مجتمع منوعات

القـرآن الكـريم بـعيـون صـحفيـة

 رحمــة ربيعــي، بتصـرف

     إن القرآن الكريم كتاب واسع العلوم ممتد المعارف، شاملا لكل منحى ومنحنى، مصداقا لقول الله عز وجل “وما فرطنا في الكتاب من شيء”، أي أن الكتاب المنزل معجزة بأتم معنى الكلمة، فهو ينطوي على كل كون وكائن، ويتوفر على كل علم ومعلوم، ومن هنا وتوضيحا، فإن هذا الطرح لا يعد أبدا تفسيرا للكتاب المعظم ولا تأويلا لمعانيه وآياته القرآنية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصنف في خانة التفسير العصري للقرآن الكريم، وذلك لانعدام ما يتوفر في المفسر للقرآن، وهي شروط لا يتهاون العلماء فيها أدنى تهاون – ورحم الله إمرأ عرف قدر نفسه-

    وقد يعد تسليط الضوء على موضوع التحرير الصحفي تحت ضوء معالم وآيات قرآنية موضوعا فريدا من نوعه، ونادر النقاش والكتابة بهذا المجال، وقد يعود الأمر لسبب أن علم فنيات الصحافة علم حديث النشأة، ولكن ما يشجع على مواصلة الخوض في غمار هذا البحث هو ما  رواه الإمام السيوطي عن أبي الفضل المرسي رحمه الله “إن القرآن الكريم جمع علوم الأولين والآخرين”، ومما يزيده متانة قول بن عباس رضي الله عنه “لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى”.

    إن المتأمل في كتاب الله تعالى بعيون صحفية باحثة، قد يكتشف العديد من الأمور التي تخدم علم فنيات التحرير الصحفي بطريقة غير مباشرة، ففي الكتاب الكريم تبيين لعدد مهول من الحقائق الهامة والمفاهيم التي يرتكز عليها علم الصحافة المدرج في منظومات التعليم الحالية، سنعرج على أهم ما يمكن ذكره في هذا الطرح  المختصر اعتمادا على بحث شامل مفصل للموضوع، للدكتور محمد فريد عزت عن كتابه “دراسات في فن التحرير الصحفي في ضوء معالم قرآنية”.

   ونذكر مثال ذلك في توضيح المفاهيم الصحفية، تبيين الفروق بين نقل الخبر والنبأ، حيث يعتبر القرآن الكريم الخبر موقفا عاديا حديث الوقوع، بينما أشار للخبر العظيم والحدث الهام الخطير بالنبأ، ويتضح ذلك في قوله تعالى” قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم”، وقوله ” عم يتساءلون عن النبأ العظيم”، ومن الكتاب أيضا معالم ترشد الصحفي إلى تحري الخبر اليقين والتحقيق في بواطن أموره عامة، وأن لا ينقل إلا ماتحقق من صدقه خشية التضليل عند نشره، يقول تعالى في هذا ” ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة…”.

  كما لا يخفى عن المتأمل أن معالم القرآن الكريم شملت أيضا مجال الكتابة الصحفية فقد أوردت فيها طرقا لصياغة مقدمات الأخبار القصيرة والطويلة وهي تلك التي تنطوي على ما في المادة الصحفية بطريقة مثيرة ومشوقة تجذب القارئ حتى النهاية، لما فيها من  استهلال مثير للاهتمام وملفت للإنتباه، واتضح ذلك من خلال ما يعرف بالاستفهامات الستة ( من؟ للشخص الذي يدور حوله الحدث، ماذا؟ للحـدث الواقع، متى؟ لزمان وقوع الحدث، أين؟ لمكان وقوع الحدث، لماذا؟ لتوضيح سبب الحدث، كيف؟ لبيان كيفية وقوع الحدث.)، لذا فإن استهلال المقدمة الخبرية بطرح أحد أقوى هذه التساؤلات الستة من البراعة الصحفية التي وردت في الآيات القرآنية، ويتمثل ذلك في جعل العنصر الأهم من الخبر بارزا في صدارة السياق من خلال طرح أحد الإستفهامات الدالة عليه، فمثلا دائما ما نجد أن الآيات التي تنقل حدث يتمحور حول نبي ما، أو شخص ما، يتقدم ذكر اسم العنصر الذي يتمحور حوله الحديث ويتأخر العنصر الآخر باعتباره عنصرا ثانويا، ويتجسد ذلك في القصة بين الآية (16) و الآية (34) من سورة مريم والتي يدور موضوعها حول قصة مريم البتول، حيث قال في أول القصة ” واذكر في الكتاب مريم …” الآية رقم (16)، و قال في آخرها “ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون” الأية رقم (34) باعتبار أن الحديث عن النبي عيسى عليه السلام أمرا ثانويا تعرج عليه القصة، وفي دائرة الحديث عن تساؤل (ماذا)، تتجسد براعة القرآن الكريم في الحديث عن الحدث الواقع دون ذكر الأسماء أو الكشف عن وظائفها، وقس على ذلك في باقي الطروح والتي تدور كلها حول محور الإجابة عن الإستفهامات الستة الشهيرة، وتقوم أيضا هذه المعالم على مبدأ الربط بين المقدمات والخواتيم بالعرض التفصيلي و الذي تكون بعده الخاتمة شاملة لما يستخلص مما سبق طرحه في العرض، وكأبسط مثال ماتوفرت عليه سورتي يوسف والكهف، حيث ورد في كليهما قصصا قرآنية انتهت باستخلاص المغزى وعصر المقصد من الطرح.

  و امتد إعجاز القرآن العظيم إلى إظهار منهجية الموضوع الصحفي، فإن المكتشف من خلال التأمل أن  ترتيب سور الكتاب جاءت على شكل ” المقدمة… الصـلب … الخـاتـمة”، إذ أن فاتحة الكتابة جمعت بل ولخصت مقصد القرآن الكريم في السبع المثاني وبينت أغراضه باختصار، ثم أتت بقية السور مفصلة لما لخصته الفاتحة من مقاصد الشريعة وقصص وأحكام وضوابط شرعية، وأخيرا يمثل الجزء الأخير(الثلاثون) من الكتاب خاتمة شاملة لما تقدم تفصيله وتبيينه مستخلصا منه كل المقاصد والغايات، وهو عموما الترتيب المختار للمقالات والطروح الصحفية والبحوث الإعلامية، ومن هنا يمكن استخلاص منهجية محكمة النسج لصياغة الموضوعات وترتيب المادة الصحفية بطريقة تساعد القارئ على استيعابها.

   لم يقتصر عرض المعالم القرآنية على فنيات الصحافة و تعليمها فحسب، بل بين كذلك حريات الصحفي الحق وما يترتب عليه من واجبات أيضا، فقد منحه الشارع الحكيم من خلال ما ورد في القرآن حرية القول والكتابة والنشر بشرط عدم مخالفة النصوص الشرعية الإسلامية، واستوجبت عليه الرقابة الهادفة لما ينشر أو يقال كتحر للحقيقة والتماس للمصداقية وتجنب التضليل والتزوير، ولكي يتعين عليه ذلك لابد له من اتباع ما يسمى بأخلاقيات المهنة ومبادئها وصيانتها والمستمدة مما جاء به القرآن الكريم، والتزام أخـلاق المسلم الحق المجسد لما جاء به الإسلام، ومنها الإخلاص في العمل ومراقبة الله سبحانه وتعالى ومحاسبة النفس وردعها بترهيبها، واتقان نقل الخبر والصبر في تحري دقته ومصداقيته، وذلك لتنمية العلاقات الاجتماعية التي تصب أخيرا في المصلحة العامة والتس جاء الإسلام لحفظها.

 من كتاب ” دراسات في فن التحرير الصحفي على ضوء معالم قرآنية” د.محمد فريد محمود عزت