرب وتصل نتائجه الى حد اسقاط حكومات.
اما داخلياً فتكون من ضمن الاهداف اشغال الشعب من اجل تمرير قرارات , ولخلق مناخ شعبي داعم , وللتغطية على نقاط ضعف ومشاكل , ومبررات اقتصادية , واهداف انتخابية , في الانظمة الدكتاتورية يتم الاهتمام كثيرا بالحدث الداخلي فيتبنى جهاز استخباري التلاعب بعقول الناس وينتج اشاعات ونكت وقصص وهمية بعضها للتنفيس عن مداخل الناس او لتمجيد الحاكم او لاخافة الناس.
ومن ثم فان صناعة الحدث او دعم حدث ما , صارت من صلب العمل الاستخباري المعاصر واصبحت له ادوات وميزانيات ضخمة لما لها من نتائج هائلة لقدرتها ان تنتج تغييرات مطلوبة وتحقق اهدافاً تفشل في تحقيقها الدبابات والمدافع خارجياً , او القمع والسجون داخلياً.

طرق صناعة الحدث

هنالك انواع لاتحصى من الاشكال والطرق التي تعتمدها الاستخبارات في صناعة الحدث الاستخباري , منها الشائعات وصنع البلبلة وتزوير العملة وضرب الاقتصاد ونشر المخدرات وصناعة العدو الوهمي والاخبار الكاذبة ونشر الفضائح والوثائق , فبتلك الوسائل يسهل ترسيخ قناعات غير صحيحة تجعل الجبان بطلاً والأمي عبقرياً والمجرم شريفاً والفاسد نزيهاً والعميل لها وطنياً , وبالمقابل يجري تسقيط كافة الرموز البطولية والوطنية والدينية والثقافية التي لاتخدم مخطط الحدث الاستخباري , وكل ذلك يتم عبر استغلال اي حدث سياسي او تجاري او اقتصادي او ديني او اجتماعي او رياضي او ثقافي , بشكل كبير.
كما ان من اساليب صنع الحدث , السيطرة على العقل الجمعي الشعبي وتوجيهه والتركيز على المشاعر وعواطف الجمهور والشعوب واستثمار احداث معينة فيها جنبة من الحقيقة وتضخيمها وتكبيرها وتعميمها وتكرار نشرها , ففي التعميم مثلاً ترى جهاز استخباري يبث اشرطة لمعمم لاقيمة علمية له ويستغل طروحاته الشاذة ليعممها على كل رجال الدين ليوصل نتيجة ان المتدينون جهلة من خلال بروبوغاندا اعلامية ضخمة تسقط قيم الدين وتزعزع احترامه .
ومن ضمن طرق صناعة الحدث في بلد العدو التدخل في الانتخابات سواء بالتزوير او بالدعم ,واغتيالات وتفحيرات ويصل الامر الى صناعة احزاب وصحف وقنوات , واغراء الطبقة المثقفة المهمشة من خلال دعم ابداعاتها وعمل منتديات وجوائز لها وعمل برامج ثقافية ظاهرها بريء , كبرنامج لدعم حقوق الانسان او برنامج فولبرايت , وغيرها من البرامج الضخمة والمكلفة من اجل صنع عملاء جاهزون لدعم الحدث الاستخباري المفتعل حين انطلاقه.
ولعل من ابرز طرق صنع الاحداث الاستخبارية هي التغييرات الناعمة والصامتة للشخوص الحاكمة وفتح الطريق بمختلف الوسائل لايصال من يتعهدون بتنفيذ المخطط الاستخباري المعادي , ومثال ذلك ما حدث في السعودية من صناعة ولي عهد محبوب بين الشباب عن طريق التغييرات الجذرية وانهيار القيم والتمرد على الموروث.
كما تستخدم السخرية السياسية والنكتة كسلاح مؤلم للشخصيات السياسية لاسيما الرصينة منها والتي يراد اسقاطها في اعين شعوبها وهذا الاسلوب من ضمن التوصيات الهامة لمعاهد صناعة الثورات الملونة والربيع العربي المدعومة من المخابرات الدولية وعلامتها القبضة الرجولية المضمومة الى الاعلى , حيث يجري نشر السخرية بالصورة والكاريكاتير والكلمات والالقاب الساخرة من اجل تحطيم هالة اية شخصية – وهو امر تكرر بشكل مركز في كل الاضطرابات والحركات ذات الوجه الشعبي والتي قادتها الاجهزة الاستخبارية الدولية , ويقال في هذا الصدد ان جمال عبد الناصر كان يقرأ دوماً التقرير الاستخباري الذي يخص ما يقوله الناس من قصص و نكات , وكان هنالك مقدم في الاستخبارات مهمته جمعها والقائها عليه شخصياً .

صناعة الحدث وركوب الموجة

ليس كل مايحدث في العالم هو من صنع الاجهزة الاستخبارية , فهنالك الكثير من الاحداث التي تحصل في الدول لأسباب موضوعية او اقتصادية او سياسية , ومن ثم فان الاجهزة الاستخبارية المحترفة تكون متهيئة دوماً من اجل الافادة من احداث ليست من صنعها لكنها تجد فيها فرصة لركب موجتها وتوجيهها لمايخدم مصالحها , ومن هنا كان امتلاك المعلومة هو الضامن للفوز في استغلال الفرص , فالمعلومة تنتج القوة , فعندما يعلم الجهاز الاستخباري ان حدثاً ما سيتم في المكان كذا , هنا يستطيع ان يستفيد منه ويحوله الى عامل قوة له , كما لو علم جهاز استخباري ان انقلاباً سيحصل في بلد ما , فانه يستطيع الافادة منه في اكثر من اتجاه سواء في احباطه وتبليع الحكومة المعنية عنه وبذا يكون صاحب الفضل واليد الطولى عليها لتحقيق مصالحه , وقد يدعم الانقلاب مبكرا بشروط تجعل الانقلابيين العوبة بيديه , ففي كلتا الحالتين يكون التسابق بالمعلومة فرصة للمساهمة في الحدث الاستخباري.
ومثال ذلك الفائدة الجمة التي افادت منها الصين من جائحة كورونا حيث سارعت الى الكسب السياسي والاقتصادي من الحدث من خلال ماجمعته من معلومات عن الجائحة وطرق مكافحتها , وفجأة صارت الصين وسط اسواق اوروبا العاجزة كطفل يحتاج من يغير له حفاضته .
ويرى الباحثون ان صناعة الحدث تمر بثلاث مراحل اولها مستوى الحدث , ومستوى ردود الافعال والتفاعل معه والمستوى الثالث هو الحل والمقصود بالحل هنا هو تحقيق الهدف الاستخباري المنشود من صناعة الحدث .
ولو طبقنا الامر على اضطراب الشارع العراقي منذ تشرين الماضي وفق المستويات الثلاث نرى ان :
المستوى الاول هو الحدث سواء كان طبيعياً او مفتعلاً او جامعاً للاثنين
المستوى الثاني وهو رد الفعل :ضرب الموسسة الدينية , تصعيد الضغط على الحكومة , التلويح بالعقوبات , التهديد .
المستوى الثالث الحل : ادارة الفوضى والتأثير في الهيئة الحاكمة , حتى اعتقد ساسة العراق ان الحل يأتي بشخص محسوب على الغرب لارضاء امريكا , اي ان الاعلام الغربي استثمر الحدث بما يريد سواء كان صانعاً للحدث او مستفيدا منه.

الاعلام وصناعة الحدث

يعد الاعلام العمود الفقري في صناعة الحدث لدى دوائر الاستخبارات من خلال اشاعة الرعب والفوضى والاكاذيب عبر وسائل الإعلام بكل اشكالها , والتي تدار من خلال قنوات سرية وهو امر معروف , ففي كل بلد تستطيع بكل سهولة ان تعرف اتجاه كل وسيلة اعلام وتستنتج الجهة التي تمولها من خلال الاصطلاحات وطبيعة الخطاب والتناغم في المواقف.
فكل الاساليب الاستخبارية لصناعة حدث ما او استغلاله لايمكن ان تتم الا بوجود ذراع اعلامية فاعلة تأتمر بأوامر استخبارية لاتحيد عنها , بالاضافة الى واجهات ساندة للاعلام الاستخباري الموجه من قبيل منظمات المجتمع المدني والصفحات الوهمية والجيوش الالكترونية وغيرهم , فامتلاك الماكنه الاعلامية يجعلك حتى وان كنت لست صانعا للحدث ان تصورة كما تشاء وبأي اتجاه تشاء , فتظهر الحدث سلبا او ايجابا (انظر مبحث ٨٨ الاعلام والاستخبارات) , فالاعلام قادر ان يقلب الحقائق , ولاهمية سلاح الاعلام فهو لا يترك للاعلاميين بل تسيطر عليه الاستخبارات .
لقد استطاع الاعلام الغربي ان يصور صدام من عام ١٩٨٠ الى ١٩٩٠ كبطل عالمي وحاكم موفق , ثم فجأة مع دخول عام ١٩٩٠ اصبح مجرماً عالمياً ومنبوذاً , , وكذا طالبان ٢٠٠١ عدو وارهابي , وعام ٢٠٢٠ تعقد امريكا صلحاً مع طالبان (انظر الصورة النمطية للاستخبارات ٨٠)
وحتى الوقت الحاضر , وبالرغم من كل جرائم صدام وحكمه البغيض والذي يعرف احداثه كل العراقيين من قتل وتشريد ومقابر جماعية وتعذيب ومنع ابسط مقومات الحرية والحياة , لكن ابواق الاعلام الممول تبث اصطلاحات مسمومة لتصوير عهد البعث من قبيل سنوات العز , سنوات الخير , سنوات الامن , سنوات الرجولة , الحصة التموينية راقية , كنا مرتاحين , كنا بأمان , وغير ذلك من الاكاذيب.
وكم من مدون وقنوات فضائية كانت كافية لصناعة حدث تسبب في خسائر بشرية وشهداء وجرحى خلال اواخر العام الماضي وبواكير العام الحالي , ثم ردود افعال غاضبة وقطع الطرق ثم خلق ازمة ومنع الدوام , وكم موقع الكتروني ومدون يثيرون الشارع بتمجيد الغرب وتقزيم الحكومة وصولاً لاسقاط الحاكم , بجريرة توقيعه لعقد مع الصين اغضب الامريكان , وهاهي الكورونا تفضح المدونين وتخرسهم لان رب نعمتهم عجز عن توفير كمامات لابناء بلده , في حين سالت دماء زكية في سبيل اهداف وشعارات فضفاضة وتكبدت الخزينة خسائر بالمليارات كان يمكن ان تنفع الشعب في هذه الايام العصيبة .
وها نحن نرى ذات القنوات التي ساهمت في تعطيل الحياة في الشوارع التجارية وعطلت الميناء والجامعات واوقفت حال المواطنين والكسبة , هي ذاتها تدعو لكسر الحظر الصحي بحجة ان المواطن يموت جوعاً , والغريب انه مواطن الجنوب لوحده هو الجائع من دون مواطني الغربية والاكراد , لضرب جهود حصر جائحة كورونا وجهود المرجعية والخيرين لدعم المواطنين , فيما تغيب سيخ الشاورما وخبازات التحرير وموزعوا البطانيات في ميدان التحرير عن ميدان الجوع المزعوم.

الخبر اقوى من الدعاية

يعد ادوارد بيرنيز (1891 – 1995 ) وهو يهودي أمريكي , منشئ ما يسمى العلاقات العامة والبروباغاندا , تأثر بيرنيز كثيراً بأفكار الكاتب الفرنسي جوستاف لوبون، الذي أنشأ “علم نفس الحشود” , وكان يقول انه ” إذا فهمنا آليات ودوافع العقل الجماعي ، سنتمكن من السيطرة والتحكم بالجماعات وفقاً لإرادتنا وبغير علمٍ منهم؟” .
وذات يوم عام 1920جاءه جورج هيل رئيس مؤسسة التبغ الأمريكية طالباً مساعدته لحل مشكلة كبيرة تواجه الشركة حيث لم يكن تدخين المرأة مقبولاً إجتماعياً في أمريكا في ذلك الوقت مما يعني أن مصنعي السجائر يفقدون نصف زبائنهم , وطلب منه الخروج بفكرة تحل هذه المشكلة وتقنع النساء بالتدخين!! , فخرج “بيرنيز” بفكرة شيطانية قلبت تقاليد مجتمع بأكمله وعاداته , حيث اقنع مجموعة من العاهرات ان يسرن في موكب عيد الفصح , ويشعلن السجائر في الشارع أمام الجميع , باعتبارها مشاعل الحرية للتحرر من تسلط الرجل على المرأة امام عدسات الصحف , وبالفعل كتبت الصحف ” النساء يحملن مشاعل الحرية في عيد الحرية ” وانتشر الحدث بأنه رمز للحرية , وفي أقل من 6 أسابيع قام العديد من النساء بتكرار الفعل في ميادين مختلفة وقامت دور السينما والمسرح بالسماح للنساء بالتدخين بعد أن كان ممنوعاً , فكان هذا درس بليغ للشركات مفاده ان صناعة الخبر – وليس الإعلانات – هي الوسيط الأكثر ملائمة لإيصال رسالتهم للجمهور بشكل لايقبل التشكيك من خلال البرمجة الاستباقية.

لقد تغير العالم بعد انتشار جائحة كورونا , وبدت دول مستعلية وهي تستجدي وتسرق معدات في عرض البحر , ولابد ان تستفيد الدول المقهورة الان من حقيقيه كورونا وانهيار المنظومه الصحية في الدول المتقدمة او الدول الكبرى او امريكا التي تنهار سريعاً , فاكثر من 70عام والشعوب تهين دولها وتقارن حكوماتها مع امريكا , ليصل الحال ان تعجز امريكا في غضون شهر وتطلب مساعدة الصين وتعجز ان توفر لشعبها كمامات , فيما كانت تطالب العراق قبل شهرين بلغة استعلائية ان تتحمل الحكومة مسووليتها بحماية المواطنين , مع سقوط اي شهيد عراقي , وهاهي تفشل في حماية ارواح شعبها , فهل سيجرؤ احد ان يطالب الحكومة الامريكية بأن تتحمل مسؤوليتها بحماية شعبها , ان الامر يبدو كنكتة مضحكة لكنها مرّة للاسف , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق