المغرب الكبير

القوات التركية في الجوار الليبي و الصمت التونسي

اسيا العتروس

اجتماع في الجزائر واخر في موسكو وثالث في القاهرة والبقية تأتي. فالملف الليبي على كل طاولات الحوار عربيا واوروبيا ودوليا بما يعني ان الملف الليبي ثقيل ثقل ما يحتضنه هذا البلد من ثروات وحضوره في مختلف مؤسسات صنع القرار التي ترفض ان تكون غائبة عن تطورات المشهد الليبي وما يمكن ان يفرزه الصراع بين السراج وحفتر وكل الاطراف والتحالفات المساندة لهذا الطرف او ذاك والتي لا يمكن ان يكون مصير ليبيا والليبيين اهتمامها الاول.

عندما يتعلق الامر بالجغرافيا فان ليس بإمكان الشعوب اختيار الدول المجاورة لها فالجغرافيا ملازمة للاوطان والشعوب ولكن القيادات تحدد خياراتها وتوجهاتها وتدافع عن مصالح شعوبها وموقع الاجيال القادمة فيها. صحيح ان التقسيمات الاستعمارية فرضت تقسيم الوطن العربي الى دويلات وصنعت بينها حواجز وحدود فصلت بينها وعزلتها عن بعضها البعض. ولكن الاكيد ان هذا ليس سوى جزء من الحقيقة. فالحقيقة ايضا ان القيادات والحكام التي جاءت بعد زوال مرحلة الاحتلال لم توفق في توحيد صفوفها وتفعيل الدفاع الامني المشترك ولم تسع لتكوين قوة اقتصادية بينها والاستفادة من ثرواتها الطبيعية وطاقاتها البشرية وهذا ينطبق على جامعة الدول العربية كما على الاتحاد المغاربي ولاحقا على الاتحاد الافريقي وكلها اطراف تشترك في المسؤولية السياسية والتاريخية والانسانية فيما وصل اليه الوضع في لبنان والعراق وسوريا وواليمن فلسطين وليبيا التي تعيش على وقع حرب منسية منذ نحو عقد من الزمن.

القوات التركية واقع قائم

لم يعد الامر يتعلق بقرع طبول الحرب في المتوسط ولا بما اذا سيمضي الرئيس التركي اردوغان الى نشر قواته في ليبيا بعد ان حظي بموافقة البرلمان التركي. فقد تواترت الاحداث بشكل متسارع ولم يشأ الرئيس التركي الطامح للزعامة على المنطقة واحياء الدور العثماني أن يضيع الوقت او يهدر الفرصة المتاحة وقد عجل بالاعلان عن بدء نشر قوات أتراك في ليبيا بمجرد الحصول على الضوء الأخضر الذي منحه البرلمان التركي قبل ساعات، قرار لم تستسغه قوى اقليمية ودولية بما في ذلك دول روسيا واميركا والاتحاد الاوروبي والحلف الاطلسي الذي يجمع في صفوفه تركيا.

بداية انتشار القوات التركية في المتوسط تزامن بدوره مع تأجج الاوضاع في الشرق الاوسط بعد الاغتيال الاميركي الممنهج للقائد العسكري الايراني سليماني في مطار بغداد والذي اثار حربا من التصريحات والتهديدات من طهران الى واشنطن مروا ببيروت وبغداد بما دفع العديد من المراقبين والخبراء الى التوجس من حرب عالمية ثالثة على الابواب يراها الكثيرون حرب قائمة بمواصفات مختلفة غير تلك التي عرفها العالم خلال الحرب العالمية الاولى والثانية في ظل التحولات والتحالفات الجديدة ولعبة المصالح والتنافس غير المسبوق بين قوى اقليمية ودولية تسعى الى فرض موطئ قدم لها والتفرد بالدفاع عن المصالح الاستراتيجية القريبة والبعيدة المدى..في كل ذلك يبدو المشهد على درجة من التداخل بين صراع القوى الاقليمية والدولية على ارض العراق وبين محاولات اردوغان جر ليبيا الى حرب اخرى. وفيما تتدافع غيوم الحرب في سماء المتوسط يبقى الامر الوحيد الواضح ان الشعوب وحدها من يدفع ثمن صراعات ونزاعات لم تسعى اليها ولم تتمنى حدوثها وهي التي ستتحول رهينة لحسابات وطموحات الطامحين لتكون ضحية موجة الخراب والدمار القادم وجزءا من قائمة اللاجئين والمهجرين على اراضيهم او خارجها.

دخول الدفعة الاولى من القوات التركية الى ليبيا لن يكون نهاية المطاف بل انه قد يكون منطلقا لتسابق المتسابقين والمتنافسين من انصار حفتر وانصار السراج وما يتطلعون اليه في هذا البلد اما دعما لمسار الاسلام السياسي المفلس الذي اكد فشله وكارثيته في مختلف مجالات الحياة او سعيا وطمعا للفوز بصفقات الاعمار واعادة البناء على انقاض ما اشتركوا في تدميره.

ليبيا موضوع حاضر في مختلف اللقاءات والاجتماعات والمنابر فقد اختارت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل ان تبد جولة من المشاورات بين من تعتبرهم من الحلفاء والمتنفذين لفرض حل سلمي في ليبيا استباقا لما سيكون عليه مؤتمر برلين المؤجل والذي لم تتضح حتى الان قائمة الدول التي ستحظى بالمشاركة فيه علما وان تونس التي كان يفترض ان تكون بين اول المدعوين غير معنية حتى الان اذ يبدو وان دول الجوار الليبي تم اقصاؤها لحسابات معلومة منذ زيارة وزير الخارجية الالماني الى ليبيا وتونس.

مصر من جانبها لم تشأ الوقوف على الربوة في انتظار ما ستؤول اليه الاحداث في الجوار الليبي وقد دعت امس الى اجتماع خماسي غدا الاربعاء يجمع في القاهرة وزراء خارجية كل من مصر وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص بحسب بيان صدر الاثنين عن الخارجية المصرية فإن “وزير الخارجية سامح شكري، يستضيف الأربعاء الجاري بالقاهرة، اجتماعا تنسيقيا وزاريا يضم وزراء خارجية كل من فرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص.” في المقابل سجل بالامس في العاصمة الجزائرية زيارة كل من وزير الخارجية التركي جاويش اوغلو ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج.

وليس من الواضح ان كان المسؤولان الليبي والتركي وصلا معا ولكن الواضح ان الجزائر باتت وجهة مطلوبة بعد الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة الجزائرية وان دورها في المشهد الليبي لا يقبل الحياد والصمت او هذا على الاقل ما يبدو من خلال هذه الزيارة التي تفتح المجال لكل التأويلات والقراءات لاسيما وانها تتزامن مع اول انتشار للقوات التركية في ليبيا وهي مسالة سبق للجزائر ان اعلنت موقفها الرافض لاي تدخل عسكري اجنبي في هذا البلد..و قد يكون الدعم الجزائري مطلوب في هذه المرحلة خاصة امام ردود الفعل الدولية الرافضة. ولاشك ان في تصريحات اردوغان الذي برر هذا الانتشار بانه لا يهدف الى القتال بل الى “دعم الحكومة الشرعية وتجنّب مأساة انسانية” مما يمكن ان يفاقم المخاوف لاسيما وان تداعيات التدخل التركي في سوريا وفي العراق لا تزال ماثلة للعيان.

المشهد القادم من ليبيا مثير للهواجس والمخاوف فبعد تسع سنوات على سقوط نظام القذافي يتجه هذا البلد الى الغرق اكثر فاكثر في مستنقع الفوضى وهيمنة عصابات السلاح على البلاد بما يؤشرالى ان اعادة تقسيم ليبيا امر قائم مهما نفاه الملاحظون والمتنفذون. الى ان يكذب الليبيون حسابات الغزاة بكل الالوان وتحت كل الرايات فالليبي اليوم في طرابلس ليس بامكانه الوصول الى بنغازي بيسر والعكس صحيح ايضا…بالامس كذب الجنرال حفتر ان تكون قواته وراء القصف الذي طال الكلية العسكرية بطرابلس، مشيراً إلى أن كل التفاصيل تؤكد أن هناك “عملاً إرهابياً” ضد هؤلاء الطلبة…ولاشك ان مجزرة طلبة الكلية العسكرية تظل مأساة تختزل جزءا من الازمة في ليبيا وليس كلها،

في غياب الحقائق حول من يحكم ليبيا ومن يسيطرعلى عاصمتها ومن يسيطر على شرقها وغربها ..ليبيا تحولت ومنذ تدخل الحلف الاطلسي في اجواءها الى مستنقع لا تثبت عليه قدم وهو مستنقع يتسع كل يوم اكثر وسيتسع كلما امتدت الازمة وتاخر الحل بين الفرقاء الليبيين الذين يملكون مفتاح الحل…الذهب الاسود اللعنة التي لاحقت وتلاحق العراق وتهدد الاجيال هناك تتكرر في ليبيا وتتحول الى لعنة القرن لتلاحق الليبيين الذين يناهز عددهم الستة ملايين نسمة على ارض يبدو حسب كل التقارير انها تسبح على منابع من النفط والغاز سبب التناحر والتدافع الحاصل في هذا البلد المرشح للانفجار..

اخيرا وليس اخرا عندما دعا اردوغان قواته الى ليبيا فقد اختاران يذكرها بانهم يسيرون على خطى القائد خير الدين برباروس احد اشهر قادة الاساطيل العثمانية في المتوسط..ولاشك ان اردوغان يعي ما يريد عندما زار تونس قبل اسابيع وهو يحلم باحياء احلام العثمانيين شمال افريقيا..ولكن ما ليس واضحا ما يخفيه الصمت الرسمي التونسي سواء تعلق الامر بمجلس نواب الشعب الذي تحكمه حركة النهضة التي لا تريد ان تثير حفيظة اردوغان حامي الاسلام السياسي في المنطقة ورئاسة الجمهورية تتوخى الحذرو تتحفظ لحسابات لم تتضح بعد ولكن نتائجه واضحة وهوغياب تونس التي تتفاقم عزلتها كل يوم اكثر…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق