دراسات و تحقيقات

الكسوف الشمسي . من وهم الخوف إلى متعة العلم

جاسم محمد كاظم

حاول الإنسان منذ بدء حياته على الأرض البحث عن تفسيرات للظواهر المخيفة التي يراها تحيط بة مثل البرق والرعد والمطر والرياح وكسوف الشمس وخسوف القمر .
وشكلت تلك الظاهرة المخيفة لهذا الإنسان العابد للظواهر الطبيعة فاخذ يقيم لها الطقوس والقرابين والصلوات الجماعية ولبس المسوح وذهب أكثر من ذلك بالاغتسال بالماء لطرح الذنوب التي ظنها في أول أمرة أنها تغضب تلك الأرواح المتسلطة التي تحرك الكون وكواكبه وشموسه.
ومن اجل أن لا تضيع هذه الشمس التي تمنحه الضياء والسيطرة على عالمة الخاص والتي لولاها لاستحالت الحياة ولساد الظلام على الكل وأصبح ضحية بين أنياب الوحوش الكاسرة المتواجدة في الظلام ..
يذكر بعض الباحثين أن الفكر البشري مر في ثلاثة مراحل رئيسية من التطور بدئا بالمرحلة الخيالية أو السحرية حيث الأساطير والتهويل وانتقل في مرحلة لاحقة نحو المرحلة الدينية بعد تطور قوى أنتاجه وانتقاله نحو العيش في الجماعة الثابتة المعتمدة على الزراعة وتربية الحيوان حتى وصل في وقت بعيد من انطلاقة تحو المرحلية العلمية بعد أن استغنى عن الرب وتوابعه .
بدأت خبرة الإنسان البدائي بسيطة بتفكير محدود لتفسير الظواهر الغريبة حوله واخذ يجد لها الإجابات التي تسكن له عقلة الناشئ وحلولا للمشكلات الموجودة أمامه لتبقيه السيد لأنة يريد التكيف مع بيئته مثل بقية الحيوانات بدون أن يغير فيها شيئا .
وحين ظن أنة فهم هذه البيئة واطمأن إليها بحيث لم تعد مصدراً لخوفه وعدم شعوره بالأمن ، فأتخذ الإنسان أساليب متعددة في محاولاته لفهم البيئة فكان الإنسان ينسب الحوادث التي يعيش فيها إلى الصدفة في أول أمرة دون أن يتمكن من البحث عن علل وأساليب فقبل بالأشياء كما هي لأنها تحدث دون أسباب وكانت وسيلته إلى التكيف معها هي المحاولة والخطأ لعلة يصل إلى حل يزيل به الغموض أو يفسر بواسطته الحوادث.
ثم تطور هذا الإنسان البدائي فلجا إلى رئيس القبيلة بعد أن عاش الجماعة الكبيرة ليجد له الحلول ويفسر له الظواهر الغريبة استناداً إلى العادات والتقاليد .
وتقبل عقل الإنسان البدائي ما وصل إليه من تفسيرات دون مناقشة على اعتبار إن أصحاب السلطة لا يخطئون أبدا وان الأفكار الذائعة هي أفكار صحيحة وألا لما امن بها الناس لذلك تكون للأفكار القديمة المنتشرة اليوم والتقاليد قيمه كبيرة يقبلها الناس دون مناقشة .
وهكذا تدرج شيخ ورئيس القبيلة ليأخذ دور النبي أو العالم بأمر الوحي بعد ذلك ويمسك السلطة المقدسة فاستمرت هذه التقاليد والطقوس ألافا من السنين على شكل رواسب فكرية في تفكير الأجيال المتعاقبة منذ مراحل التدين البدائي إلى آخر مراحل الدين الحالي.
يذكر التاريخ بان الفيلسوف أرسطو استطاع أن يحدد كروية الأرض من خلال مشاهدته لكسوف الشمس وخسوف القمر وان هذا الفيلسوف اخذ تلك المعارف من علوم قدماء البابليين الذين كانت لديهم المعرفة بالحسابات الفلكية عبر تحديد مواعيد الكسوف والخسوف بدقة متناهية في ذلك الزمن البعيد .
لم يستطع كل التفكير الديني القديم منة و الحديث تبرير السبب المنطقي لهذه الظواهر برغم ادعائه كلية المعرفة وبقيت كل معارفه لا تتعدى إقامة الصلوات والهروع نحو المساجد لترديد الدعاء والطلب من الأرباب المتعالية الرحمة والمغفرة .
ولان كل أديان البشرية لم تعطنا تصورا أو حتى صورة تقريبية ولم تثبت لنا بصورة قطعية شكلا للكون أو تحديد كروية الأرض في كل آياتها وبراهينها وبقيت كروية الأرض لغزا محيرا في مخيال الإنسان حتى رحلة ماجلان الشهيرة في القرن السادس عشر و التي أقرت بكروية الأرض بشكل قاطع .
اليوم اخرج الإنسان مركباته الفضائية للولوج في ذلك الكون الفسيح و فتح مجاهل تلك الألغاز المحيرة وعرف بيقين أن هناك كونا لا متناهي يحدث فيه أكثر من مليون كسوف وخسوف في يوم واحد في حسابات الأرض .
ولهذا تحولت هذه الظاهرة الفلكية إلى متعة في بلدان العقل ليس فيها صلاوات وطقوس غريبة وابتهالات للرب حين تبدأ عدسات المصورين وملايين المشاهدين والسياح والباحثين عن المتعة بالجري البعيد إلى أماكن حدوثه في بقاع العالم حين صار الحديث عن الأسطورة- في نظر الكثيرين – في عصر التقدم العلمي والتكنولوجي من المفارقات المدهشة- و أن المرضى العصابيين وحدهم ، يحتاجون أليها كما يقول فرويد في نلك البلدان التي لم تشارك التاريخ أفراحه حتى هذه اللحظة .
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
جاسم محمد كاظم
دكتوراه أدارة أعمال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق