المغرب الكبير

الفيراج البرلماني التونسي وتكوير السياسة

مراد حاجي

لم تكن ممارسة السياسة في زمن الاستبداد في تونس امرا شائعا ولا اظهار الاعتراض ممكنا من عامة الناس, وباستثناء النخب السياسية والفكرية التي انقسمت بين ممارسة السياسة داخل التجمع أو ضده او مكتفية باالصمت المنجي. لم يكن امام بقية الشعب وخاصة الشباب منه الا واجهتان إبراز الرفض والتعبير عن الاختناق والرغبة في التحرر في الفيراج في ملاعب الكرة حيث يحتمي الفرد بالحشود لتنطلق الحناجر بالرفض او الانخراط في التجمع لغايات انتهازية وبنفس عقلية الفيراج أي الصياح تهليلا للحزب وقادته وحكمتهم. ولعل من المفارقات ان نفس ذاك الشباب الذي قد يكون ممن يصيحون في الفيراج ضد السلطة وهو داخل الحشود اضعف من ان يواجه وهو منفرد وهو ما يجعل الشعب تستثمرهم في الاستقبالات وفي الاجتماعات العامة التي ينظمها الحزب مستفيدة من مهاراتهم في التعبير بصوت مرتفع وضمن الحشد
كان الشباب خاصة بعيدا عن عوالم الدراسة ولم تكن هناك حركة تلمذية ولا طلابية قوية خاصة وان النظام اضعف النقابات الطلابية وحاول الهيمنة عليها. وقد حاول تخريبها دوما عبر الحفلات والتظاهرات ومقابلات كرة القدم الاستعراضية والتي كان يوظف لها شبابا تربى على ثقافة الملاعب هو الاخر.
إن هذه الظاهرة جعلت التونسيين يختلط لديهم عالم الفيراج بعالم السياسة ولم يكن هناك فضاء للتعبير اكثر انفتاحا من حشود الفيراج. وقد وجد نوع من الكر والفر بين السلطة ومجموعات الفيراج من خلال تصادمهم مع الشرطة بسبب بعض الشعارات او الدخلات. ولقد حاول النظام استثمار الفيراج احيانا في حالات حضور الرئيس في بعض التظاهرات الرياضية عبر استقطاب بعض المنتمين من اجل تقديم لافتات ترحيبية والتوقي من ظهور اي لا فتات او صيحات قد تقلق راحة الزائر العظيم.
اذن تربي الشباب على السياسة في الملاعب معارضة ومساندة. ولعل هذا ما يفسر مظاهر تكوير السياسة في البرلمان التونسي وتحويله الى فيراج يعلو فيه الصياح والخطاب العنيف. فصوت النهضة الملعلع في البرلمان وان اعلن انتماءه الى مسمى ائتلاف الكرامة سيف مخلوف مازال يتصرف بمنطق الفيراج الذي اعلن اكثر من مرة انه ابنه.
فتأسيس ائتلاف الكرامة فرعا من فروع النضهة مع البقاء في نفس الفيراج يشبه الى حد كبير ما تفعله جماهير كرة عندما تتاسس مجموعة جديدة قد تكون منشقة عن مجموعة سابقة وكلاهما تساندان نفس الجمعية ونفس الاهداف ويتباريان في طرائق التشجيع والرد على الخصوم. وقد يختلفان احيانا لكن العقلاء في الجمهور يصلحون بينهما على اساس منطق ان الاهم هو مصلحة الجمعية وتشجيعها هي الغاية الاسمى
واذا كانت المجموعات في الفيراج تتبارى في عنف الخطاب والرد على الخصوم وتتتفنن في بذاءة القول وتؤسس خطابها على مقولات “القرحة” وخطاب المحق والسحق للخصوم الى جانب استعمال السخرية والسباب ادوات لمواجهة الخصوم فقد نقل مخلوف وائتلافه ادوات الفيراج الى البرلمان. وإذا كان الاعتداد بالنفس ومهاجمة كل سلطة ومواجهتها بعقلية المراهقين الذين يرغبون في نيل الاعتراف وجلب الاهتمام فإن مخلوف لم يتاخر عن نقل ذلك إلى قبة البرلمان. وإذا كانت جماهير الفيراج توظف داخل الفريق الواحد اما لمهاجة لا عب او مسؤول بتحريض ما أو انها تضع نفسها تحت خدمة شق معين فإن ذاك جلي في علاقة النهضة ومخلوف فهو مجموعتها التي تستنفرها ضد كل من لا يروق لها خطابه بداية من رئيس الدولة الى اصغر الخصوم
على الضفة الاخرى، سبق وان اشرنا الى ان السلطة استغلت عقلية الفيراج هذه في اجتماعاتها وتظاهراتها وانتجت هتّيفة يحسنون الصياح ويتميزون بالقدرة على تبرير كل شيء سلاحهم في ذلك الصياح والصوت المرتفع. وهو ما يظهر في سلوك عبير وريثة التجمع التي حولت البرلمان الى ساحة للصراخ بعقلية الفيراج التي تقوم على منطق كلما كان صوتك اعلى اسكت الخصوم.
في كل هذا يجد الناس انفسهم مشدوهين امام مشهد الفيراج البرلماني الذي يتعالي فيه السباب والشتائم. غير ان صفحات التواصل الاجتماعي من جهة اخرى تزيد الطينة بلة فهي تتعامل مع هذه الظواهر بمنطق جمعيات الكرة وكل يهتف بفيراجه ومجموعاته كلما اسفت في القول واساءت الى الخصوم معتبرا ذاك يشفي غليله.
في هذا الخضم يضيع كل صوت يقول لا لكل هذا وان هؤلاء يسوقوننا نحو الفوضى وان ما يفعلونه والصفحات التي تساندهم ستؤدي في اي انتخابات قادمة الى برلمان على طريقة “شكون سرق باش الاخر” وهي ظاهرة فيراجية تمثل افتكاك مجموعة لمعلقة مجموعة اخرى تقوم بعدها معارك حامية الوطيس على شاكلة جرائم الشرف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    الموقع يزوره العرب من مختلف المناطق, لذا يجب ان تكون المصطلحات المستخدمة مفهومة لدى القاريء العربي…..ما معنى كلمة…الفيراج …كان على الكاتب ان يكتب معناها بين قوسين على الاقل تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق