في الواجهة

اللعبة الأمريكية في شبه الجزيرة الكورية.. كوريا الشمالية تتسلح وامريكا تبتز كوريا الجنوبية

إعداد: جورج حداد*

كوريا الشمالية هي بلد صغير نسبيا لا يتجاوز عدد سكانه 25 مليون نسمة ومساحته 120.000 كم2 (للمقارنة: مساحة سوريا تبلغ 185.000 كم2) وله حدود مع دولة صديقة في الشمال هي الصين وشريط حدودي ضيق جدا مع روسيا في اقصى الشمال الشرقي. وهو مطوق من الجنوب (كوريا الجنوبية) ومن الشرق (بحر اليابان) ومن الغرب (خليج كوريا والبحر الاصفر) حيث تحتشد حول كوريا الشمالية من ثلاث جهات الاساطيل والقواعد العسكرية الاميركية والكورية الجنوبية واليابانية.
ومنذ نهاية الحرب الكورية في 1952 تمارس اميركا وحلفاؤها سياسة شديدة العداء لا مثيل لها ضد كوريا الشمالية، سياسيا وماليا واقتصاديا وتجاريا وعسكريا، فكل شيء حرفيا هو ممنوع من والى كوريا الشمالية، ولم يبق سوى الهواء لم تستطع اميركا منعه عن الكوريين الشماليين، وربما هي تحاول ذلك ولكنها لم تنجح بعد. وتنفق اميركا مليارات الدولارات على شبكات المخابرات واجهزة البروباغندا التي يضج بها الاثير ليلا ونهارا لارهاب الشعب الكوري الشمالي ولتقويض نظام الحكم في كوريا الشمالية. ومع كل ذلك فإن كوريا الشمالية، بشعبها الصغير والفقير والذي يعيش على حافة المجاعة ونظامها السياسي المعزول تماما عن العالم، لا تزال صامدة بوجه حملة العداء الشديد الموجهة ضدها، لا بل انها اصبحت هي نفسها تشكل تهديدا ليس فقط الى جميع القوات المعادية التي تطوقها تماما بل وتهديدا صاروخيا ـ نوويا الى الولايات المتحدة الاميركية ذاتها وفي عقر دارها. وربما ان الصواريخ الباليستية حاملة الرؤوس النووية الكورية الشمالية ليست عالية الدقة الى درجة ان تستطيع الدخول من احدى نوافذ البيت الابيض لتصيب المكتب البيضاوي لترامب، ولكن اميركا هي كبيرة لدرجة ان الصاروخ الباليستي اينما يقع سيصيب مقتلا. وهذا هو الان سبب اضافي للهستيريا الاميركية ضد كوريا الشمالية.
وقد مارست اميركا كل اشكال الضغوط والتأثيرات الالتفافية والوعود الخلبية من اجل عقد قمة اميركية ـ كورية شمالية. وفعلا اجتمع دونالد ترامب مع كيم يونغ اون في سنغافورة في 12 حزيران 1918. واعتبر دونالد ترامب ذلك “انتصارا تاريخيا” له. وقد أملت الادارة الاميركية ان تبدأ كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها الصاروخي النووي، مقابل وعود ـ مجرد وعود ـ برفع العقوبات عنها. وبالفعل قامت كوريا الشمالية بتدمير احد مقرات تجاربها النووية، كبادرة حسن نية، الا انها طالبت برفع جميع العقوبات عنها كخطوة شرطية مسبقة للشروع في بحث مسألة إخلاء شبه الجزيرة الكورية ومحيطها من السلاح النووي.
ولتذليل العقبات، ولاستدراج كوريا الشمالية الى الفخ الاميركي، عقدت القمة الاميركية ـ الكورية الشمالية الثانية في هانوي بفيتنام في شباط 1919. ولكن بالرغم من المجاملات بين الرئيسين فإن اللقاء بينهما لم يدم اكثر من ساعة فشل خلالها ترامب في الوصول الى مبتغاه، و”نسي” الرئيسان حتى حضور الغداء البروتوكولي المشترك الذي كان قد أعد لهما.
واخيرا فإن الرئيس الاميركي ترامب، بكل عظمته وكبريائه “تنازل” وذهب الى الحدود الكورية في حزيران 1919، ليجتمع مع الرئيس الكوري الشمالي الشاب ـ على الخط الحربي الفاصل بين الكوريتين، بل وليجتاز الخط الفاصل ويقف بقامته وهيبته على الارض الكورية الشمالية. ومع ذلك، فإن كل هذا التواضع المسرحي لم يقنع القيادة الكورية الشمالية في ان تتزحزح ولو شعرة واحدة عن موقفها المبدئي: اولا رفع جميع العقوبات وفك الحصار الاميركي تماما عن كوريا الشمالية، قبل الشروع في البحث في “تنظيف” شبه الجزيرة الكورية شمالا وجنوبا من الاسلحة النووية.
ما هي الوضعية الان؟
في غضون الاشهر القليلة الماضية بنت كوريا الشمالية العشرات من المنصات الباطونية الجديدة لاطلاق الصواريخ عابرة القارات التي يمكن منها اطلاق الصواريخ من قواعد متحركة. وتتسع كل منصة عشرات الامتار من اجل تغيير زاوية الاطلاق للتضليل والتمويه، مما يزيد في صعوبة اكتشاف موقع الاطلاق. وفي 30 تشرين الثاني الماضي اجرت كوريا الشمالية تجربة لصاروخ باليستي ضخم عابر للقارات من طراز “هواسون ـ 15”. ويرتفع هذا الصاروخ الى علو 4475 كلم ويقول الخبراء الاميركيون واليابانيون ان مداه يتراوح بين 950 كلم و13.000 كلم اي انه يمكن ان يصب حممه في اليابان او في اي دولة ناتوية معادية او في الاراضي الاميركية ذاتها (اي انه يعمل “ديليفيري” حسب متطلبات الزبائن). وقد سقط هذا الصاروخ التجريبي في البحر على بعد 250 كلم من الجزيرة اليابانية. وقد سخر شينزو ابي رئيس الوزراء الياباني من هذه التجربة وقال “انه مجرد صاروخ باليستي”. فرد عليه الناطق باسم الخارجية الكورية الشمالية بالقول “ان شينزو ابي هو غبي وقزم سياسي” وانه قد يأتي يوم يجرب بالملموس ما هو هذا الصاروخ.
وفي هذا الوقت تنشأ ازمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة الاميركية وكوريا الجنوبية، لان ادارة ترامب تطالب كوريا الجنوبية برفع مساهمتها في نفقات القوات الاميركية على الاراضي الكورية وفي البحار المحيطة بها من 1 مليار دولار الى 5 مليار دولار دفعة واحدة. وفي المباحثات بين الطرفين وافقت كوريا الجنوبية على زيادة المبلغ بنسبة 8%. ورد الطرف الاميركي بأن كوريا الجنوبية لا تسهم بقسط “عادل” في النفقات العسكرية الاميركية في كوريا. وانسحب الوفد الاميركي من المباحثات الثنائية بين الطرفين حول الموضوع.
ويبدو بوضوح للمراقبين انه في سياسة العداء الشديد والضغط الهائل الذي مارسته وتمارسه اميركا ضد كوريا الشمالية، كانت تعتقد ان كوريا الشمالية ستكون “الخاصرة الرخوة” للعدو الاكبر: الصين الشعبية. ولكن الواقع الملموس بيّن انه بفضل قوة شكيمة الشعب الكوري وتصميمه على تحرير بلاده من الاحتلال الاميركي واعادة وحدته القومية وتوحيد اراضيه، وبفضل الدعم والمساندة من قبل الصين وروسيا، فإن كوريا الشمالية تحولت الى درع متين للصين والى حربة حقيقية ليس فقط في خاصرة القوات والاساطيل الاميركية في الشرق الاقصى وفي خاصرة اليابان ودول الناتو الموالية لاميركا، بل والى حربة في خاصرة اميركا ذاتها وفي عقر دارها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق