في الواجهة

الكرونا وما بعد الكرونا

 

 

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

 

إن هذا العالم على أبواب تغيير كبير، والمشهد العالمي سوف ينقلب رأسا على عقب بعد أن تهدأ عاصفة كورونا. ستتغير أمور كثيرة في عصر ما بعد وباء كورونا، قد يكون نهاية لتاريخٍ وبداية لعهدٍ آخر، ستدفع كورونا إلى اعلاء قيم التعاون الدولي المشترك والدفع بإصلاح المنظمات والهيئات الدولية مما سيعمق من مفهوم المصير المشترك للإنسانية.

عندما تنجلي عاصفة جائحة كورونا التي أجبرت  أكثر من ثلث من يدبون فوق الكرة الأرضية على إلتزام بيوتهم وإغلاقها على أنفسهم، وألقت ظلالا من الهلع والفزع والخوف في قلوب سكان القارات كلها، واستنفرت أصفرها وأحمرها، وأبيضها وأسودها. واليوم الإنسان يقف عاجزا عن الإتيان بالماضي مرة أخرى كما يعجز عن الإتيان بالمستقبل.

هذا المرض الذي لا يزال الطب عاجزا عن ايجاد الدواء الشافي له، وأنه كورونا تجاوز بتداعياته على مجال الصحة والعلوم الطبية كما هو الشأن مع كل الأوبئة التي مرت على البشرية. ولن يكون تأثير كورونا على النسق الاجتماعي والسلوك البشري، بل يكون أثره في مجال من مجالات الحياة. 

هذا الوباء على قساوته وخطورته، يشكل محكًا لمراجعة الذات والوقوف على الاختلالات ومحاولة تجاوزها بسبل علمية وعقلانية في المستقبل. سوف يتسرب كورونا بتداعياته إلى الثقافة والسياسة والاقتصاد والدين وباقي أنماط الاجتماع الإنساني، بل إنه يقوض سلطاً ويؤسس أخرى، ويمحو دولاً وعصوراً وينشئ أخرى، وأن الوضع ما بعد كورونا لن يكون كقبل كورونا وسٌيجبر المجتمع العالمي على تغيير ثقافته وسياسته. 

وبعد كارثة وباء الكورونا الذي أرهب مليارات البشر، وعطل وغير أغلب قوانين السياسة والاقتصاد  كل ما يأتي يكون  مختلفا عما قبلها، ليس على المستوى الجغرافي والمدني والعسكري فحسب، ولكن على مختلف دقائق ومجالات الحياة الفكر، والوجود والنهضة والمنعة والترقي والصحة، والتصنيع والعلوم والسيطرة.

سيؤدي الفيروس إلى سرعة انتقال ميزان القوى العالمية من الغرب إلى الشرق. تبرز شعوب ناهضة حينما تجد لها مكانا وطريقا إلى مقدمة الأمم والشعوب الأخرى ممن كانت تدعي القدرة ستنطوي في قعر حضارات العالم، ودول تضل طريقها نحو المستقبل والحرية وقيمة الإنسان وصحته حينما تضعف وتتبعثر أولوياتها وأهدافها وقيمها. سيبدأ كورونا مرحلة فاصلة بين مرحلتين بين الجشع و الايثار وبين الظلم والعدالة، وبين العبودية والحرية وبين الفقر والغنى وبين الجوع والشبع.

إن الحياة بعد كورونا لن تكون كما كانت قبلها، الكثير من التغييرات ستطرأ خلال الأشهر والسنوات القادمة، وبعضها سيكون مليئا بالتحديات سواء على الحكومات أو الشعوب، وسيتغير بدرجات متفاوتة شكل العمل والتعليم والسفر والتسوق والصحة والعلاقات الاجتماعية والأسرية.

ستشرق عليه الشمس في اليوم التالي للإعلان عن زوال خطر هذا الفيروس القاتل الذي أرعب البشرية وجعل من نهارها قلق وتنتصر البشرية على هذا الوباء وترسو سفينة البشرية المرتبكة علي جودي الأمن والأمان، وستكون أزمة كورونا مرحلة مفصلية في تاريخ البشرية وخطا فاصلا بين عهدين ما قبل كورونا وما بعد كورونا.

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

 جامعة عالية ،كولكاتا – الهند 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق